إرهابهم.. إرهابنا؟!
27 اغسطس (آب) 2014 03:00 | 0 تعليق

عيسى جابلي*
عيسى جابلي*

إن أعلى المخلوقات قدراً النفس البشرية، وإن الإنسان أكثر الكائنات تكريماً في كلّ الشرائع والمعتقدات والأديان والأعراف والقوانين بلا جدال ولا نقاش. ولا يمكن بحال من الأحوال تبرير قتل نفس مهما كان لونها أو عرقها أو دينها أو لغتها.. هذه قناعات تسكنني حد الإيمان.. ولا ينبغي أن يفهم ما سيأتي على أساس أنه تبرير للإرهاب أو تواطؤ معه أبداً بقدر ما هو حفر في الذات ونقد لخطاها.

موضوع أثير

صار الحديث عن الإرهاب والإرهابيين الموضوع الأول من حيث التداول، وأصبح الخوض في شأنه أثيراً مغرياً لتساهل مضمر مع الظاهرة، أو تجاهل واضح لمختلف أبعادها العميقة. وصار القضاء على الإرهاب مطية يركبها الساسة ليجعلوه على رأس حملاتهم الانتخابية في الكثير من الدول العربية والغربية، بشكل يفوق حتى تلك الحمى التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2011. ذلك أن المجموعات التي تبنت العنف سبيلاً لفرض أفكارها بالأمس صارت اليوم أكثر تنظيماً وإحكاماً، والرقعة التي تسيطر عليها قد اتسعت، والأسلحة التي تمتلكها باتت أكثر تطوراً. كما تمكنت هذه المجموعات من كسب المزيد من المؤيدين من العالم العربي وتعدته لتستقطب أمريكيين وبريطانيين وغيرهم، ما جعل التفكير في ظاهرة الإرهاب أكثر جدية من ذي قبل، وظهرت تفسيرات تراوحت بين السطحية حيناً والتعالي عن الواقع أحياناً، والحال أن هذه الظاهرة في حاجة إلى وقفة أكثر عمقاً.

في المفهوم أو حتى لا ننسى "الرجل السّمين" و"الولد الصغير"!

صرنا نلاحظ أن تسمية هذه الظاهرة "إرهاباً" هو ضرب من ضروب التبرؤ منها ومن أهلها، فنلحق أنفسنا بالمعسكر المضاد حال نطقنا بهذا التوصيف السحري.

إن أكبر خطإ يقترفه مفكر في ظاهرة الإرهاب هو اعتبارها "إسلامية"، بمعنى أنها "حرفة" يقوم بها المسلمون دون سواهم كما يذهب إلى ذلك الرأي العام الأمريكي والغربي بصفة عامة، فصرنا نلاحظ أن تسمية هذه الظاهرة "إرهاباً" هو ضرب من ضروب التبرؤ منها ومن أهلها، فنلحق أنفسنا بالمعسكر المضاد حال نطقنا بهذا التوصيف السحري. والمتأمل في التاريخ يلحظ بوضوح وجلاء أن ظاهرة الإرهاب كانت موجودة منذ زمن بعيد، اختلفت المرجعيات والإيديولوجيات والنتيجة واحدة: التقتيل والترهيب والتهجير والسلب والنهب. يكفي فقط أن نعود إلى الحقبة الاستعمارية حتى نتبين فظاعة ما كان "العالم المتقدّم" - والذين يدعون اليوم أنهم "ضد الإرهاب" - يقومون به إزاء الشعوب المغلوب على أمرها. ولن نحتاج إلى تذكر تفجيرات هيروشيما وناكازاكي عندما كان إرهاب الدولة يتفنن في حصد أرواح الأبرياء. ولن نحتاج إلى مقارنة بين عدد الأرواح التي حصدت حينها (أكثر من مائتين وخمسين ألف شخص) وعدد من سقطوا اليوم بسبب الإرهاب. يشهد على ذلك "الولد الصغير" الذي ألقي على هيروشيما اليابانية فترك قرابة 150 ألف قتيل، ويؤكد شهادته "الرجل السمين" الذي ألقي على المدينة الثانية مخلفا قرابة 150 ألف قتيل أو يزيدون.

