مارتن لوثر: واضع أول حجر في مبنى الحداثة الشاهق
14 نوفمبر 2014 | 0 تعليق
رسم للإصلاحي مارتن لوثر -(أرشيفية)
نشأ الراهب الألماني "مارتن لوثر" نشأة دينية كان خلالها زاهداً عابداً يطيل الصوم ويجدد الاعترافات، غير أنه كان في كل مرة يشعر بأنه مذنب ذنباً لا ينتهي، ويحيا حياة قد يجيء خلاصها وقد لا يجيء. وكانت الكنيسة الرومانية تسيطر على الدنيا والآخرة، تجمع أموال الفقراء وتبيعهم صكوك الغفران. وتروي كتب التاريخ أن الرهبان كانوا يقولون للطالب توبة أو للراجي مغفرة، إن خطاياه ستمحى ما إن يدوّيَ رنين العملة في الآفاق!
"بالإيمان وحده"
خلال رهبنته كان لوثر دائم القلق والتساؤل عن كيفية الخلاص، ولم يكن يقنعه أن الأعمال التي يقدمها الإنسان في الحياة قادرة على تحقيق ذلك كما تزعم الكنيسة. اكتشف أنه كلما كثف من الأعمال والصلوات، رأى أنه لا يزال على خطاياه بالأحاسيس نفسها يسيطر عليه الشعور بالذنب والندم في كل لحظة. وتبين أنه لا يجد معنى لحياته، وأنه لا يجد العمق الروحي الذي يبحث عنه ليضفي على حياته معنى. فكان ذلك دافعاً قوياً، ليكتشف بالتجربة خطأ مقولة الخلاص بالأعمال. وكانت تلك انطلاقته لمراجعة العقائد المسيحية والثورة على الكنيسة والبابا. حينها أقرّ مبدأ الخلاص بالإيمان وحده، الذي يعني أن كل من آمن بالمسيح فقد ضمن الخلاص دون الحاجة إلى الأعمال الصالحة التي من ضمنها التبرع بالأموال للكنيسة. كما اعتبر لوثر أن الغفران هبة إلهية يحصل عليها المؤمنون جميعا دون "تكفير" عن الخطايا بما هي سمة ملازمة للبشر، وهو مبدأ أثار غضب روما لأنه سيحد من سيطرتها على الناس وسيمنعها من اكتساب مزيد من الأراضي والعقارات والأموال.
كان ذلك سنة 1517 لما كتب لوثر كتاباً ضمنه 95 أطروحة تضمنت مبادئه الجديدة ونظرته إلى العقيدة المسيحية، وقد ترجمها في السنة الموالية من اللاتينية إلى الألمانية ووزع الكتاب على نطاق واسع.
الكتاب المقدس
كانت الكنيسة تحتكر قراءة الكتاب المقدس وتتولى تفسيره للناس وتحتفظ بنسخه المكتوبة باللاتينية بوصفها لغة رسمية للفاتيكان ولا أحد يستطيع أن يطلع عليه، إذ يجب أن يمر كل تفسير عبر البابا الذي يقر التفسير الذي يريد. فأضحت الكنيسة مثل الحاجز الذي يقف بين المؤمن وبين الكتاب المقدس. إنها نافذة يطل من خلالها المسيحيون على كتابهم، فيكتفون بما تسمح به السلطات الكنسية. غير أن مارتن لوثر ثار ضد هذه الوساطة واعتبر كل مسيحي راهباً حال إيمانه بالمسيح وبإمكانه أن يقرأ الكتاب المقدس ويفهمه دون حاجة إلى وساطة.
أقدم لوثر عام 1522 على ترجمة العهد الجديد من اللغة اللاتينية إلى الألمانية بأسلوب أدبي راق إلى درجة أن كثيرين قد اعتبروه مجدداً للغة الألمانية نفسها بأسلوبه الساحر الراقي في الترجمة. وسرعان ما انتشرت هذه الطبعة في ألمانيا وفي كافة أنحاء أوروبا، ليكتشف الناس البسطاء أنهم حقا كانوا في قبضة حديدية أحكمتها عليهم الكنيسة قروناً طويلة. واكتشفوا لأول مرة كتابهم المقدس المختلف تماماً عما كانت تروج له الكنيسة.
لا عصمة للبابا
عادى لوثر السلطة المطلقة التي كان يتمتع بها البابا بدءاً بالحق الحصري في تفسير الكتاب المقدس، فاستدل على أن لكل مؤمن الحق في قراءته كما يريد. ومن ثم هدم مبدأ "العصمة البابوية" الذي كان معمولاً به طيلة قرون. فاشتدت عداوته للبابا الذي سعى جاهداً لدحض أطروحات لوثر من خلال رهبان كتبوا بأمر منه سلسلة من المقالات تحاول تفنيد آراء لوثر الإصلاحية، غير أنه أصر على مواقفه وقارعهم بالحجج لما استدعي للمثول أمامهم. فأصدر ضده البابا "مذكّرة حرمان" لم يعرها لوثر أي اهتمام، بل واصل نشر أفكاره التي وجدت صدى داخل ألمانيا وخارجها.
التمهيد لخروج الأنا من شرنقة الكنيسة
ألف مارتن لوثر عشرات الكتب التي تهتم بتفسير الكتاب المقدس وتقدم تصوراً جديداً للمسيحية. ولما كان الفرد في العصور الوسطى ذائباً في الجماعة تقرر عنه الكنيسة مصيره وتحدد له نمط حياته وتحكم آخرته كما دنياه، فإن لوثر بفضل أفكاره أعاد للفرد قيمته ولم يعد يعترف بالجماعة، بل إنه صار ذاتاً واعية مستقلة قادرة على الفهم وتقرير المصير دون حاجة إلى وساطة أو مساعدة من أحد، وهو ما ظهر أثره في الفكر البشري لاحقاً خاصة مع الفيلسوف الفرنسي "روني ديكارت" الذي صاغ عبارة "أنا أفكر، إذن أنا موجود". فبرزت الأنا الإنسانية بوصفها كياناً مستقلاً عن الكنيسة والجماعة والقوم، قادرة على تقرير مصيرها من خلال التفكير.
لقد مثل لوثر محطة مهمة في تاريخ الفكر الديني خاصة والفكر البشري عامة، فانتشرت أفكاره في أقطار الأرض تعلم الإنسان معنى وجوده وتخبره بأنه صاحب عقل قادر على التفكير. فكان الفكر اللوثري بذلك أول حجر في بناء الحداثة الإنسانية.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

