الدرس الخلدوني في العمران البشري
06 اغسطس 2015 | 0 تعليق
تمثال ابن خلدون في العاصمة التونسية
|
العمران البشري اصطلاح ابتكره المؤرخ العربي الكبير عبد الرحمن بن خلدون (1332/1406م) وظلّ مرتبطاً باسمه في دراسة حركة المجتمع وتطور النوع الإنساني، ممّا جعل البعض يعتبره المؤسس الأول لعلم الاجتماع، قبل أوغست كونت (1798 - 1857) الذي نحت مصطلحه. تناول ابن خلدون العمران البشري الذي أفرد له فصلاً خاصاً بالمقدمة بمنهج مفارق لمن سبقه، محاولاً فك شفرة "الاجتماع" البشري باستنطاق تطوراته وتحولاته بواسطة قواعد ونواميس تعكس ترابط الظواهر الاجتماعية وتناسقها مع ممكنات الطبيعة البشرية، مفضلاً الغوص في خصوصيات الطبيعة النفسية ومبتعداً عن منهج الرواية في عرض الوقائع التاريخية. يستهل ابن خلدون، الأندلسي الأصل والتونسي المولد والمصري المدفن، هذا الفصل من تحفته "المقدمة"، التي أرادها تقديماً لكتابه الكبير "العبر"، وشاءت الأقدار أن تصبح تأليفاً منفصلاً نال شهرة أكبر من الكتاب ذاته، بالتأكيد على مقولة الحكماء بأنّ "الإنسان مدني بالطبع" التي تستلزم "الاجتماع"، أو بمعنى آخر "المدينة" التي لا تعني شيئاً آخر في ذهن الحكماء سوى "العمران"، كخصيصة لصيقة ببني البشر وضرورية لاستمرار نوعهم، حتى يتمّ كمال "وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم". |
يقول ابن خلدون:
"ويعبّر الحكماء عن هذا [أي عن ضرورة الاجتماع البشري] بقولهم: الإنسان مدنيبالطبع، أي لا بُدّ له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم، وهو معنى العمران.
وبيانه: أنّ الله سبحانه خلق الإنسان، وركّبه على صورة لا تصح حياتها وبقاؤها إلابالغذاء، وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركّب فيه من القدرة على تحصيله، إلا أنّ قدرةالواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء، غير موفية له بمادة حياته منه، ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه، وهو قوت يوم من الحنطة مثلاً، فلا يحصل إلا بعلاجكثير من الطحن والعجن والطبخ، وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري. وهبْ أنه يأكله حباً منغير علاج فهو أيضاً يحتاج في تحصيله أيضاً حباً إلى أعمال أخرى أكثر من هذه منالزراعة والحصاد والدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل، ويحتاج كل واحد من هذهآلات متعددة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير، ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضهقدرة الواحد، فلا بدّ من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم، فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف.
وكذلك يحتاج كل واحد منهمأيضاً في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه، لأنّ الله سبحانه لمّا ركّب الطباعفي الحيوانات كلها، وقسم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرةأكمل من حظ الإنسان، فقدرة الفرس مثلاً أعظم بكثير من قدرة الإنسان، وكذا قدرةالحمار والثور وقدرة الأسد والفيل أضعاف من قدرته.
ولما كان العدوان طبيعياًفي الحيوان جعل لكل واحد منها عضواً يختص بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره، وجعلللإنسان عوضاً من ذلك كله الفكر واليد، فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر، والصنائعتحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدّة في سائر الحيوانات للدفاع مثلالرماح التي تنوب عن القرون الناطحة، والسيوف النائبة عن المخالب الجارحة، والتراسالنائبة عن البشرات الجاسية، إلى غير ذلك، وغيره مما ذكرهجالينوسفي كتابمنافع الأعضاء،فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيماالمفترسة، فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة، ولا تفي قدرته أيضاً باستعمال الآلاتالمعدّة للمدافعة لكثرتها، وكثرة الصنائع والمواعين المعدّة لها، فلا بدّ في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه، وما لم يكن هذا التعاونفلا يحصل له قوت ولا غذاء، ولا تتم حياته لما ركّبه الله تعالى عليه من الحاجةإلى الغذاء في حياته، ولا يحصل له أيضاً دفاع عن نفسه لفقدان السلاح، فيكون فريسةللحيوانات، ويعاجله الهلاك عن مدى حياته، ويبطل نوع البشر.
وإذا كان التعاون حصل لهالقوت للغذاء، والسلاح للمدافعة، وتمّت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه، فإذن هذاالاجتماع ضروري للنوع الإنساني وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمارالعالم بهم واستخلافه إياهم، وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعاً لهذا العلم، وفي هذا الكلام نوع إثبات للموضوع في فنه الذي هو موضوع له، وهذا وإن لم يكنواجباً على صاحب الفن لما تقرر في الصناعة المنطقية: أنه ليس على صاحب علم إثباتالموضوع في ذلك العلم، فليس أيضاً من المنوعات عندهم فيكون إثباته من التبرعات. والله الموفق بفضله.
ثم إنّ هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه، وتمّ عمرانالعالم بهم، فلا بدّ من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم، وليست آلة السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفعالعدوان عنهم، لأنها موجودة لجميعهم، فلا بدّ من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض، ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم، فيكون ذلك الوازعواحداً منهم، يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحد إلىغيره بعدوان، وهذا هو معنى الملك، وقد تبين لك بهذا أنّ للإنسان خاصة طبيعية، ولا بدّلهم منها، وقد يوجد في بعض الحيوانات العجم على ما ذكره الحكماء كما في النحل والجراد لما استقرئ فيها من الحكم والانقياد والاتباع لرئيس من أشخاصها متميزعنهم في خلقه وجثمانه، إلا أنّ ذلك موجود لغير الإنسان بمقتضى الفطرة والهداية لابمقتضى الفكرة والسياسة(أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه: 50).
وتزيدالفلاسفة على هذا البرهان حيث يحاولون إثبات النبوّة بالدليل العقلي، وأنها خاصةطبيعية للإنسان، فيقررون هذا البرهان إلى غايته، وأنه لا بدّ للبشر من الحكم الوازع، ثميقولون بعد ذلك: وذلك الحكم يكون بشرع مفروض من عند الله يأتي به واحد من البشر، وأنه لا بدّ أن يكون متميزاً عنهم بما يودع الله فيه في خواص هدايته ليقع التسليم له والقبول منه، حتى يتمّ الحكم فيهم وعليهم من غير إنكار ولا تزييف.
وهذه القضيةللحكماء غير برهانية كما ترى، إذ الوجود وحياة البشر قد تتم من دون ذلك بما يفرضهالحاكم لنفسه أو بالعصبية التي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على جادته، فأهل الكتاب والمتبعون للأنبياء قليلون بالنسبة إلى المجوس الذين ليس لهم كتاب، فإنهم أكثر أهلالعالم، ومع ذلك فقد كانت لهم الدول والآثار، فضلاً عن الحياة، وكذلك هي لهم لهذاالعهد في الأقاليم المنحرفة في الشمال والجنوب بخلاف حياة البشر فوضى دون وازع لهمالبتة فإنه يمتنع.
وبهذا يتبين لك غلطهم في وجوب النبوات وأنه ليس بعقلي، وإنمامدركه الشرع كما هو مذهب السلف من الأمّة. والله ولي التوفيق والهداية"[1].
[1] ـ عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، الجزء الأول، حقق نصوصه وخرّج أحاديثه وعلق عليه عبد الله محمد الدرويش، توزيع دار يعرب، دمشق، الطبعة الأولى 2004، صفحة 137-139.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

