ندوة حول الأبعاد الإنسانيّة في التجربة الصوفيّة
22 ديسمبر 2014 | 0 تعليق
جانب من الندوة -(ذوات)
نظمت الجمعيّة التونسية للدراسات الصوفيّة بالتعاون مع بيت الحكمة بتونس يومي 9 و10 ديسمبر 2014 ندوة علميّة دوليّة تحت عنوان "الأبعاد الإنسانيّة في التجربة الصوفيّة"، وقد جمعت هذه الندوة عددا من الباحثين في مجال التصوف من تونس ولبنان وإيران والجزائر، وامتدّت أشغالها على خمس جلسات خصصت للنظر في مواضيع:
- التصوف والإنسان: وتدخّل فيه د. توفيق بن عامر (تونس) الذي تحدّث عن "الإنسان الصوفي" من حيث هو أنموذج وضعه المتصوّفة للإنسان وراموا تحقيقه على أرض الواقع، سواء من جهة الجوهر والكيان أو من جهة السلوك والممارسة في صلته بالخالق والمخلوق. وفي مداخلة ثانية، سلّط د. عبد السلام حمدي (تونس) الضوء على منزلة الإرادة لدى الصوفيّة بين الرأي الاعتقادي والمسلك الروحي، سعياً منه إلى إدراك الدلالات الوجوديّة والمعرفيّة المتّصلة بالإنسان سبيلا لمناقشة مسلّمة قضت بأنّ الجبريّة من أخصّ خصائص التصوّف. أمّا الدكتورة سعاد الحكيم (لبنان)، فقد عملت على بيان الأبعاد الإنسانيّة في تجربة ابن عربي وفكره عبر ثلاثة محاور: وهي الله، والمرأة، والإنسان الكامل، مناقشةً دور الإنسان في صناعة معتقده وفكرته الشخصيّة عن الذات الإلهية، مؤكّدة أنّ المرأة معيار ومقياس لإنسانيّة الفرد والمجتمع، معتبرةً أنّ الإنسان قيمة محوريّة في الوجود والمعرفة، وأنّ الله هو من طلب وجوده وأراده لأنّه عين جلاء مرآة الكون، وهو وحده من دون كافة الكائنات المؤهل لمعرفة الله. وختمت د. سعاد الجويني (تونس) بالنظر في "منزلة الإنساني في التصور الصوفي للتستري" متسائلة عمّا إذا كان المبحث الإنساني مندرجا ضمن أصول التصوّر الصوفي أم هو مقترن بأعمال المتأخّرين، مثل ابن عربي نتيجة الامتزاج بين الصوفي والفلسفي في مستوى التصوّر.
- التصوف والمجتمع: وتكلّم في هذا الموضوع د. محمد بالطيب (تونس) الذي قدّم مداخلة بعنوان "البعد الاجتماعي في التجربة الصوفيّة" وحاول الكشف عن أدوار الصوفي في المجتمع من خلال علاقته بإخوانه وبسائر الناس ليبرهن على أنّ التصوف سواء كان تجربة فرديّة أو مؤسّسة جماعيّة، لم يكن بمعزل عن المجتمع ومشاكله وآلامه ومآسيه... أمّا د. عواطف بن صالح (تونس)، فقد أثارت موضوع "آداب الصحبة عند أبي عبد الرحمن السلمي" متسائلة عن أهمّ القيم التي يتأسس عليها مفهوم الصحبة في التصوف ودورها في المعاملات الإنسانيّة قديما وفرص استمرارها وتواصلها في مجتمع اليوم.
وخيّر د. صادق رمضاني (إيران) توجيه النظر إلى "التصوف في السودان" ودوره في حل المعضلات الاجتماعيّة ونشر المعارف الإسلاميّة، فالإسلام دخل إلى السودان عبر التصوف وتجذّر وانتشر حسب رأيه على يد شخص إيراني حمل اسم تاج الدين بهاري (المولود سنة 928 هـ) وكان من أتباع الشيخ عبد القادر الجيلاني ومن المروجين لفكره. وختم الجلسة د منصف الخنقي (الجزائر) بالحديث عن "البعد الأخلاقي في التصوف" متسائلا عن السبل التي انتهجها الصوفيّة للوصول إلى أعلى مراتب الكمال الإنساني الأخلاقيّة والمعرفيّة.
- التصوف والكونيّة: في هذا الباب تحدّث د. مقداد منسية (تونس) عن "الإلهي والإنساني في شعر العفيف التلمساني: قراءة فلسفيّة"، وميّز بين ثلاثة مستويات في قراءة شعر التلمساني: المستوى الشعري، المستوى الصوفي والمستوى الميتافيزيقي، واختار المستوى الثالث والأخير لكونه في نظره قادرا على إبراز ما هو إنساني من خلال ما هو إلهي، فالمستوى الميتافيزيقي يعتمد تجربة فذّة للأنا تكون له فيها رؤية مركزيّة يدرك بها حقائق الوجود القصوى وتمكّن هذه الحقائق من فهم الجوانب الأساسيّة في الوجود الإنساني. واختارت د. سارة الجويني (تونس) موضوع "الكونيّة في التجربة الصوفيّة من خلال نماذج" لتتناول بالبحث جملة من الإشكاليات، مثل زوايا نظر المتصوف للعالم وحظّ الكونيّة من ذلك، وقابليّة الفكر الصوفي لتطارح قضايا إنسانيّة مقتطعة من بيئات دينيّة مختلفة متصلة بالمفارق ومدى خدمة التجربة الصوفيّة لأساس مفاده: التعدّد في الوحدة أو الواحديّة في التعدّد. أمّا د. صابر سويسي (تونس)، فقد عالج موضوع "الربانية في جوشن الإنسانيّة"، وهي عبارة اقتطعها من كلام لأبي الحسن الهجويري في تعريفه للتصوف، وحاول الحفر فيها من خلال التساؤل عن معنى الربانية وحقيقة الإنسانيّة وأبعادها في الفكر الصوفي، ليقف على خصوصيّة المنظومة الأخلاقية التي تمثلها الصوفيّة وجعلوها عمدة في تجربتهم وانفتحوا من خلالها على الآخر ظاهرا وباطنا.. وختمت د. صفاء بطي (تونس) بموضوع "الشيخ أحمد التيجاني الإنسان" لتبحث في الأبعاد الإنسانيّة لتجربة الشيخ العمليّة (السلوك والتربية) والفكريّة وامتدادها في أفراد الطريقة التيجانيّة.
- التصوّف والحداثة: وفي هذا الموضوع، تساءل د. لطفي عيسى (تونس) عن حاجتنا إلى التصوّف حاضرا وبنى إجابته على مقارنة بين تيارين صوفيين هما "الفرنشسكانيّة" نسبة إلى القديس فرانسوا داسيس (ت 1226) و"الشاذليّة" نسبة إلى أبي الحسن الشاذلي (ت 1258)، ليثبت قدرتهما على استيعاب مسائل غير بسيطة تتصل بسجلّ القيم الذي يصدر عنه فكر الحداثة على الرغم من صدورهما عن توجهات فكرية دينيّة توحيديّة محافظة.
وعرّج د. محمّد ناصر صدّيقي (تونس) على موضوع "البعد الإنساني في التصوف العرفاني الأندلسي: الششتري نموذجاً" وقد اتخذت مداخلته أكثر من منحى، إذ جمع الصوفيّ بالأنثروبولوجي والتاريخي لسبر أغوار شخصيّة الششتري في أبعادها الإنسانيّة والعرفانيّة. وتحدّثت د. مريم جاب الله (تونس) عن "العقلانيّة والصوفيّة في الأعمال النقديّة: محمد عابد الجابري نموذجًا" من خلال كتابين "بنية العقل العربي" و"العقل الأخلاقي العربي" بالتركيز على مفهوم التصوّف وطريقة تناوله فيهما، وذلك بغية إدراك أهمّيّة التثصوّف مفهومًا أساسيًّا في تشكلات العقل العربي وأهمّيّة البعد الأخلاقي الذي هو مؤسّس فاعل في بنية هذا العقل.
- التصوّف والإبداع: وفي هذا الموضوع، تنزّلت مداخلة د. عادل بلكحلة حول "تطوّر علاقة الشيخ ابن عربي بنظام" وقد حاول من خلالها بيان تأثير الحب البشري في تطوّر الحبّ الإلهي ومقاماته وفي تطوّر صورة المرأة عند ابن عربي فعلاقة ابن عربي بنظام بنت أبي الرجاء الأصفهاني لم تكن سكونيّة، بل ديناميكيّة، ممّا يحيل على تكامل الحبّ وصراع السلطة. وتحدّث د. خليل برويني (إيران) عن موضوع "معرفة الإنسان عند الشاعر الصوفي الإيراني الكبير المعروف بالمولوي" مركّزا على أشعار جلال الدين الرومي المتعلّقة بالإنسان ليبرهن على خصوصيتها وعمقها في الكلام على حقيقة الإنسان والهدف من خلقه وطبيعة علاقته بالله والكون وتميّزه عن سائر المخلوقات... واختتم د. محمد عزيز بن زاكور (تونس) بالكلام على "الأبعاد الفنية في التصوّف الطرقي بتونس من خلال نماذج" اختارها من القادريّة والعيساويّة والشاذليّة والسلاميّة، مشيرًا إلى ما تتميّز به هذه الفرق خاصة في فنّ السماع وفنّ الرقص وما قامت به من جهد في سبيل المحافظة على التراث الموسيقي التونسي فضلا عن إضافتها إليه متجاوزة بذلك المواقف المتشدّدة إزاء الفنون.
فكانت بذلك جميع هذه المداخلات فرصة لإثارة أسئلة تتصل بتصور الصوفيّة للإنسان ومنزلته في الكون وصلته ببني جنسه وبسائر الكائنات، وموقع رعاية حقوق الإنسان في التصوف بعد استغراقه في الكلام على رعاية حقوق الله، فضلا عن صلة التراث الصوفي بمجريات واقعه التاريخي والإنساني ومدى مساهمته أو تقصيره في دفع عجلة التقدم والتطوّر.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

