"غالي شكري" قبطي عربي، مزج آيات القرآن بشعارات العدالة الاجتماعية
29 يوليو 2015 | 0 تعليق

الراحل غالي شكري
حاتم زكي*

  ولد غالي شكري في 12 مارس 1935م، بمدينة منوف في محافظة المنوفية، من أصول صعيدية ترجع إلى جرجا، ثم التحق بالمدرسة الإنجليزية، وبعد إتمامه الدراسة استجاب  الفتى غالي لإلحاح الأب في  الالتحاق بمدرسة (الزراعة الثانوية)، وبرغم نفور الابن منها فإنه نجح بتفوق، ثم أكمل بالشهادة الإنجليزية دراسته بالمراسلة من جامعة لندن، ودرس الصحافة بالجامعة الأمريكية في القاهرة، ثم تعلم الفرنسية، وحصل على دبلوم (المعهد العالي للدراسات الاجتماعية) من باريس.

حفظ القرآن كاملاً بالتجويد في سن السابعة على يد الشيخ (حافظ)، وسط ترحيب أسرته القبطية، ثم درس على يد شيخه (المنتخب في أدب العرب )، وفي إحدى احتفالات المولد النبوي الشريف اعتلى المنصة وخطب وسط انبهار الحضور وإشادتهم بهذا الغلام الموهوب في الخطابة.

ينتمي شكري إلى جيل المرحلة الليبرالية التي كانت الوحدة الوطنية شعاراً رفعته أجيال من المسلمين والأقباط، فبزغت شخصيات مثل مكرم عبيد ثم اختلطت شعارات الوحدة الوطنية مع شعارات العدالة الاجتماعية التي صعدت بعيد الأزمة الاجتماعية الطاحنة التي ألمت بمصر، وكانت سبباً رئيسياً لظهور حركات يسارية عديدة ثم حركة الضباط الأحرار.

يقول الدكتور غالي عن ذكرياته مع القرآن:"حفظت القرآن كاملاً بالتجويد، وطبيعي أنه قد استعصى على عقلي فهم معظم الآيات بحكم سنّي الصغيرة. ولكن رويداً رويداً بمجرد أن درست القرآن بالعمق الذي درّسه لي الشيخ حافظ نموت عقلياً". قرأ غالي أمّهات كتب الشعر والتراث وافتتن بالجاحظ وابن المقفع، وعمره أربعة عشر عاماً.

لم يكن غريباً عن هذا العصر أن يحفظ غالي شكري القرآن، فقد سبقته أجيال من الأقباط يتلون القرآن ويخطبون بآياته في المناظرات السياسية والمقالات الثقافية مثل: مكرم عبيد ونظمي لوقا، وغيرهما من الساسة والمثقفين الأقباط الذين اندمجوا في الحياة السياسية والثقافية المصرية.

وعندما قدم إلى القاهرة قابل الأستاذ (سلامة موسى) وتتلمذ على يديه، فكان يستعير منه الكتب، وتعرّف على ثلاثة مشايخ كانوا من أصدقاء أستاذه سلامة موسى، هم: خالد محمد خالد، والغزالي حرب، ومحمود أبو ريه  صديق د. طه حسين الصدوق.

كان شكري يستمع إليهم وينصت باهتمام بالغ، وكانت حواراتهم مع أستاذه مدخلاً للفكر الإسلامي بمدارسه المتنوعة، فقرأ في علم الكلام والفلسفة الإسلامية، واهتمّ بالخط العربي والعمارة الإسلامية وتفاسير القرآن الكريم الحديثة للإمام (محمد عبده) والتونسي (الطاهر عاشور).

يقول دكتور غالي شكري عن الإسلام: "استقرّ في وجداني أنّ الحضارة العربية الإسلامية هي الثقافة، وليست العروبة بمعناها العرقي العنصري وإنما العروبة والإسلام ثقافة وحضارة، وبالتالي كان يمكن لمسيحي مثلي أن ينتمي إليه عبر وطنيته المصرية". ويقول أيضاً :"إنني أنتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية، فأنا مسلم لا أقل إسلاماً عن المسلمين العرب جميعا في شيء....إنّ جميع العرب مسلمون بما في ذلك أصحاب العقائد الدينية المختلفة، فأنا أعتبر نفسي مسلماً بالثقافة والحضارة رغم أني مسيحي". وبدافع حرصه على الاسلام المصري الوسطي المعتدل يقول: "مناهجنا في تعليم اللغة العربية والتراث الإسلامي أثمرت الفكر السلفي، وفي ظني أنّ الضحية الأولى له هي الإسلام ".

ويرى غالي شكري أنّ الأديان ثقافات كبرى في تاريخ البشرية، وبالتالي فما يحتويه القرآن من حكمة وموعظة حسنة وخلق نبيل وقيم رفيعة هو مكسب للجماعة الإنسانية.

وصل غالى شكري إلى مجموعة من المبادئ والافكار عن ذاته وثقافته ومجتمعه الذي حلم به طويلاً، وأول تلك المبادئ أنّ المعرفة ليست حكراً على عالم أو مثقف؛ فالحكمة عامة يدركها العالم والجاهل، ثانياً الانتماء غير المحدود لإنسانية الإنسان، والخلق لدى أصحاب المواهب الكبيرة فهو منحاز سلفاً لموهبة المواهب وعبقرية الكون الكبرى الإنسانية، ثالثاً أنّ الحرية جوهر العقل الإسلامي وأنّ الحوار والتاريخ والعقلانية عناصر أساسية لأيّة نهضة حضارية حقيقية أصيلة ومعاصرة . رابعاً أنّ للأمّة العربية خصوصية مستقلة، وتاريخنا ليس تاريخ الغرب، والغرب ليس هو العالم، وأنّ الاسلام أول من وحّد العرب، وأحد عناصر القومية العربية، والإسلام لا تحتكره مؤسسة دينية وسيطة ولا وساطة بين الله والإنسان، وعن مجتمعه رأى أنّ الاشتراكية ليست أكثر من دليل عمل يمتحن القوانين العامة والرؤية الشاملة، وأنه على الأمّة العربية اكتشاف خصوصيتها الوطنية والقومية واستنباط قوانين التطور التاريخي الاجتماعي الثقافي الخاص بالأمّة العربية لإبداع اشتراكية عربية بدلاً من استجداء عقل الآخرين، ليتسنى لنا أن نستفيد من الخبرة العامة ونضع الخبرة العربية التاريخية في المقدمة (فلا السلف الصالح ولا تجارب الأمم الأخرى بقادرة على نجدتنا إذا لم نعمل نحن ونبدع).

كان يؤمن بأنّ تمصير كل فكرة ومعتقد حرفة مصرية أصيلة، فالدين المسيحي والاسلامي المصريان لهما نكهة خاصة تميزهما عن باقي البلاد التي تعتنق الديانتين نفسهما.

انصهر شكري في الحركة الوطنية، وقاد مظاهرة في الثانية عشرة ضدّ الاستعمار البريطاني، وظلّ يمارس هوايته في التظاهر حتى جلاء القوات البريطانية عن مصر، ثم انتقل إلى القاهرة وتعرّف على مجموعة أدباء يصدرون مجلة اسمها (قصتي)، شارك فيها مع أحمد بهجت وفتحي سرور وصبري موسى ومحمد عبد الحميد وكمال مرسي المحامي، وفي سنة 1956 قدّم سلامة موسى الكاتب غالي شكري إلى موسى صبري رئيس تحرير مجلة (الجيل).

وفي ظل أزمة الديمقراطية اختفى مع مئات المثقفين التقدميين ثلاث سنوات بين عامي 1959-1962 في السجون الناصرية، وبسبب نشاطه السياسي تمّ فصله في مارس 1973 مع 120 كاتباً فى عصر السادات فيما سُمّي (مذبحة الاتحاد الاشتراكي)؛ ليسافر إلى لبنان ثم فرنسا ليناقش  الدكتوراه وموضوعها (النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث) مع المستشرق الفرنسي جاك بيرك، وقد حاول بحث جذور النهضة والسقوط التي لازمت النهضة المصرية أثناء فترتي حكم محمد علي باشا وجمال عبد الناصر، ثم عمل في السربون منذ عام 1977 وظلّ بفرنسا اثنتي عشرة سنة ونصف  السنة للتدريس والكتابة، وبعد كتابه "الثورة المضادة في مصر" الذي حلل فيه أسباب انقلاب الرئيس الراحل محمد أنور السادات على سياسات الرئيس جمال عبد الناصر تحت مسمّى سياسات الانفتاح الاقتصادي سحبت السفارة المصرية بباريس جواز سفره عقاباً له لنقده لنظام السادات السياسي والاقتصادي حتى عام 1985 حينما حكمت له محكمة مصرية باسترداد جواز سفره، وعاد بعدها إلى القاهرة مباشرة للعمل بجريدة الاهرام.

وبعد عودة غالي شكري عمل أستاذاً للنقد الأدبي بكليّة الإعلام /جامعة القاهرة عام 1992 وأستاذاً للدراسات العليا بأكاديمية الفنون  في القاهرة في العام نفسه.

كتب الراحل في النقد الأدبي كتابات أهمها: (أزمة الجنس في القصة العربية) و(المنتمي: دراسة في أدب نجيب محفوظ) و(ثورة المعتزل: دراسة فى أدب توفيق لحكيم )، وفي النقد السياسي الاجتماعي له كتب أهمها (الثورة المضادة في مصر) و( التراث  الثورة) و (سلامة موسى وأزمة الضمير العربي).

ظلّ د.غالي شكري مفكراً قبطياً من جيل الثورة، انحاز لهموم وطنه مصر، ولمحن أمته العربية، وظل فخوراً بانتمائه للحضارة الإسلامية، وفي مايو 1998 رحل عن عالمنا بعد صراع مع المرض.

 

*باحث مصري

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق