أحفاد سايكس يخشون التقسيم!
22 سبتمبر (أيلول) 2014 16:27 | 0 تعليق
التقط عدد من الكتاب والمعلقين مفارقة التصويت الذي أوقف الدولة المتحدة على أطراف أصابعها، حين أعلن الاسكتلنديون عزمهم الانفصال عن مملكة التاج البريطاني، ما يعني، لو حدث، انطفاء نجم الامبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس.
وفيما حذّر زعماء وسياسيون بريطانيون من مخاوف انفصال اسكتلندا عن الاتحاد البريطاني لجهة تعزيز النزعات الانفصالية في إيرلندا الشمالية أو حتى في إقليم ويلز، فإن ذاكرة مشبعة بالألم والشعور بالتناقض الحاد تقفز إلى الخاطر، حين تهجم علينا الذكرى البائسة لاتفاقية سايكس بيكو التي مزّقت الهلال الخصيب وبلاد العرب مطالع القرن الفائت، بحيث عقدت المملكة المتحدة تفاهمًا سريًا مع فرنسا على اقتسام الهلال الخصيب بينهما لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الامبراطورية العثمانية.
وضع الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس، ونظيره الفرنسي فرانسوا جورج بيكو، الخريطة أمامهما، وراحا يقتسمان غنائم الجغرافيا، بعد دخلت الإمبراطورية العثمانية حالة المرض والعجز جعلتها لا تقوى على قول (لا) أمام هذه الاقتطاعات المؤلمة في جسد دولة الخلافة!
أحفاد مارك سايكس أحسوا بهذا الألم وهو يضعون أياديهم على قلوبهم، وينتظرون نتائج الاستفتاء، الذي حُسم بفارق بسيط لمصلحة البقاء في إطار الاتحاد البريطاني، لأن الاتحاد معناه أن تبقى الدولة المتحدة قوية، مؤثرة في أوروبا، ومحافظة على استقرار عملتها، وبالتالي استقرارها الاقتصادي، وقدرتها على تقديم وسائل الرفاه لمواطنيها، وتجنيبهم شر العوز والحرمان والشقاء وانفقاد الحرية والعدالة والطمأنينة.
لكنّ أولئك الأحفاد لم ينظروا إلى الضفة الأخرى من مشهد قديم غائر في البؤس، حين رضي أجدادهم باستعمار بلاد الآخرين وتمزيقها وتعذيب أهلها وتواطئها المعيب مع قطعان اليهود الذين أرادت أوروبا أن تتخلص من أعبائهم فرمتهم نحو فلسطين، ليؤسسوا أبشع كيان عنصري متوحش في التاريخ.
ما تحبه وترضاه بريطانيا لنفسها، تحرّمه على الآخرين، ما يعني، وهنا صفوة القول، الانفصام الفادح بين الخطاب والواقع، وهو أمر لا تختص به بريطانيا وحدها، بل أغلب دول العالم المتحضّر الذي لا يشعر بآلام الآخرين وتضرّعاتهم المخنوقة التي تشقق سقف السماوات في أربع جهات الأرض!
بريطانيا تخشى التقسيم، لكنها تتواطأ مع القوى الكبرى على تقسيم العالم الثالث المنكوب بمستبدين خلقتهم هذه الدول ورعتهم ووفرت لهم الملاذات الآمنة كي يبطشوا بشعوبهم، وينكلوا بأحلامهم، ويدفعوهم نحو العنف والتطرف والكفر بالمباديء والقيم التي تصلح للداخل الأوروبي، ولا تصلح لما هو خارج الحدود، فقتل إنسان أوروبي يقيم الدنيا ولا يقعدها، أما نسف مدن بالبراميل المتفجرة، وتدمير أبراج سكنية بطائرات الإف 16، واغتيال الأطفال، فهذه تفاصيل لا تؤرّق كثيراً الضمير العالمي!
كثيرون تمنوا أن تكون نتيجة الاستفتاء لمصلحة انفصال اسكتلندا عن الاتحاد البريطاني، لأنهم يريدون أن يتجرّع البريطانيون علقم الانفصال والتمزق، رغم أن انفصال اسكتلندا لن يكون بمذاق انفصال بلدان كبلداننا تعيش على حواف الحضارة والتمدن والعقل والأخلاق، وتستجدي من قسّمها ودمّرها ونهب خيراتها، وتطالبه ليل نهار بمزيد من التدخل، ومواصلة غرس سكينه المسمومة في خاصرة بلاد تعشق جلاديها بشبق أعمى!
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