إنه المشهد عينه، إذا عدنا إلى ما كانت فرنسا تقوم به مع المغاربة الذين رفضوا الاستعمار وعنجهيته. ألم تتفنن في قطع الرؤوس ووضعها أمام الملإ في الساحات العامة لكي تملأ الصور التذكارية التي ظلت موجودة إلى اليوم ينهل منها إرهابيو اليوم طرق تقتيلهم وحصدهم للأرواح.

إنه المشهد ذاته، إذا عدنا إلى ما اقترفته محاكم التفتيش الإسبانية باسم الدين والكنيسة. المشهد ذاته يتكرر في تونس والعراق وسوريا وليبيا وغيرها من الدول. فهل ما زال من حقنا أن نقرن الإرهاب بالإسلام مدعين أنه منبعه ومصدره؟

إن الإرهاب واحد مهما اختلفت الأزمان ذلك أنه مرتبط بحق الآخر في تقرير مصيره وممارسة حياته بمختلف أبعادها بالشكل الذي يريد. فلماذا نتملص اليوم من التهمة كأننا لسنا طرفا في المسألة؟ لماذا نتبرأ مما اقترفت أيدينا نحن البشر جميعاً؟ أليس حرياً بنا إذن أن ننظر في المسألة بشكل أشمل وأعمق بدل التراشق بالتهم ورفع أيدي البراءة مما يحصل؟

الإرهاب.. إرهابنا

نعم الإرهاب إرهابنا.. نحن البشر الذين تصورنا أننا جعلنا من الأسرة نواة للمجتمع، فيها يتربى النشء على المبادئ الإنسانية من احترام وتضامن وحب للآخرين وعدل ومساواة دون اكتراث باللون واللغة والدين والعرق، فإذا الأسرة مفككة وإذا نحن نعيش فرادى يعامل بعضنا بعضا كما يعامل العدو عدوه، يحذره ويخافه ويعمل على الإطاحة به بأي شكل من الأشكال. وإذا نحن في غابة قويها يأكل الضعيف. غابت الأسرة أو غيبت ليحل محلها الفرد ومبادئه الذاتية الخاصة التي لا تؤمن بغير المصلحة الشخصية ديناً. فهل بعد هذا نتساءل: من أين جيء بكل تلك الكراهية والقدرة على الانتقام والتنكيل؟

إن الإرهاب عمل لا إنساني بكل أشكاله ولكن ألم يحن الوقت لتعديل أزرارنا وضبطها على نظام جديد غير "النظام العالمي الجديد" الذي عكس نتائج لا تخطر على بال أحد.

نعم الإرهاب إرهابنا الذي صنعناه بأيدينا.. نحن البشر الذين تهيأ لنا ذات زمن أننا مأسسنا التربية والتعليم فعمت المدارس الأرض وغزت الكتب المكتبات واقتحمت البيوتَ مصادرُ المعلومات المتنوعة من حواسيب وشبكات اتصال وهواتف وتلفزات تمطرنا بالمعرفة من كل جانب. خلنا في زمن ما أن المدرسة قادرة على شحذ العقل البشري وتربيته على أسمى المبادئ. كانت المدرسة تشع على الشارع والبيت والحي والبلد، فتخفف من هول ما يمكن أن يرتكبه الإنسان من فظاعات، فإذا بها تتحول إلى ضحية من ضحايا نظمنا واختياراتنا. وإذا الشارع يغزوها في عقر دارها، وإذا ساحاتها تمتلئ بقيم الشارع والموت والعنف بمختلف أشكاله. أبعد هذا نتساءل: من أين جاء الذين تخرجوا من مدارسنا بكل تلك القدرة الفائقة على التفنن في التقتيل؟

القياس نفسه يمكن أن نسحبه على المجتمع ككل، ذاك المجتمع الذي صار في عصرنا "دوليا"، وبات ضوءاً بعيدا يظهر حيناً فيعشي الأبصار ويختفي أحياناً حتى كأنه لم يكن. فإذا نملة في المريخ – وإن لم تكن – تعثرت في مصلحة من مصالح الدول العظمى، تحرك "المجتمع الدولي" لردعها. أما إذا داس فيل على رقبة كائن بشري من غير المنضوين تحت "هذا المجتمع الدولي" صمتت الأفواه وتلهت بحك الجلود ونبش التراب، فلا مجتمع ولا دول. حدث ذلك في سوريا وليبيا وغيرها لما تدخل "المجتمع الدولي" لردع أنظمنها لأن المصلحة الأمريكية الأوروبية باتت في خطر. ويحدث اليوم في العراق الذي تقصف طائرات "المجتمع الدولي" مواقع داعش لأنها أصبحت خطراً حقيقيا ماثلاً يقترب من مصالحها في العراق ودول الجوار "الشقيقة والصديقة"، كما حدث في مالي عندما تحرك "المجتمع الدولي" لمساعدة مالي على إبقاء ذهبها وألماسها على ذمة "المجتمع الدولي"، بينما لا يحرك ساكناً عندما يتعلق الأمر بمناطق أخرى لا تهمه من قريب أو من بعيد، مثل غزة التي لم يمطرها الكيان الصهيوني بالقنابل بل أمطرها – في عيون "المجتمع الدولي" طبعا – بالحلويات والياسمين.

نظام عالمي.. جديد

إن الإرهاب عمل لا إنساني بكل أشكاله ولكن ألم يحن الوقت لتعديل أزرارنا وضبطها على نظام جديد غير "النظام العالمي الجديد" الذي عكس نتائج لا تخطر على بال أحد. فصار الإنسان وحشا بأتم معنى الكلمة، يستخدم قاعدة الربح والمصلحة لاستغلال الآخر والسيطرة على ممتلكاته واستعباده بكل الأشكال. سرت كبرى الشركات في أوصال الكرة الأرضية كالتنين تمتص الدماء والخيرات، تعين الرؤساء وتختار القادة – قادة "النظام العالمي الجديد" – على طريقة كوكا كولا في "لجنة" صنع الله إبراهيم، غير عابئة بقيم ولا بمبادئ. لا شيء غير الدولار والدولار، ولا منطق غير الربح والاستغلال حد النخاع. أليس الإرهاب مظهراً من مظاهر عقم "النظام العالمي الجديد" وشكلاً من أشكال وحشية الرأسمالية التي متعت الأقلية بخيرات الأغلبية؟ أليس الإرهاب ضوءاً أحمر في وجه مسلماتنا: الحرية والديمقراطية والعدل وحقوق الإنسان التي صنعها "النظام العالمي الجديد"؟

صيحة فزع!

سأضم صوتي ختاماً إلى إدغار موران لأصيح معه فزعا: " إن الكرة الأرضية - الوطن في حالة خطر. إننا في خطر، والعدو، ليس شيئا آخر سوى نحن أنفسنا"، ولا سبيل للتملص من المسؤولية. وعندما نؤمن بمسؤولياتنا جميعا عن الإرهاب، عندما نؤمن أننا نحن بنظمنا وتفكيرنا ومؤسساتنا ومبادئنا وقيمنا قد صنعناه، حينها لن يكون هنالك إرهاب. قديما قال مارتن لوثر كينغ منذ زمن: "إمّا أن نعيش معا كإخوة، أو أن نغرق معا كالحمقى" وأرانا اليوم أكثر حاجة إلى وعي ما قال.

 

* كاتب وباحث تونسي

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق