ما العمل؟!
28 يناير 2015 | 0 تعليق
في كتابه الشهير الذي يعدّ وثيقة تاريخية "ما العمل؟ المسائل الملحة لحركتنا" الذي أصدره قائد الثورة البلشفية فلاديمير لينين (1902) يتحدث فيه عن أن الثورة تحتاج إلى حزب قوي تتولى طليعته قيادة الثورة.ويتساءل لينين: كيف يمكننا أن نبدأ في وقت واحد ومن جميع الجوانب ببناء المنظمة التي نحن بحاجة إليها، مقراً بالتشويش والتردد اللذين كانا الصفة المميزة لمرحلة كاملة من تاريخ الاشتراكية- الديموقراطية الروسية.
لينين يسأل أيضاً عن كيفية سيطرة الأفكار البرجوازية على المجتمع، عازياً ذلك "لسببٍ بسيط؛ أن الأفكار البرجوازية أقدم بكثير في الأصل من الأفكار الاشتراكية، ولذلك فهي أكثر تطوراً، ولديها تحت تصرفها أدوات للدعاية بدرجة لا تقاس".
وقد تذكّر صاحب هذه السطور تلك المحطة اللينينية التي وسمت جزءاً أساسياً من حراكه، وهو يعاين مآلات التشكّل المفاهيمي لرؤى الشريعة وأطروحاتها وفق ما تقدمه القوى "الداعشية" التي تتعدى التنظيم نفسه، لتتجاوزه إلى مرحلة شديدة الالتباس يعيشها العرب والمسلمون في هذه القنطرة الراهنة، حيث تغشى أعينهم وقلوبهم الحيرة، ويتردد في ردهاتهم سؤال لينين الذي غيّر العالم: ما العمل؟
ما العمل إزاء اختطاف الدين، وإزاء حصر تفسيره وتأويله في مفاهيم تقدمها منظمات السلفية الجهادية على أنها التصور الأمثل للشريعة، فيما يصمت من هم محسوبون على التيارات "العقلانية" أو الوسطية، فلا يتخذون موقفاً، ولا يبادرون إلى درء شر أو خطر؟
فما العمل، إذاً؟
ما العمل للحيلولة دون تكرار ما جرى في أعقاب الرسومات التي نشرتها المجلة الفرنسية الهزلية "شارلي إيبدو" وفجّرت كوامن الغضب في نفوس المسلمين الذين هم، من دون رسومات مسيئة، قابلون للانفجار في أية لحظة؟
كيف يمكن حماية الإسلام والمسلمين في الوقت نفسه، لا سيما الملايين الخمسة والأربعين الذي يقطنون القارة الأوروبية، ويعانون، فوق عدم القدرة أو السماح لهم بالاندماج الكلي في مجتمعاتهم، شرورَ الجماعات المتطرفة، والأفراد المسحوقين العدميين المغسولة أدمغتهم والمنذورين للموت المجاني تحت أي يافطة أو ذريعة أو شعار؟
ما العمل إذا كانت المشكلة وحلُّها كامنين في النص ذاته.. النص الذي وُصف بأنه "ذلول ذو وجوه، فاحملوه على أحسن وجوهه". فهل نعمل بوصية لينين وندعو إلى بناء المنظمة المفاهيمة التي نحن في حاجة إليها. وهل تكون البداية من أوروبا التي تسودها أنظمة علمانية بمقدور قيم الشريعة في تسوياتها المؤمنة أن تتواصل معها، وتشتبك دون أن يتم الإخلال بالجانب الإيماني العقدي في الشريعة؟
هل نبحث عن مشترك مدني يلتقي فيه الإسلام مع ما يطرحه المشروع الاجتماعي العلماني الأوروبي؟
وأيضاً، إذا كانت العلمانية نشأت بسبب طغيان الكنيسة، فهل تنبثق العلمانية المسلمة من رحم الإكراهات التي تمارسها جماعات السلفية الجهادية؟
ثم كيف السبيل إلى تطوير مناهج التدريس الديني في أوروبا، بحيث تخرّج المدارسُ والجامعات أجيالاً يفهمون دينهم ويعتزون بهم ويؤمنون بقيمه المقاصدية التي تتوخى الخير والعدل وسلام الإنسان وأمنه وطمأنينته؟
وهل فهم الدين معطى نهائي جاهز، أم هو أمر منوط بتحولات السياسة وتقلبات الاجتماع، وهل نعيد التذكير بمركزية المعنى وهوامش التأويل، أو ثبات النص وتحول معانيه وفقاً للظروف الزمانية، ومقتضيات عيش المسلمين؟
هل ينبثق من بين هذا الصمت المرعب الذي يحياه علماء المسلمين وفقهاؤهم والمشتغلون في علوم الدين والفكر والفلسفة، من يتولى إعادة ترتيب الخراب الذي يعصف بروح المسلمين نتيجة ما لحق بها من تأويلات متعسفة وقاهرة للنص القرآني، بحيث أخرجته من فضاء الرحمة إلى جحيم التيه الذي يسير في بيدائه أولئك الذين اتبعوا أهواء المفسرين المؤدلجين، فضلّوا الطريق، وفقدوا البوصلة؟
الأسئلة كثيرة وحارقة وملحة. فهل نبعث لينين من رقاده ليجيب عنها، أم ينبثق من بيننا أفراد أو جماعات ومؤسسات تنتشل المستقبل من براثن الموت المقدس؟!
* كاتب وباحث من الأردن
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري



