محمد الخضر حسين: بحر تونسي لا ساحل له... على رأس الأزهر
15 يناير 2015 | 0 تعليق
الشيخ محمد الخضر حسين -(ذوات)
لم يكن الشيخ محمد الخضر حسين (1876-1958) يعلم يوماً أنه سيتولى الأزهر، غير أن الأحداث جرت بما لم يتوقع، فـ"سقطت المشيخة" في حجره من حيث لا يحتسب، على حد عباراته. كان عالماً زيتونياً، نبغ في العربية وعلومها، وبرع في العلوم الدينية حتى وصف بـ"قليل النظير" في زمنه. كما كان نشطاً في المجتمع بالمجلات والجمعيات التي أسسها في تونس ومصر.
في "الكوفة الصغرى"
ولد الشيخ محمد الخضر حسين بمدينة نفطة الواقعة بالجنوب التونسي في 16 أغسطس (آب) سنة 1876، في أسرة علم وأدب أنجبت أسماء كثيرة عرفت بأدبها وغزارة علمها وتفقهها في العلوم الشرعية والأدبية كمحمد بن عزوز، أبي جده لأمه؛ ومصطفى بن عزوز، جده لأمه؛ والشيخ المشهور محمد المكي بن عزوز، خاله. وهي عائلة عريقة يقال إن أصولها ممتدة إلى الجزائر. وفي هذا الجو نشأ الشيخ وتلقى تربية دينية في مدينة نفطة المعروفة إلى اليوم بعلم أهلها وشدة اهتمامهم بالدين والشعر والأدب، وبخصوصياتها الجغرافية وطبيعتها الصحراوية ذات النخل والعيون، حتى حملت لقب "الكوفة الصغرى" لثراء ثقافة أهلها وشدة تعلقهم بالأدب والعلم.
حفظ الشيخ القرآن الكريم في سن مبكرة وتلقى بعض العلوم الشرعية واللغوية على أيدي علماء من المنطقة أبرزهم خاله محمد المكي بن عزوز الذي كان مهتما به ويرعاه منذ نعومة أظفاره. وربما كان لهذه الأسرة وهذه البيئة الثقافية الأثر البالغ في تكوينه منذ الصغر، فظهرت أولى محاولاته الشعرية وهو في سن الثانية عشرة من العمر.
الزيتونة وبداية رحلة المهامّ
انتقل مع أسرته إلى تونس العاصمة، حيث التحق بجامع الزيتونة، فواصل تعليمه على أيدي علماء أجلاء ومصلحين بارزين، أهمهم الشيخ سالم بوحاجب الذي يعد أحد أبرز أعمدة الإصلاح في تونس، ليتخرج سنه 1898، ويلتحق بجامع الزيتونة نفسه مدرسا متطوعا. وأثمرت مواظبته على مجالس العلم ومخالطة العلماء والناشطين والمصلحين والأدباء إنشاء مجلة "السعادة العظمى"، التي يقال إنها أول مجلة عربية ظهرت في تونس.
ولي القضاء في مدينة بنزرت سنة 1905، كما تولى الخطابة والتدريس في جامعها، ولكنه سرعان ما استقال عائداً إلى العاصمة، حيث اشترك في تأسيس الجمعية الزيتونية التي ترأسها العلامة محمد الطاهر بن عاشور. وفي تلك الفترة تم تعيينه مدرساً بالجامع الأعظم رسمياً، كما درس بالصادقية، التي كانت المدرسة الثانوية الوحيدة من نوعها في تونس كلها. وكان في الأثناء نشطاً مواظباً على الفعاليات الفكرية والأنشطة العلمية، وألقى محاضرة بعنوان "الحرية في الإسلام" في نادي قدماء خريجي الصادقية.
وكان الشيخ محمد الخضر حسين كثير التنقل، إذ سافر إلى بلدان عربية كثيرة منها الجزائر والشام التي يدرس أخوه بجامعها الأموي، وأقام بها ردحاً من الزمن، وألقى بالجامع ذاته دروساً في علم الحديث، والتقى علماء ورجال دين. كما سافر إلى بيروت وإسطنبول، حيث مستقر خاله محمد المكي بن عزوز. وفي دمشق اتهم بالتآمر على السلطة الحاكمة في عهد جمال باشا، وسجن ستة أشهر وعاد إلى التدريس بالمدرسة السلطانية والجامع الأموي.
ولما سقطت الشام في أيدي الفرنسيين غداة الحرب العالمية الأولى، كان الفرنسيون قد اتهموه بالمشاركة في تحريض المغاربة بألمانيا وتركيا على الثورة ضد الفرنسيين في شمال إفريقيا، وحكموا عليه بالإعدام غيابياً، فقرر الاستقرار في مصر نهائيا.
تونسي على رأس الأزهر
لما انتقل الشيخ إلى مصر، شغل خططاً وظيفية متنوعة. إذ عمل مصححاً بدار الكتب المصرية، وألقى الخطب والمحاضرات في المساجد، دون أن ينقطع اتصاله بما يجري في المجتمع من حراك ثقافي وجمعياتي، فأنشأ "جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية" سنة 1924، وأردفها بجمعية "جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية". وهو نشاط يعكس وعيه بما تعانيه شعوب شمال إفريقيا الرازحة تحت نير الاستعمار الغاشم واضطهاده، والجمعيات التي أسسها، إنما كانت محاولة لمساعدة المهاجرين إلى مصر من تونس والجزائر والمغرب ليواصلوا نشاطهم النضالي في مصر. ولم يكن الشيخ منقطعاً عن هموم الأمة الإسلامية التي أخذ منها الاستعمار والشتات والتخلف والجهل كل مأخذ، إذ كان واعياً بما آلت إليه الأوضاع، حاملاً القضية، فنقرأ من شعره:
أدمى فؤادي أن أرى الـ أقلام ترسف في القيود
فهجرت قوما كنت فـــي أنظارهم بيت القصيــد
وحسبت هذا الشرق لــم يبرح عهد الرشيـــــــد
فإذا المجال كأنــــــــــه من ضيقه خلق الوليـد
وفي مصر طاب بشيخنا المقام، فحصل فيها على الجنسية، وتقدم لامتحان شهادة العالمية بالأزهر، ومثل أمام لجنة برئاسة الشيخ عبد المجيد اللبان، فوجئت بغزارة علمه، فقال الشيخ اللبان: "هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حِجاج". والتحق بالتدريس في الجامع الأزهر، وتولى رئاسة تحرير مجلته التي كانت تسمى "نور الإسلام"، وهي اليوم "مجلة الأزهر".
غداة ثورة الضباط الأحرار في 1952، أرسل له الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر وفداً وزارياً في سبتمبر (أيلول) 1952 برئاسة الوزير الشيخ الباقوري ليعرض عليه تولي منصب شيخ الأزهر، فاعتذر. غير أن الوزير، وهو صديق قديم له، ألح عليه، وأقنعه بضرورة القبول، لأن الثورة تهدف إلى بناء دولة جديدة يجب عليه الانخراط فيها والمساهمة في إشادتها انطلاقا من موقع شيخ الأزهر، فقبل، وأطلق قولته الشهيرة: "لقد سقطت المشيخة في حجري من حيث لا أحتسب". وللشيخ محمد الطاهر ابن عاشور تعليق على ذلك: "ليحق لهذه الحقبة من التاريخ التي تُظِلُّنا أن تفخر بأنها بلغت فيها الصلات بين الأزهر والزيتونة أوْجها؛ فقد احتضن الأزهر إماماً من أئمة الأعلام، كان أحد شيوخ الزيتونة العظام".
ولكنه استقال من المشيخة بعد زهاء عامين؛ أي سنة 1954، متعللاً بكبر سنه، ويرى باحثون كثيرون أن السبب الحقيقي كان احتجاجاً على إلغاء القضاء الشرعي ودمجه في القضاء المدني.
نشاطه العلمي والثقافي
أسس الشيخ محمد الخضر حسين مجلات وجمعيات متعددة، منها "جمعية الهداية الإسلامية" ومجلة ناطقة باسمها تحمل العنوان نفسه، وجعل لها فروعا في مصر وسوريا والعراق؛ وتولى رئاسة تحرير مجلة "لواء الإسلام" سنة 1946، وكان عضواً في "مجمع اللغة العربية الملكي" عند إنشائه سنة 1932، واختير عضواً لهيئة كبار العلماء سنة 1950.
واشتهر الشيخ محمد الخضر حسين بردوده على كتاب ومفكرين من معاصريه، فلما أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه "الإسلام وأصول الحكم" سارع بالرد عليه في كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، ولما أصدر طه حسين كتابه "في الشعر الجاهلي" الذي حوكم بسببه، ألف الشيخ كتاباً يرد فيه عليه وعنوانه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي".
مؤلفات غزيرة
ترك الشيخ محمد الخضر حسين كتباً كثيرة أهمها: "وسائل الإصلاح" في ثلاثة أجزاء؛ و"بلاغة القرآن"؛ و"أديان العرب قبل الإسلام"؛ و"تونس وجامع الزيتونة"؛ و"حياة ابن خلدون"؛ و"دراسات في العربية وتاريخها"؛ و"تونس.. 67 عاما تحت الاحتلال الفرنساوي"؛ و"أدب الرحلات"؛ و"الحرية في الإسلام"؛ و"آداب الحرب في الإسلام"؛ و"تعليقات على كتاب الموافقات للشاطبي"؛ هذا بالإضافة إلى مقالات كثيرة نشرت بمختلف المجلات التي أسسها أو رأس تحريرها.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

