المعرفة الدينية والتأسيس للديمقراطية عند عبد الكريم سروش
26 مارس 2015 | 0 تعليق
عبد الكريم سروش -(ذوات)
تشتغل هذه الدراسة على التعريف بأحد المفكرين الإيرانيين الذين صنفتهم الدراسات النقدية في خانة الإصلاحيين، وهو المفكر عبد الكريم سروش"، وقد حررها الباحث التونسي عبد الباسط الغابري، ونشرت في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث تحت عنوان "المعرفة الدينية والتأسيس للديمقراطية: قراءة في المشروع الفكري لعبد الكريم سروش".
وينطلق الباحث من أرضية نعاينها في الفضاء الإسلامي، وهي أن الخطاب الإعلامي يكون حكرًا على "مدمني" التجاذب الأيديولوجي والمذهبي، ممّا رسخ اعتقاد عديد المتابعين بأنّ العالم الإسلامي خالٍ من التيارات الفكرية المستنيرة، لكن الحقيقة خلاف ذلك، إذ يختزن الفكر الإسلامي المعاصر بعض المنارات الفكرية التي تشع أفكارًا ورؤى إبداعية على شكل مشاريع حضارية، على الرغم من كونها محصورة في نطاق محدود بحكم جديتها وعقلانيتها الصادمة للاعتقادات والتوجّهات المهيمنة.
وفي هذا الإطار، ارتأى الباحث الاشتغال على مشروع سروش، حيث اعتبره مشروعا من المشاريع المهمّة في التأسيس المعرفي للمسألة الديمقراطية في العالم الإسلامي، باعتبار أنّه نجح في صياغة تصوّر جديد لمفهوم التعدّدية اصطلح على تسميّته بـ"البلوراليةط، وهو مفهوم يكرّس فهمًا متعدّدًا للمرجعية الدينية وتمثّلاتها ولمعنى الوحي نفسه وللحقيقة والحق بوجه عام، إذ ينفي عنها النظرة الأحادية التي لا تزال تأسر العقل الإسلامي في دائرة "الفرقة الناجية" بسعيها إلى احتكار التأويل والتحايل في توظيف ذلك "الرأسمال الرمزي" لتحقيق مطامع فئوية وسياسية، وفي ذلك انزياح بيّن عن مقاصد الدين وجوهره. لذا يعتقد سروش أنّ مداخل تكريس البلورالية متعدّدة في نطاق ما سمّاه بـ"الصراطات المستقيمة" مادام الله مصدر ذلك التعدّد لحكمة ارتضاها.
كما تسهم هذه الإشكاليات وغيرها، حسب الباحث، في تطوير المعرفة الدينية وتجديدها، ممّا يجعلها متفاعلة إيجابيًا مع بقية معارف العصر وعلومه المتسارعة، وهو ما يمكن أن يفيد المسلمين في تحديث تصوّرهم للإسلام وتفعيل وعيهم التاريخي بما يسمح لهم بالمساهمة الجدية في الحضارة الراهنة. ولا شكّ في أنّ الرهان الديمقراطي أضحى اليوم أبرز الرهانات التي يجدر بالمسلمين كسبها. ولئن كان سروش قد استفاد من اطلاعه العميق على تجارب الإصلاح الديني بأوروبا ومنجزات فلسفات التنوير والحداثة وما بعد الحداثة، من مثل تجارب كانط، وهيجل، وسبينوزا، وفيبر، وكازاتورا، ومارتين، وهابرماس...إلخ، فإنّه أعاد كذلك قراءة التراث الإسلامي وتمثّله، ولا سيما العرفاني، منه مع جلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي لصياغة فكرة التعدّدية والتأسيس المعرفي لها. وقد هيّأه كلّ ذلك، ليكون من المؤسّسين لخطاب معرفي يبحث في جدلية العلمنة والدين القائلة بإمكانية التكامل بين أنماط معيّنة من التديّن والعلمانية ذات المستويات المختلفة، وهي فكرة نجدها عند الغرب في فكر هابرماس صاحب نظرية "الأخلاق التواصلية"، وبالعالم العربي عند طه عبد الرحمن وعزمي بشارة مؤخّرًا.
وتوقف الباحث أيضاً عند اشتغال عبد الكريم سروش على مفهوم "الحكومات الدينية الديمقراطية"، باعتبارها حالة ممكنة الحصول بالعالم الإسلامي، ولا نظنّه في هذا الأمر إلاّ متأثّرًا بتجربة الأحزاب المسيحية الديمقراطية مع أنّه كان واعيًا بالفروقات الجوهرية بين الإسلام والمسيحية. وهكذا يعتقد سروش اعتقادًا جازمًا أنّه يمكن "تجديد" الإسلام دون المساس بروحه وجوهره المختزل في علاقة إيمانية عميقة صادقة بالله تعالى عمادها التقوى، وهو يندّد بالتصوّر الأيديولوجي الذي يعتقد أصحابه أنّ الدين وأي دين بما في ذلك الإسلام يمثّل عائقًا أمام التقدّم والحداثة. وبذلك فهم يرهنون التقدّم بشرط "تحييد" الدين إن لم نقل "اجتثاثه" أو عزله. يعتبر سروش هذا الموقف أيديولوجيا أكثر من كونه موقفًا معرفيًا، إذ يتناقض مع العقلانية باعتباره ينظر للدين نظرة إطلاقية سكونية تتناسى قابلية الظواهر الاجتماعية والروحية للصيرورة والتغيّر والديناميكية.
وفي ضوء هذا المعطى، يؤكد سروش قدرة المسلمين على تشكيل نموذجهم الحضاري وفق مشروع سياسي فريد يجمع بين الدين والديمقراطية والسبيل الأقوم؛ لذلك إعادة تشغيل العقل التاريخي الإسلامي وفتح باب الاجتهاد في الأصول بدل الاكتفاء بالفروع وإعادة قراءة ظاهرة الوحي والنبوّة قراءة حداثية معاصرة تقطع الطريق أمام أشكال التوظيف السياسي المبتذل للدين وتحرّره من "وصاية" المؤسّسات السياسية والتيارات الإسلامية ومجاميع الفتوى والمؤسّسات الوعظية والحوزات الدعوية.
ومن خلاصات الدراسة، أن المعرفة الدينية في مشروع سروش الفكري تقوم على قناعتين رئيستين: تتمثّل القناعة الأولى في أنّه لا نهضة للمسلمين دون "تحديثهم" للإسلام وتحديث الإسلام لا يمكن أن يتم دون تأسيس معرفة دينية متناسقة متكاملة مع روح العصر بمختلف علومه ومعارفه، تتعلّق القناعة الثانية بأنّ المشكل ليس في الإسلام، وإنّما في المسلمين خاصة "سدنته" المؤلفة من دعاة ووعّاظ وفقهاء ومفسّرين أتلفوا "روح" التحرّر في القرآن وضيّقوا على الناس مجالات التفكير والتدبير باسم منظومة فقهية استمدّوا جلّ معالمها من أخبار الآحاد والحواشي والفروع وفروع الفروع.
بيد أنّ سروش بدا متفائلاً بقدرة المسلمين على صياغة مشروع سياسي مميّز وإبداع نموذج للفكر غير مسبوق يجمع بين الدين والديمقراطية جمع انتظام لا جمع انفصام. غير أنّه كان واعيًا بحجم التحدّيات والصعوبات التي تعيق تلك الأمنية، لأنّ الدين الذي يتحدّث عنه محتاج إلى جهود جبّارة من المراجعة والتنظير لتخليصه من الشوائب والزوائد التي التحمت به حتّى ذهب في خلد الدهماء والسفهاء أنّها من معالمه، فساعتها يمكن إنقاذ الدين من رجال السياسة والدين على حدّ سواء، إضافة إلى ما تعنيه الديمقراطية من تشكيلة مفهومية كاملة وسلسلة من التحوّلات الفكرية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية والتزام من دعاتها بتكريسها فعليًا في ممارساتهم وأنشطتهم بدل دوسها والانقلاب عليها عندما لا تتوافق مع مصالحهم الخاصة وتوجّهاتهم الشخصية.
وأخيراً، إذا كان سروش قد رفض أن يتم وصفه بالمفكر العلماني، باعتبار أنّ العلمانية في الخطاب الإعلامي الإسلامي المعاصر تعني فصل الدين عن السياسة، بينما تعني عنده معنى العلمية، فإنّه يمكننا اعتباره من دعاة الإسلام الحضاري الذي يحاول استعادة البعد الروحي في الإسلام بعد أن غيّبته وطمسته التيارات الإسلامية في لهثها "المسعور" وراء السلطة السياسية، ويبدو أن اغتناء سروش وتشبّعه بالنزعة الإنسانية في التصوّف الإسلامي من القرائن التي تجعلنا نرجّح تصنيفه ضمن التيار المذكور آنفًا.
لقراءة الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

