ضد الإغراق في المصرية..!
26 يناير 2015 | 0 تعليق

الباحث المصري هاني نسيره
هاني نسيره*

حين أصدر بطرس البستاني موسوعته في بدايات القرن العشرين كان الاحتفال والتقدير في مصر، وعلى الرغم من أن أسماء كجمال الدين الأفغاني وفارس الشدياق وأسرة اليازجي وغيرها كانت بارزة قبل قدومها مصر؛ إلا أن مصر كانت محطة بروزها الأهم كما يقول مترجموها... وكان شاعر العراق الفيلسوفجميل صدقي الزهاوي يكتب من آن لآخر افتتاحية السياسة الأسبوعية قبل ظهور الإنترنت، وهكذا يمكن الحديث عن المسرح والصحافة والموسيقى والكثير...حين نذكر مصر الرائدة وليست مصر الغارقة في مصريتها!

في عصر الإنترنت والتواصلية، قلما تجد كاتباً مصرياً، وبعضهم يكتب يومياً وفي عدد من الجرائد في آن، يهتم بما صدر في الأردن أو في المغرب أو في مؤسسات تلتقي مع اهتماماته، وتلتقي مع قضاياه، فقليل منهم من تناول مشاكل الأيزيديين أو يهتم بواقع الدول العربية الأخرى، ولكن أسفاً أن بعضهم يكتب كما يكتب بعض الخليجيين الشباب على الطبل...على الرغبة والرهبة...فقط، لم يكن العقاد الذي احتفى بالقصيبي وكتابه "هذه هي الأغلال" هكذا، ولم يكن طه حسين الذي كان يرسل المكاتبات النقدية والنقاشية للمغرب وللخليج، وهو البصير غير المبصر هكذا...لم يكن محمد عبده الإمام الذي كان يمتطي الحمار للوصول للأزهر من منزله في ضاحية الزيتون بالقاهرة هكذا... فقد سافر للبنان وسافر لباريس، وزار تونس سنة 1903 وصادق الطاهر بن عاشور ولقبه بسفير الدعوة في الإصلاح الديني! أما الآن، فلا شئ من ذلك.. . من هنا كتبنا حول الإغراق في المصرية التي نرفضها ونراها علامة عطب الخطاب والنخبة الآن باحثين عن علاج! هذا الخطاب والنخبة المتقاطعة وطنياً وإقليمياً، وهي تدعي الريادة آن لها أن تصحو وتستفيق....

لا تكتمل الذات- فردية كانت أو جماعية- إلا حين ترى نفسها في مرايا الآخر أو الآخرين.

ولكن مصر الآن، لا تتجاوز ذاتها وسجالها، لا تنتبه لقضايا الآخرين، ما يشبهها وما يختلف عنها، ما تجاوزها وما تخلف وراءها، أثناء تفجيرات الضاحية اللبنانية في فبراير الماضي مسحت الصحف المصرية الصادرة، فلم أجد إلا خبراً عن تفجير هز لبنان، ولكن لم أجد قراءة في مسار ليس بعيداً عنا بحال، وكان من المهم الانتباه إليه، وهكذا يمكن الحديث عن اليمن وعن ليبيا وعن تونس وعن العراق... وهلم جرّا.. إيجاباً وسلباً...صرنا مغرقين في مصريتنا!

لا تكتمل الذات- فردية كانت أو جماعية- إلا حين ترى نفسها في مرايا الآخر أو الآخرين...ربما من تكريم الله للإنسان اعتناؤه بهويته وحقها وكرامتها، ولكن من نقص الإنسان أيضاً أن يكتفي بهذه الذات، ولا يتصور نقصها واحتياجاتها للآخر، حين يهرب من مواجهة عيوبه، على الرغم من أن الحقيقة والواقع يظلان كاشفين.

تبدو الذات في خيالها الخاص كمالاً، أو مشروعاً تعوق الأشباح والعلل ومؤامرات الأعداء اكتماله وتحققه...هي الكمال والآخرون نقص، تنتفخ الأنا وتصير نحن فردية، وتزيد تأكيداً جمعياً، ونقول: "نحن المصريين" أو "نحن العرب والمسلمين" أو نحن "ألمانيا" فوق الجميع كما كان هتاف الرايخ وعباد هتلر في العهد النازي!

في هذه الحالة، يكون النقد الذاتي مستبعداً، ويكون النقد مرادفاً فقط للمديح، تكون عزلة نفسية عن اكتشاف الآخرين أو اكتشاف الذات- كما هي- لا كما نتمناها، ويظل نقصه ثابتاً، لأنه في مخياله اكتمال لا يحتاج تغييراً...فتظل هتافات الوطنية، والوطن مأزومة، وتظل هتافات الحرية وحريات الآخرين مقيدة، وتظل هتافات المستقبل، بينما الحاضر يابساً جامداً لا يغادر موضع قدم!

إن تقديس الأنا.. يتحول عند البعض خوفاً عليها، فلا يثني على آخر، ولا يذكر محاسنه، بل يحاول إبعاده وإقصاءه من المشهد، يعجز عن قول "برافو" لزميله حين يجيد عملاً أو يحقق إنجازاً، هذه هي الغيرة بين أصحاب المجال الواحد، تصيب أصحابها بالعجز عن تقدير الآخرين، الاعتراف بفضلهم وتمايزهم، الاستفادة من تجاربهم معالجة لأزمات الذات...

ولكن تطوير الأنا، سواء فردية أو جماعية، تستدعي مواجهتها في مرايا الآخرين، في مرايا تفوقهم وتطورهم، علينا أن نستفيد من تجارب كدبي العربية الشقيقة وتجارب سنغافورة وتجارب ماليزيا، علينا أن نتعلم من الهند التي صارت مثالاً في التقدم والتنمية.. .علينا أن نفكر في شرعية الإنجاز لا شرعية الكلام! على صحافتنا وثقافتنا وإعلامنا أن يفتح عينيه بعيداً على مرايا الآخرين، حتى لا ينتفخ فيموت نقصاً، وهو لا يدري!

من المهم مواجهة الذات... من المهم أن نقرأ مصر في مرآة العالم والإقليم، دون انتفاخ أو مبالغة؛ فالأدوار لا يمكن أن تتجاوز القدرات، والطموح القومي والإقليمي وأستاذية العالم لا يمكن أن يكون بالكلامولوجيا والأغاني الوطنية وبرامج التوك شو والانفعالات المتبادلة....إنها تبدأ من معالجة مشاكلنا من النقد الذاتي ومن القدرة على القول "برافو" لكل آخر ولكل مختلف، بل لكل خصم فمرايا الآخرين وحدها يمكن أن تكون المقياس الصحيح لنا!

الإغراق في المصرية:

من المهم أن نقرأ مصر في مرآة العالم والإقليم، دون انتفاخ أو مبالغة.

لماذا كل هذا الذي كتبت عن انتفاخ الذات؟... لأني أرفض ظاهرة أسميها الإغراق في المصرية...كثير من مثقفينا وصحافيينا وإعلاميينا، حيث لا يهتم من يعرفون بما هو خارج مصر؟ كما أن السائد عدم الاهتمام أو عدم المعرفة أصلاً بما يحدث خارجها...وكأننا نعيش وهماً في العالم وحدنا!

التعليم المنهار والثابت كما هو... مشكلة اللغات الأجنبية والتعليم الإلكتروني والمعلوماتي، حيث يتخرج خريجونا يتكلمون إنجليزية خاصة بنا، ويتعاطون مع الكمبيوتر كلامولوجيا وحكايات في الغالب! على المواقع التواصلية التي تلف حياتنا الآن، دون كثير مما يمكن أن يطور هذه الحياة ويدفع بها!

حين نقرأ العنف الإرهابي الصاعد، لم يقارنه أحد بمعدلات العنف الأكبر في بلد كالعراق الذي يعد ثاني أغلى بلد عربي نفطي في المنطقة، ولكنه البلد الأول في العالم في العمليات الانتحارية، أو يقارنه بالحالة الليبية التي صارت تسيطر علىيها الميليشيات التي تبلغ مئات المجموعات المسلحة، وتم اغتيال 50 شخصية أمنية في فبراير الماضي فقط! ويعاني من نزعة الهيمنة الإخوانية على المؤتمر الوطني العام الذي يحتكر كل شيء، ويسيطر على الميزانية ويسعى لتنصيب رئيس وزراء تابع له ومحسوب عليه، على الرغم من مخالفة جلسة تنصيبه للدستور وخارطة الطريق!

لن تتقدم مصر بتآكلها... ولكن بالوعي المنفتح والموضوعي... وعياً مكيناً بالعالم وبذاتها، وليس غرقاً فيها... ضد الإغراق في المصرية من أجل مصر!

(*)كاتب وباحث مصري.

- مقال منشور ضمن ملف العدد الأول لـ "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية "الظاهرة الداعشية: الأسباب والمخارج".

- لتصفح المقال على صفحات المجلة يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/Msae73

 - لتصفح أعداد مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق