زكرياء تامر: الكتابة بمطرقة ثقيلة على سندان صدئ!
30 يوليو 2015 | 0 تعليق
زكرياء تامر
لم يكن صدقي إسماعيل يعلم أن صاحب قصة "النهر ميت" التي نشرت على صفحات مجلة الآداب سيصبح أبرز وجه من وجوه القصة القصيرة المعاصرة، وإلاّ ما كان ليصفها بأنها "أشبه بقائمة من المواضيع والخواطر التي لا رابط بينها"، وما كان ليدعوه إلى التريث في الكتابة و"عدم نشر غسيله أمام الناس". في المقابل وجد زكرياء تامر ما يكفي من الصبر والقوة ليواجه هذه الانتقادات الحادة التي انهالت عليه من كل جانب، ويصبح القاصّ العربي الأبرز حتى الآن.
ولد زكريا تامر في دمشق عام 1931، وعاش في حاراتها الشعبية حيث عمل منذ سن مبكّرة في الحدادة وفي مهن يدويّة عرّفته مسالكها بمجتمعه وبالناس من حوله وظروفهم وعقليّاتهم المختلفة، يقول في أحد حواراته الصحفية متحدثا عن الجو الذي ترعرع فيه: " أما حارة البحصة الجوانية التي ولدت فيها، فقد تعرّضت لتبدّل جذري في سكّانها، ففي عهد الأتراك كان سكّان منطقة البحصة خليطاً من المسلمين والمسيحيين والأرمن، وقد اتفقوا في ما بينهم على أنهم جميعاً سوريون، لكن لكلّ منهم عادات وتقاليد مختلفة، فسكن المسيحيون والأرمن في البحصة البرانية، وسكن المسلمون في البحصة الجوانية". في هذا المكان المزدحم بالناس والعادات المتنوعة والثقافات المختلفة ولد وعايش تبدلات الحي وأسواق دمشق وغليانها: " كانت البحصة الجوانية قريبة أيضاً من أسواق دمشقية مهمة،
كسوق الهال المختصّ ببيع الخضروات والفاكهة وسوق العتيق المختص ببيع اللحوم والأسماك والخبز وسوق الزيت في خان البطيخ المختصّ ببيع الزيوت والسمن وسوق التبن المؤلف من جانبين، جانب مختص ببيع الدجاج والبيض والسلال وأطباق القش، وجانب آخر مكتظ بدكاكين السمانة. وكانت البحصة قريبة أيضاً من دور السينما والبارات والملاهي الليلية والدوائر الحكومية وكراجات السفر إلى بغداد وعمان وبيروت".
ولا شك في أن هذا المكان بأصواته وروائحه وأهله قد عجن ذهن زكرياء الصبي وكونه تكوينا فريدا، ذلك أنه "كان يتيح لأي طفل فضولي أن يرى الحياة مكثفة، ويخيل إلي أني تمكنت في سنّ مبكّرة من التعرّف هناك إلى كثير من الحقائق عن الحياة والموت وعن طبائع الناس"، رغم أنه اكتشف في يوم من أيام العام 1980 أن المكان قد تمّ محوه في غفلة منه ويروي أنه كان صحبة محمد الماغوط ذاهبين "من مقهى "الهافانا" إلى محل شعبي قرب سوق العتيق كي نأكل الفول المدمّس. كان الماغوط يختار طريقاً مختصراً يمرّ بخرابة. وكلّما مررت بها تضايقت نفسياً من دون أن أعرف السبب، وأحاول تجنب المرور فيها. وفي يوم بعد أن انتهينا من الأكل، قلتُ للماغوط: تعال معي، أريد أن أريك الحي الذي وُلدت فيه. مشينا، لم يكن قد بقي من الحارة إلا بوّابتها، دخلنا، فوجدنا الخرابة نفسها، وكأن جسدي كان يضطرب كلّما مررت فيها لأنها المكان الذي وُلدت فيه".
غادر زكرياء المدرسة وهو طفل في الثالثة عشرة من العمر دون أن يجاوز المرحلة الابتدائية، ليخوض غمار الحياة باكراً. عمل حداداً ولم يثنه انقطاعه المبكر عن الدراسة عن مواصلة تكوينه ذاتياً من خلال مطالعة كل ما يقع بين يديه من كتب ومجلات. يقول في أحد حواراته الصحفية: " تركت المدرسة عندما كان عمري 13 عاماً، وبدأت أقرأ من دون أي توجيه من أحد. لم يكن في بيئتي من يقرأ، كانت بيئة فخورة بجهلها. المرّة الأولى التي رأيت فيها كتاباً غير الكتاب المدرسي، شعرت بأني قد سحرت. أظنّ ذلك كان في مكتبة المدرسة، لا أتذكّر إن كان كتاب قصّة أو رواية، أتذّكر الكلمات، الكلمة بجوار الكلمة، وكيف عرّفتني إلى مدن ورجال ونساء، فوجدتها سحراً خالصاً، وعندما شرعت في القراءة لم أقرأ الكتب الأدبية فقط بل كنت أقرأ كل ما هو مطبوع، وأجهل السبب الذي دفعني إلى القراءة. أحياناً أضطر إلى الإيمان بأمور وراثية، فأوّل مرة استمعت فيها للموسيقى الكلاسيكية مصادفةً، وكان عمري زهاء 10 سنوات، تذوّقتها على الفور مع أنها كانت صعبة نسبياً، موسيقى لـ"هايدن" أو "باخ". أستغرب كيف لطفل ابن بيئة شعبية دمشقية أن يتذوّق هذه الموسيقى الكلاسيكية كما لو أنه ابن بيئتها. لا يوجد عندي تفسير لهذا".
تابع تامر تكوينه الذاتي: "قرأت معظم ما تشتمل عليه المكتبة العربية من كتب مؤلفة أو مترجمة، ولم أقرأ الكتب الأدبية فقط بل قرأت كتباً متنوعة الموضوعات.. سياسية وفكرية واقتصادية وعسكرية وحتى الكتب ذات الموضوعات المتعلقة بالزراعة وشؤونها لم أهملها وحظيت بقدر كبير من اهتمامي، ولكن قراءاتي كانت قراءة من يمتلك معدة سليمة قادرة على هضم كل ما يفد إليها من طعام وتحويله إلى مادة تقوي الجسم وتنميه".
ولما كانت القراءة البوابة الأولى للكتابة، فقد وجد تامر نفسه في قلب العاصفة. "كان ما قرأته – يقول تامر - هو الأرض الصخرية التي انطلقت منها كي أكتب على الورق رؤيتي للإنسان والحياة، محاولاً التعبير عن صوتي الخاص، لا أن أكون صدى لأصوات الآخرين، معتقداً أن الأديب حين يكون مجرد صدى، يفقد مسوغ وجوده كأديب، ويصبح استمراره في الكتابة نوعاً من جرأة غير مستحسنة لا تخلو من وقاحة وغباوة".
كان ذلك في أواخر الخمسينات من القرن العشرين، لما بدأت أولى نصوصه تظهر على صفحات مجلة "الآداب" البيروتية، وهي تجربة جديدة تترصدها عيون مبدعين كبار ونقاد معروفين وأدباء من كافة أنحاء العالم العربي، يقول: "في المرحلة الأولى التي ألفيت نفسي مندفعاً إلى الكتابة، كنت أحس أني أسقط في هوة لا قاع لها، وكانت الكلمات تنقذني آنذاك... في تلك المرحلة كانت الكلمة الواحدة تبدو لي عالماً كاملاً غنياً له أرضه وسماؤه... وبشره وسجونه... وصيحاته الغاضبة التي تقول: لا... الكتابة بالنسبة لي هي الآن أهم ما في الحياة، والمبرر الوحيد لوجودي... وتزداد أهميتها عندي يوماً بعد يوم".
وكان الاختيار الإبداعي الذي سلكه زكرياء تامر منذ البدء هو القصة القصيرة التي يعتبرها " أداة فنية غنية التعبير، تتحدى كاتبها، وتتيح له المجال لتقديم الدليل على أصالته، وموهبته، ومدى إخلاصه لبيئته وإنسانها"، وقد جنّد لها كل طاقاته الإبداعية من أجل التجاوز والابتعاد عن السائد كي لا يكون نسخة مكررة لأي مبدع كان: "وعندما بدأت كتابة القصص لم أحاول التقليد أو الخضوع لأساليب سائدة.. كتبت ما أطمح إلى قوله مؤمناً بأن ما يُظن بأنه غير واقعي هو الواقعي بحق،
وكنت حين أكتب قصة ما، أتمتع بحرية أفتقدها في عالم الحياة اليومية، فتحاول قصصي ألا تعترف بأية حدود بين مختلف العوالم، فلا حدود بين الموت والحياة والوهم والتخيل والحلم والخيال والواقع الشديد القسوة، وهذا الإلغاء لتلك الحدود هو في رأيي من أهم ما حققته في قصصي لأنه الأصدق في تصوير الأعماق الخفية لتلك المخلوقات البشرية التي تعيش على سطح الأرض العربية".
وربما لتلك الأسباب وجدت نصوصه انتقادات حادة على صفحات مجلة الآداب بسبب خروجها عن المألوف والسائد في فن القصة القصيرة التي كانت قد بانت ملامحها ووضح هيكل بنائها، وذلك ما عبرت عنه الشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة لما اعتبرت سنة 1959 أن قصة "قرنفلة للإسفلت المتعب"، بأنها "شيء" وليست قصة، وذلك لأنها لم تلتزم بالهيكل القصصي المعروف. وغير بعيد عن هذا المعنى ينتقد سمير فريد قصة "الطفل نائم" سنة 1966 قائلاً: "فيعذرني كاتبها إذا قلت أنها لا تنتمي أساساً إلى الفن القصصي، وأنها تمثل صورة لأبحاث فرويد في الحياة الجنسية"، وطلب إليه صدقي إسماعيل صراحة ألاّ "ينشر غسيله أمام الناس". ولكن روح المبدع المهووس بالتجاوز والإبداع والخلق والتطوير قد انتصرت على هذه الانتقادات وغيرها. فنحت زكرياء تامر أسلوبه الخاص في فن القص وصار علما من أعلام القصة القصيرة لا يشق له غبار.
حفلت قصصه بمواضيع حارقة تؤرق الإنسان في المطلق والعربي تخصيصاً، وعلى رأسها قضية الحرية الإنسانية التي يعتبرها أوكد مطلب. ويخترق هاجس الحرية أغلب نصوصه. يقول: " الحرية التي يريدها الإنسان العربي هي أن يستطيع التعبير عن أفكاره وآرائه في أمور تتعلق بمصيره، ومصير بلده من غير أن يخلد في سجن أو يتدلى من مشنقة... ولا ننظر إلى تلك الأفعال على أنها شائنة، وخيانة للوطن والأمة، وهي أن يتاح له خدمة وطنه، لا خدمة حاكمه فقط...، ولكن فاقدي الحرية هم المسؤولون عما حلَّ بهم".
كما يبدو الظلم الاجتماعي والتهميش وغياب العدالة في الوطن العربي وطغيان القمع على ممارسات السياسيين والحكام شواغل تظهر من حين لآخر، يسوقها بأسلوبه الساخر اللاذع. والسخرية عنده سلاح وأداة مقاومة يدجج بها نصه. تقول الباحثة امتنان عثمان الصمادي، في كتابها "زكرياء تامر والقصة القصيرة": "وغالباً ما تجد المأساة طريقها من خلال المهزلة والسخرية فهو ساخر لاذع لكل من يبيع نفسه للشهوات، ولكل انتهازي مريض، ولمعنى الحياة ومفهوم الوجود. كما استخدم زكريا عنواناً لافتاً للنظر لزاويته في مجلة "التضامن" وهو "الضاحك الباكي"، وكثيراً ما استخدم هذه الزاوية كي يستتر خلفها أثناء كتابة مقالاته الساخرة اللاذعة لأنظمة الحكم العربية، وجهل الناس، وقسوة الحياة عليه وعلى أمثاله، يقول:" والضاحك الباكي مجهول مغمور، لا تنشر الجرائد والمجلات صوره، فصوره تصلح للنشر فقط في صفحات الوفيات والجرائم"، ويعلل زكريا أُسلوبه اللاذع هذا بقوله: "والضاحك الباكي
مهذب جداً... غير أنه لا يجسر على تجاهل الحقائق العلمية القائلة إن الشتيمة – أحياناً- هي من أرقى أنواع التهذيب حيث تكون موجهة إلى من يجعلون حياة الإنسان شقاء يستمر من المهد إلى اللحد".
حوصر في سوريا بسبب أسلوبه ومواضيعه التي يطرق، فمنع من النشر داخلها وخارجها فغادرها سنة 1981 إلى بريطانيا التي يقيم فيها إلى حد الآن. يذكر ذلك في أحد حواراته قائلاً: "السبب الظاهري لتركي دمشق هو منعي من النشر في داخل سوريا وخارجها، ولكن السبب الأعمق والأساسي هو أن معركة دامية نشبت قرب بيتي بين رجال المخابرات وعضو مطلوب من الإخوان المسلمين، وعندما نفدت ذخيرته، أقدم على تفجير جسده بقنبلتين يدويتين، وظلت أشلاؤه أكثر من ساعتين مرمية على أرض الشارع،
ورأيت أطفالاً يلعبون بقطع اللحم الممزق ويتقاذفونها بأقدامهم، عندها شعرت أني أعيش في عالم أعجز عن فهمه، ولا صلة لي به، وأفضل ما أفعله هو الفرار منه. وهذا ما أقدمت عليه غير آسف أو نادم".
نال العديد من الجوائز العربية والعالمية نذكر منها جائزة سلطان العويس سنة 2002، كما مُنح زكريا تامر جائزة "بلو ميتروبوليس" الماجدي بن ظاهر للأدب العربي 2009، تكريماً لإبداعه الاستثنائي ككاتب عربي ، وهي الجائزة التي ترعاها هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، سعياً منها لزيادة الوعي العالمي بالكُتّاب العرب والأدب العربي. كما منح جائزة "ملتقى القاهرة الدولي الأول للقصة العربية" في 2009.
من مؤلفاته: "صهيل الجواد الأبيض"،"ربيع في الرماد"،"الرعد"، "دمشق الحرائق"، "هجاء القتيل لقاتله"، "النمور في اليوم العاشر"، "قالت الوردة للسنونو"، "نداء نوح"، "سنضحك"، "أف!"، "الحصرم"، "تكسير ركب"، "لماذا سكت النهر؟"، "الجراد في المدينة"..
ما زال زكرياء تامر في منفاه في مدينة الضباب نمراً هائجاً عصياً عن الترويض، وكاتباً حراً يكتب بمطرقة ثقيلة على سندان يكسوه صدأ الظلم والنزاعات والحروب والبغضاء والحروب والقمع والاستبداد، يعيش على أحلامه وأوهامه.. ومن حين إلى آخر، يركب خياله إلى سوريا الجريحة، إذ يقول: "كنت دائماً رجلاً يعيش بغير أمنيات، ويكتفي بأن يعيش اليوم تلو اليوم من دون تخطيط، ولكني اليوم (...) أتمنى أن يتاح لسوريا أن تتحرر من الاستبداد والرعب اللذين تحكما بها طوال خمسين سنة.. أتمنى قبل رحيلي أن أقعد في مقهى دمشقي وأشتم بصوت عال كل المسؤولين السوريين مسؤولاً مسؤولاً من دون أن أشعر بالخوف أو أخشى الاعتقال".
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

