شواء الأطفال في نار جهنم!
17 ديسمبر 2014 | 1 تعليق

موسى برهومة*
د. موسى برهومة*

كانت الصورة المعلقة على جدار إحدى المدارس الابتدائية مرعبةً حقاً. كان يكفي النظر إليها، من دون تأملها، أن يبعث الفزع في النفس. كانت الصورة، التي أرسلها لي المفكر العراقي الدكتور عبدالجبار الرفاعي، معنونة بـ"عقوبة تارك الصلاة" عبارة عن طفلتين صغيرتين ميتتيْن، الأولى (وهي محافظة على الصلاة) مستلقية بكل وداعة على ورق أخضر ويشع منها النور، والثانية (تاركة الصلاة) متفحمة مشوهة، ملطخة بالدماء، ملتفّة أفعى عليها، ومحاطة بحجارة سوداء من سجّيل.

بهذه الطريقة يتم تعليم أحكام الدين وقواعده في مدارسنا. ولطالما سألني أطفالي عن النار والجنة، ولطالما استغرقوا في وصف جهنم بناء على كلام المعلم/ المعلمة، وليس في درس التربية الدينية، وحسب بل في كل الدروس، حتى في درس الرياضة والفن!

وكنتُ كتبت على صفحتي على "الفيسبوك" عن مديرة إحدى رياض الأطفال الشهيرة، في العاصمة الأردنية عمّان، التي استهجنت عندما قررتُ نقل ابنتي إلى مدرسة أخرى، بسبب خلاف مع معلمة اللغة العربية التي لا تميّز بين الهاء والتاء المربوطة. المديرة قالت لي، حينها، بكل برود أعصاب: (مش قصة يا أستاذ، ومش مستاهلة، وما تكون حنبلي أكثر من اللزوم). غضبتُ، آنذاك، كثيراً وحزنت، لا سيما وأن معلمة التربية الإسلامية في الروضة ذاتها كانت تصف المسيحيين بـ"النصارى الكفار"، وتحضّ الفتيات الصغيرات على الصلاة، وإلا شوين بنار جهنم!!

العقلية ذاتها، والمشكلة نفسها، فإن أنتَ هربتَ من تخلّف المناهج الدراسية التي تغرق في الخرافة وتبتعد عن التفكير العقلاني، فوجئتَ بمدرّسات ومدرّسين لا صلة لهم بالعلم ولا بروح الدين، ولا بألف باء اللغة العربية والتربية الرشيدة، وتراهم معبّأين بالعقد النفسية والاجتماعية، وغير مؤهلين لا للتربية ولا للتعليم، لأن أغلبية هؤلاء (حتى لا نقع في التعميم) يحتاجون إلى تأهيل، وإعادة برمجة ذهنياتهم وأجهزتهم العصبية والمعرفية بحيث تنسجم مع روح العصر، وإيقاع التحولات العميقة التي عصفت بمناهج التربية ووسائل التدريس الحديثة التي لا تعتمد التلقين والوعيد والتعنيف النفسي، والتلويح بالجنة والنار، كأن مدراسنا أضحت محاكم تفتيش، ومنصات لصكوك الغفران!

من الضروري أن يتم حقن تلك المناهج بوسائل التفكير العلمي، وقواعد النقد العقلاني، والتحليل والجدل والمنطق، بعيداً عن الحفظ الأصم، و"البصم" الأبكم!

وإذا شئنا البحث في حلول سريعة وعاجلة كي نحمي ما تبقى من المستقبل المتصدّع، فإن علينا أن نبحث في ثلاثة مسارات متزامنة وعاجلة، أولها إعادة كتابة المناهج كلها بحيث تتماشى مع وسائل التربية الحديثة، أسوة بنظيراتها في مدارس الدول المتقدمة، والتركيز على تزويد الطلبة في المراحل الأساسية واللاحقة بمفاهيم إسلامية تبتعد عما يشوش ذهن الطلبة، ويجعل الدين أمراً عادياً في حياتهم بعيداً عن وسائل التهديد والترويع، والقصص التي تسحبهم إلى فضاءات الميتافيزيقا التي لا تتناسب وأعمارهم ونضوجهم العقلي.

ومن الضروري أن يتم حقن تلك المناهج بوسائل التفكير العلمي، وقواعد النقد العقلاني، والتحليل والجدل والمنطق، بعيداً عن الحفظ الأصم، و"البصم" الأبكم!

أما المسار الثاني فمتصل بالمعلمين الذين يتعيّن انتقاؤهم بعناية فائقة، وَفق شروط محكمة، لا سيما أؤلئك الذين يدرّسون المراحل الأولى. كما يتعيّن الارتقاء بأحوال المعلمين، وتحسين رواتبهم ومزاياهم حتى يتفرغوا لهذه المهنة المقدسة، ولا ينشغلوا بمتاعب الحياة وأوجاعها.

وتأتي التشريعات في المسار الثالث، لأنها هي الضابط للمسارين الأوّلين، فكل من يتجاوز قواعد التدريس الصحيحة، وكل من يخلّ بما هو مطلوب، أو يسعى إلى "تسميم" عقول الناشئة، أو تسريب آرائه الأيديولوجية أو السياسية إليهم، أو تشويه صور الأديان الأخرى، فإن على القانون أن يشكمه ويردعه ويقدمه للمحاكمة، لأن من يُفسد عقل طفل صغير يُفسد أمة بأكملها، ويُضرم النار بالمستقبل.

التعليقات السابقة

كلام في الصميم

Somood
21 ديسمبر 2014‎

بالفعل هذا هو واقعنا المعاش للأسف
لكن على من تلقي زبورك ياداؤد

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق