العقلانية المؤيدة في الفكر الفلسفي المعاصر
28 يناير 2015 | 0 تعليق

محمد أحمد الصغير على *

«العقلانية المؤيدة» نحت مصطلحي جديد يمسك بتلابيبه الدكتور طه عبد الرحمن، ليبدي لنا قدرته الهائلة على التشقق اللغوي والصيغة المعرفية الرصينة. وهو مصطلح قد لا يكون جرسه مألوفا لدى الكثيرين من مفكرينا، لأن آذانهم اعتادت سماع ما يلقيه الغرب في أفئدتهم قبل أسماعهم، فالسائد لدينا في مطارحات الفكر الفلسفي المعاصر هو مصطلح العقلانية في مقابل مصطلح اللاعقلانية الذي هو تضاد له ومقابلة تؤكد على إما الاحتكام إلى العقل أو الاحتكام إلى الخرافة والأساطير واستبعاد كل ما هو غير عقلي باعتباره مصدرا للتشويش ومنبع للفساد!

ولأن المشروع الفلسفي الطاهائي قد اعتمد في بناء نسقه على الإبداع الخالص والتجديد والبعد عن التقليد، فقد اخترعه صاحبه مصطلحاً جديداً يضاهي المصطلح الغربي ويتفوق عليه.

لقد استخدم المفكر العربي طه عبدالرحمن كل قواه الإدراكية والحسية والذوقية من أجل صياغة رصينة لهذا المصطلح الغير مألوف، وحاول جاهداً ومجتهداً إدخاله ضمن النطاق التداولي.

والمتابع لفلسفة الدكتور طه عبدالرحمن يرى ويقرأ الكثير من المفاهيم التأثيلية والمنحوتات المصطلحية، التي جاءت بها الفلسفة الطاهائية، وهذا يدل على ثراء معرفي، وعمق إدراكي، وامتلاك لأدوات التشقيق اللغوي، ومعرفة تامة بالأصول اللغوية الفلسفية.

وحتى نتجنب الإيغال في التفصيل لمحتوى المصطلح الجديد «المنحوت» بحنكة عالية ومهارة فائقة، نؤكد على حقيقة مفادها أن أصل اللغة عند العرب والمسلمين هى أنها ذات أصل إلهي. وإذا نحن حاولنا أن نفهم دلالة معنى العقل الذي منه جاءت لفظة العقلانية، فسوف نجد اختلاف كبير بين هذا المصطلح في لغتنا وفي اللغات الأخرى.

تتميز الفلسفة الطاهائية بثراء معرفي، وعمق إدراكي، وامتلاك لأدوات التشقيق اللغوي، ومعرفة تامة بالأصول اللغوية الفلسفية

فلمعنى العقل معان متعددة في اللغة، فهو بمعنى الفهم والتعقل، وبمعنى الاعتقاد، وبمعنى المعرفة، وبمعنى التفكير مع العمل.

وبسبب النقل والترجمة عن الفلسفة دون التمحيص والنقد والإبداع نقلت إلينا مشكلات غيرنا، وأكبر دليل على ذلك، الإشكالات الكثيرة التي تؤكد على الفرق بين العقل والشرع، والفرق بين العقل والقلب، والفرق بين العقل والحس، وإشكالات أخرى، ليس هذا مجال عرضها، إنما قصدنا أن نؤكد أنه في ظل غياب الإبداع الفلسفي في الثقافة العربية، لم نستطع أن نبدع مفهوماً واضحاً يضاهي مفهوم العقلانية الغربية التي نشأت في ظل عوامل معينة أدت إلي بروز هذا المصطلح، كمارد عملاق يتواضع أمامه كل فكر وكل عقل مختلف.

وأول طريق التحرر من الفكر الفلسفي الغربي المعاصر الذي يتزعم الساحة الفكرية في وقاحة واستعلاء هو تأسيس فكر فلسفي عربي معاصر، يقوم في جوهره على تأثيل مفاهيم تأخذ «بالمدلول اللغوي للمفهوم الفسلفي العربي وبناء المدلول الاصطلاحي عليه وضعا وتوظيفا»، كما جاء في كتابه [الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، ص91]، وبهذا يكون بناء الفلسفة العربية المعاصرة يعتمد في الأساس على بناء المفاهيم والتصورات، لأن حياة المفهوم لا تكون إلا في حركية مدلولاته الاصطلاحية التي يتم توظيفها وتصريفها في المجال التداولي.

* باحث مصري

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق