الإسلام الحركي واستراتيجيات التمكين حوار مع الدكتورة ميادة سوار الذهب
18 اغسطس 2015 | 0 تعليق

الدكتورة "ميادة سوار الذهب"
حاورها د. سامح محمد إسماعيل *

الدكتورة "ميادة سوار الذهب" رئيسة حزب الاتحاد الليبرالي الديمقراطي، من أشهر وأهم القيادات النسائية السودانية، وهي ناشطة مدنية ومناضلة حقوقية في العمل العام وحقوق المرأة والطفل، لها عدة برامج إذاعية وتلفزيونية في القنوات السودانية، شاركت في العديد من المؤتمرات الدولية العلمية والسياسية، وحاضرت في العديد من الجامعات العربية، وهي عضوة قيادية في لجنة أطباء السودان، حيث ترأست اللجنة القانونية والإعلامية في فترة اعتصام الأطباء، تدرجت في الحزب من عضوة إلى مسؤولة العمل الطوعي والإنساني، ثم انتُخِبت رئيسة لحزب الاتحاد الليبرالي.

جدير بالذكر أنّ الدكتورة ميادة حفيدة الأميرلاي إبراهيم النور سوار الذهب الحاكم العسكري للعاصمة القومية في عهد الفريق الراحل إبراهيم عبود، وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة السودانية (١٩٥٨ ـ ١٩٦٤).

***

  •  الإسلام الحركي واستراتيجيات التمكين، يبدو عنواناً موجزاً، لكنه يحمل في مجمله مكونات شتى، لا يمكن تفكيك معطايتها دون التطرق للتجربة الأشهر في الحكم في تاريخ حركات الإسلام السياسي، ألا وهي تجربة السودان. بصفتك رئيسة لحزب ليبرالي يقف على الجانب الآخر من النهر، ماذا تمثل في رأيك "استراتيجيات التمكين"، كنقطة تحول مركزية في العلاقة بين الدولة والشعب، لحركات الإسلام السياسي؟

ـ في البداية أُريد أن أترحّم على شهداء بلادي الذين ماتوا نضالاً من أجل الديمقراطية والحرية. التجربة السودانية تجربة سياسية ثرية وفريدة في تاريخ حركات الإسلام السياسي، في البداية دعنا نقف تاريخياً مع كلمة الإسلاميين أو الإسلام السياسي، فللمعنى جذور تاريخية عميقة، فأول من أطلق كلمة الإسلام السياسي أو الإسلاميين هو أبوالحسن الشعراني ـ أحد فقهاء التاريخ في العالم العربي والإسلامي ـ هذا الفقيه تكلم عن الإسلاميين وصنّفهم ليميزهم عن المسلمين، وهذا التمييز له مدلول سلبي، لذلك صنفهم بالإسلاميين، فالإسلامي هو أيّ مولود نشأ في العالم الإسلامي، لكنه يختلف عن المسلم، فجاءت هذه الكلمة واستخدمت عبر التاريخ.

إذا أردنا أن نتكلم عن سياسة التمكين في السودان كنموذج، لا بدّ أن نقف عند تاريخ الإخوان المسلمين وجذور الحركة الإسلامية في السودان، وبدايتها والمحطات التي أصّلت لمعنى التمكين في التاريخ السوداني الحديث، الحركة الإسلامية في السودان بدأت منذ الأربعينيات، وكان من قياداتها "الصادق عبد المهدي" و"علي طالب الله"، وهؤلاء هم من أدخلوا الحركة الإسلامية في السودان حيث كانوا طلاباً في جامعة القاهرة.

وفي الستينيات تطورت الحركة الإسلامية وقفز على كلّ قياداتها الشيخ حسن الترابي، مع وجود الترابي أصبح هناك أبعاد وسياسات مختلفة للحركة الإسلامية، فتمّ تحالف بين الحركة الإسلامية والتيار السلفي فيما سُمّي "بميثاق الجبهة الإسلامية".

ثم في السبعينيات، وتحديداً في عام 1976م، دخلت الحركة الإسلامية في تحالف مع الجبهة الوطنية ممثلة في حزب الأمّة والحزب الاتحادي، وتمّ إقرار مصالحة مع النظام الحاكم "نظام النميري"، وتلك المصالحة أدخلتهم في نظام الحكم والسلطة، وتعتبر هذه المحطة مهمّة جداً في تاريخ الحركة الإسلامية؛ لأنها تُعتبر بداية التمكين، كما أنه كان هناك دعم من البنوك الإسلامية مثل بنك فيصل الإسلامي، حيث تلقت الحركة الإسلامية دعماً كبيراً في تلك الفترة، فقامت بتأهيل الكوادر الخاصة بها، وفي هذه الحقبة انقسمت الحركة الإسلامية إلى قسمين: "تيار الجبهة الإسلامية بقيادة حسن التُرابي، والقسم الآخر ظلّ كما هو يُسمّى الحركة الإسلامية".

  • وهل جرى تعاون بين الحركة الإسلامية في السودان وغيرها من الحركات الإسلامية في الخارج، أعني الإخوان المسلمين في مصر؟

ـ الإخوان المسلمون في مصر كانوا يتعاونون مع القسمين، ولكن بشكل مختلف، حيث كانوا مضطرين للتعامل مع التيار الذي يمثله "التُرابي"، وتعتبر هذه من أهمّ المحطات في تاريخ الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية في السودان ووجودهم في السلطة، حيث كانت هذه الفترة هي البداية الحقيقية لتمكين الحركة الإسلامية في السودان.

  •  وما أبرز المحطات الأخرى؟

ـ في عام 1982 تمّ سنّ ما يُعرف بـ "قوانين الشريعة"، وهي محطة مهمّة جداً أيضاً في تاريخ السودان بشكل عام، وفي عام 1985م تحالف الإسلاميون مع بقايا النظام، وفي عام 1988م تعمّقوا في السلطة ودخلوا الحكم، وأصبحت مراكز المعلومات في أيديهم، وهذا ما مهّد للانقلاب الذي قاموا به عام 1989م، لذلك فإنّ التمكين لم يبدأ فقط منذ عام 1989 مع الانقلاب العسكري، ولكن كانت له جذور تاريخية، بحيث نستطيع أن نقول إنّ الفترة بين عامي 1976 و1977 هي بداية التمكين الاقتصادي، وعام 1988 بداية التمكين التنظيمي والتغلغل في مؤسسات الدولة السودانية.

  • هل تمثل استراتيجيات التمكين الملمح الرئيس في سياسات حركات الإسلام السياسي فيما يتعلق بعلاقتها بالدولة؟ وكيف نناقش ذلك في ضوء ما يمثله مفهوم التمكين من أبعاد أيديولوجية؟

ـ التمكين هو الأساس الذي تقوم عليه سياسات الحركة الإسلامية بشكل عام، ولكن إذا أردنا استعراض ملامح سياسات الحركات الإسلامية، فلا يجب أن نتوقف فقط عند استراتيجيات التمكين، بل يجب أن نتعمق في مفهوم التمكين وآثاره السلبية، وما حدث في مؤسسات الدولة في السودان، كما يجب أن نتعمق في هذه الأيديولوجيا ومعطيات ودوافع هذا التنظيم القائم على الشمولية، باعتبار أنّه يسيطر على المجتمع بشكل استعلائي، وهذا ما جعلهم يعتقدون أنّ من حقهم الاستيلاء على سلطة هذا المجتمع وثروته دون الآخرين، وهذا هو الأساس الذي يقوم على التنظيم الأيديولوجي.

هذا التنظيم المؤدلج يضرب مراكز الأخلاقيات والنوازع الأخلاقية لمنتسبيه، عبر التربية التنظيمية التي تقوم على قتل الضمير وتحويل الخطأ إلى صواب، كلّ ذلك تحت دعوى الإيمان والأخلاق، لذلك نرى أنّ العنف والقتل والإرهاب يتمّ دون حتى أن يرتجف لمرتكبه جفن.

  • هل يعني ذلك أنّ حركات الإسلام السياسي غير وارد في تفكيرها مسألة تداول السلطة، وأنّ الديموقراطية مجرّد أداة للوصول إلى الحكم، ويتمّ التنكر لها بعد ذلك والقضاء عليها من خلال سلاح التمكين؟

ـ تاريخ حركات الإسلام السياسي وجذوره الأساسية في التربية الذي تترتب عليه فيما بعد هذه الأفعال العنيفة يؤكد ذلك، ومن الأشياء التي يقوم عليها التنظيم أيضاً مبدأ الحقيقة المطلقة، فهم المؤمنون الخُلص من الناحية الدينية وغيرهم هو الكافر؛ لذلك نرى أنهم لا يعترفون بالنسبيات، بمعنى أنّ كلّ شيء لديهم مطلق، فالقتال مطلق، وإقصاء الآخر وعدم الحوار مطلق، والعنف مطلق، لذلك يصعب في وجود تلك التنظيمات تطبيق أي شكل للديمقراطية، أو حتى مجرّد الشراكة؛ لأنهم يستخدمون الديمقراطية  كسلّم للوصول إلى الحكم ليس إلا، وهذا أيضاً ينبع من الأيديولوجياـ حيث يعتقدون أنّ السلطة ملك ساقه الله إليهم، لذلك نرى أنهم يرفضون تماماً التداول السلمي للسلطة؛ لأنّ السلطة من حقهم وهي حق شرعي.

لذلك التمكين واحد من أهمّ سياسات الإسلام السياسي، الغرض منه هو الاستحواذ على السلطة بشكل مطلق ودائم بدون تداول سلمي وباستخدام القوة، وهذا هو الغرض من التمكين، لذلك فالتمكين هو نمط من أنماط المحسوبية الموجّه سياسياً وعقائدياً في أشكال مختلفة، وله أيضاً آليات متعددة، والعنف أداة من أدوات التمكين.

  • وما أبرز آليات التمكين وأدواته في هذا السياق؟

ـ استخدام سياسة فرّق تسد، وبالتالي العودة لعصر ما قبل الدولة، وخلق العديد من الإثنيات والهويّات داخل المجتمع للسيطرة على الحكم، والفساد من أهمّ آليات التمكين، ممّا يدفعنا إلى التساؤل: لماذا هم مفسدون؟ لماذا كلّ هذا الفساد؟ هذا له أبعاد وجذور متعددة: منها ما هو شخصي، ومنها ما هو أيديولوجي، شخصي نتيجة التربية والتنشئة الاجتماعية القائمة على الفقر والجهل، لذلك فهم لديهم الاستعداد الشخصي لذلك، أمّا الأيديولجي فلأنهم يعتقدون أنّ السلطة هي رزق ساقه الله إليهم، وهو يعطي الملك لمن يشاء، ومن سياسات التمكين أيضاً تجريد المجتمع من إمكانياته وتصفية القطاع العام لصالح تنظيمه، ولهم أوجه متعددة في الفساد، فهناك الفساد الاجتماعي، والفساد الإداري.

وهناك آليات متعددة للتمكين، فهم حريصون جداً على إبقاء الفقر والجهل والمرض، وهذه الثلاثية قاتلة للمجتمع، فأيّ تنمية في المجتمع تقاس بمدى التعليم والصحة ومستوى الفقر، لذلك فهم يعملون بشكل مباشر على هذه الثلاثية، أيضاً قاموا في السودان تحديداً بتهجير العقول والكفاءات بشكل مدروس وممنهج؛ حيث هاجرت العقول والكفاءات السودانية كلها خارج السودان، وبالتالي يمكنهم السيطرة على المجتمع.

هؤلاء الشباب خرجوا هرباً من البطالة والإحباط، ولأسباب متعددة، فأصبح هناك مواسم دائمة للهجرة إلى الشمال، كما أصبح السودان مصدراً من مصادر داعش؛ لأنهم وصلوا لمرحلة اليأس، حتى أصبحت داعش بالنسبة إليهم طوق نجاة.

وللتمكين آليات أخرى، ومن أهمها تلك التي مورست في المجتمع السوداني من تجهيل للعقول وتغييبها بعدّة أنماط، منها المعلومة المغلوطة والدعاية المضادة وتسطيح القضايا السياسية وإلهاء المجتمع بقضايا ثانوية.

  • ماذا عن الوضع الاقتصادي باعتباره أحد أهمّ مرتكزات البناء التحتي للدولة؟ كيف تمّ توظيف الاقتصاد في خدمة التمكين؟

ـ إذا تحدثنا عن الناحية الاقتصادية كأداة من أداوات التمكين، من خلال التحكم في جميع الموارد المالية للدولة، نجد أنّ النظام الإسلامي في السودان قد تبنّى أسوأ نظرية اقتصادية، وهو ما يُسمّى بمدرسة شيكاغو التي قامت على تحرير الاقتصاد وتقليل دور الدولة تجاه المجتمع لأقصى حد ممكن، وهذه المدرسة تطبق عند أقصى اليمين الغربي، وقد تبنوا هذه النظرية لأنها تتماشى تماماً مع القسوة الموجودة في نظرتهم الأساسية، وتخليهم عن دورهم في المجتمع لصالح الشكل القمعي والأمني داخل المجتمع.

كان لتطبيق نظرية التحرير الاقتصادي تأثير كبير جداً على أهم قطاعات المجتمع، خاصة قطاعي (الصحة، والتعليم)، فعندما تتخلى الدولة عن قطاع التعليم تقلل من خلق فرص لبناء مؤسسات تعليمية، فيتدنى المستوى الطلابي، وعندما تتخلى الدولة عن القطاع الصحي فهذا يقلل الميزانية المخصصة لإنشاء المرافق الصحية، وبالتالي يقلّ توظيف الكادر الصحي وتقلّ فرص التأهيل والتدريب، فيحدث في النهاية انهيار تام للمنظومة الصحية في المجتمع.

  • وماذا عن البناء الفوقي، أقصد سياسياً؟ كيف يستطيع النظام توظيف كلّ تلك الأوضاع السلبية لصالحه دون أن يسقط؟ فكلّ هذا يؤدي حتماً إلى الثورة.. لكنّ السودان أفلت من عاصفة الربيع العربي.

ـ إذا أردنا أن نتكلم بشكل عام عن سياسة التمكين سياسياً نجد أنهم عملوا على تعطيل الأدوات التي تؤدي إلى الثورة، وهو ما يجيب عن سؤال: لماذ لم يلحق السودان بالربيع العربي؟ نجد أنّ سياسات التمكين لعبت الدور الأساسي في ذلك، وأيضاً سياسياً قاموا بفصل الجنوب لصالح تطبيق الشريعة الإسلامية للحفاظ على تنظيمهم، كما تحوّلت الحرب في السودان إلى حرب دينية، حيث أعطوها الطابع الديني، فأصبحت حرب الجنوب حرباً مقدّسة، وهذا أيضاً انعكاس لنظرية الاستعلاء الأيديولوجي التي لا تقبل الآخر. ولم  يلتفتوا حتى إلى الأهمية الاقتصادية للجنوب، كلّ ذلك من أجل الحفاظ على السلطة.

هناك جانب آخر شديد الأهمية، هو الخدمة المدنية أو الخدمة العامة، التي تشمل جميع مؤسسات الدولة التنفيذية واللوائح التنظيمية والقانونية ولوائح المحاسبة، إلا أنهم صاغوا القوانين وطرق الالتفاف حولها، وفي بعض الأحيان يتمّ تجاهل تلك القوانين وتطبيقها، فقد أرادت السلطة تحطيم الجهاز الإداري القديم لصالح جهاز إداري جديد، وذلك منذ عام 1989م تحت مُسمّى التمكين، لذلك قاموا بصياغة مجموعة من القوانين التي تؤطر وجودهم في السلطة. فكفاءة الخدمة المدنية الموروثة حدث لها نوع من الإحلال والإبدال، وبدلاً من معيار الكفاءة أصبح الانتماء السياسي، ولم تبدأ مشكلة تسييس الخدمة المدنية منذ عهد الإنقاذ، بل بدأت في عهد النميري، فيما عُرف بدعوى "التطهير"، وفي عهد الإنقاذ طُبّق بالدعوة التأصيلية، وهي التمكين، وتلاشى في عهد الإنقاذ مبدأ الحيادية والاستقلالية والشفافية والكفاءة تماماً، فتمّ تحطيم جهاز الدولة بشكل كامل. كما حدث نوع من التمييز الوظيفي، أيضاً كان هناك نوع من عدم الاحترام في تمرير القوانين بشكل لافت. وقد أقرّ النظام تحطيم الجهاز الإداري للدولة عدّة مرات، كان آخرها في فبراير 2012، حيث أدّى استخدام السلطة السياسية للفئات الاجتماعية الطفيلية إلى أن يتحوّل العاملون بجهاز الدولة إلى شريحة رأسمالية طفيلية جديدة.

  •  هل يمكن أن نلقي الضوء بشكل أكثر تكثيفاً على ما حدث من تحولات في قطاع الخدمة المدنية؟

ـ أصبح هناك ضعف ظاهر في مستوى الخدمة المدنية، فتفشت الرشوة والمحسوبية في نظام الوظائف العامة، وانتشر الفساد المالي والإداري، مع وجود فوارق ضخمة في الأجور والمعاشات في الأجهزة المختلفة، حتى أنه هناك في إحصاء العاملين في المركز والولايات - وهذه مشاكل معروفة في الدول الشمولية- أصبح من الممكن أن تجد موظفاً في مؤسسة حكومية يعمل في أربع وظائف في وقت واحد، فمثلاً في تقرير اللجنة الاقتصادية بشأن تقرير المراجعة العامة في عام 2007 هناك نص يقول: "بالرجوع للأسباب التي ساقها المراجع العام في تقريره والتي ترتب عليها الاعتداء على الأعمال العامة بأنواعها المختلفة تمّ ملاحظة عدم فاعلية نظام المراقبة الداخلية وقلة كفاءة وخبرة بعض العاملين في الإدارات المهنية من حيث المؤهلات والتدريب وعدم التقييد بالقوانين واللوائح والمنشورات، وعدم تطبيقه، إلى جانب عدم فصل وتحقيق الاختصاصات بإسناد اختصاصات المحاسب والصرّاف وأمين المخزن لشخص واحد، هي من أسباب ضياع المال العام، إلى جانب عدم الاهتمام بالنواحي الإدارية من قبل بعض المسؤولين". هذا ما قاله تقرير اللجنة الاقتصادية للمراجعة العامة في عام 2007 م.

لذلك نعتقد أنّ جهاز الخدمة المدنية قد انهار تماماً في عهد الإنقاذ، ولكي نسترد الأوضاع مرّة أخرى في السودان علينا أن نعرف بعض المبادئ العامة التي تحكم الخدمة المدنية بشكل عام، وأهمها قوميّة الخدمة المدنية، والعلانية، والشفافية بما تقوم به الخدمة المدنية، والمساءلة والمحاسبة؛ كمبادئ أساسية نستخدمها في إعادة بناء الخدمة المدنية بعد كلّ ما حاق بها في ظلّ سياسات التمكين.

  • ذكرت في السابق أنهم عمدوا إلى تعطيل دولاب الانتفاضة وذلك بتدمير النقابات، حيث كان للنقابات دور كبير في الحراك السياسي السوداني، لذلك اهتمّت القوى السياسية بالنقابات بشكل خاص منذ الأربعينيات، ولكن ظلّ هناك صراع في النقابات داخل كلّ حزب ممّا أحدث نوعاً من الإضعاف للحركة النقابية بشكل عام، حتى من قبل الإنقاذ، نريد مزيداً من التفاصيل في هذا السياق.

ـ أريد أن أستعرض تاريخياً موقف النقابات منذ عام 1958حتى عهد الإنقاذ، لكي نسير بشكل متسلسل تاريخياً، والتعرف على أثر حزمة القوانين التي أدّت إلى تدمير العمل النقابي، ففي قانون النقابات عام 1966 قبل انقلاب مايو تمّ التغول على سلطة النقابات والتدخل فيها، ولم يتم العودة لتلك القوانين الأساسية مع تعديلات القوانين 1972 و 1977 و1985، وفي عهد الإنقاذ واجهت الحركة النقابية مصاعب، في ظلّ حدوث العديد من الترهلات، وتحويل بعض القوانين إلى قوانين مقيدة، وتأثرت كثيراً الحركة النقابية بما يُسمّى بـ (قانون المنشأة)؛ هذا القانون تمّ سنه للقيام بمنع وجود نقابات حقيقة ممثلة لفئات وقطاعات الشعب، والاستعاضة عنها باتحادات تحلّ محل النقابات، فقاموا بإعلان حالة الطوارئ والتمديد لها لسنين عديدة، وقاموا بالفصل التعسفي الجماعي من النقابات، كما قامت حملة شرسة من الاعتقالات والتعذيب، وكان هناك نوع من التدخل الإداري في شؤون النقابات، مع سن قوانين تصادر الحريات النقابية وحرية التنظيم، وتحرّم أو تجرّم الإضراب باعتباره خيانة عظمى، وذلك لأنّ الحركة الإسلامية كانت ضعيفة الوجود في العمل النقابي، حيث كانت تعتمد أساساً على الطلاب، لذلك فإنّ أول ما قامت به بعد الإنقلاب هو "قانون المنشأة" في التسعينات.

أيضاً من أهمّ أدوات التمكين الفصل التعسفي أو ما يُسمّى بالصالح العام، والفصل التعسفي لم يتمّ فقط في عهد الإنقاذ، بل بدأ في عهد النميري بحجة العداء للثورة، ولكن ما تمّ في عهد الإنقاذ هو فصل سياسي غير واضح ليس لديه حتى مرجعيات قانونية، فتمّ بشكل متوحش، وطال الفصل السياسي كلّ الكفاءات، حتى الطلبة في الجامعات، على أساس أنّ المعيار الوحيد هو المعيار السياسي للنظام الإسلامي الحاكم.

  • الوضع في السودان من الأوضاع الغامضة، والإعلام لا يسلط الضوء عليها بشكل كامل، وكأنّ السودان أصبح في بُعد آخر بعيداً عن محيطه الجغرافي العربي والأفريقي، كنتم قد طرحتم في الحزب مبادرة سودان الغد لتوحيد قوى المعارضة وتشكيل جبهة موحدة تستطيع أن تواجه ما هو موجود حالياً، فما أهم العناصر الرئيسة للمبادرة؟ وهل لاقت حماساً وقبولاً بين قوى المعارضة الأخرى؟

ـ المبادرة تحديداً جاءت لتوحيد المعارضة السودانية ووحدة الصف والاتفاق حول قضية معينة، وترتكز على ثلاثة مرتكزات أساسية، وهي: أولاً: إيجاد حلول لجذور الأزمة السودانية من مفهوم قومي استراتيجي، ثانياً: قطع أي منحي لحلول جزئية أو ثنائية لتفادي أخطاء الماضي وما حدث فيه، مثل ما حدث في نفاشا والذي نتج عنه انفصال الجنوب، ثالثاً: تقوم المبادرة على تولية الحقائب للشعب، وجوهر المبادرة هو التنسيق بين قوى المعارضة المتعددة لإيجاد خارطة طريق موحدة، وقد لاقت قبولاً واستحساناً كبيرين، والتفّ حولها جمهور كبير من الحركات السياسية والشبابية ومنظمات المجتمع المدني، وهي تستهدف كلّ القوى الحالية وكلّ المكونات المجتمعية.

  • بعد عاصفة الربيع العربي وتفجّر الحالة الثورية، ظهرت حركات الإسلام السياسي بشكل أكثر قوة، خاصّة في البلدان التي كانت تعاني فيها قمعاً، أو تعمل في ظلّ تفاهمات معينة مع السلطة، بحيث أنها لا تتجاوز الحدود المسموح بها، هذه الحركات وصلت إلى السلطة في مصر وفي تونس، وقد خطت خطوات كبيرة جداً في مناطق وبلدان عربية أخرى، لكنّ هذه الحركات عندما صعدت إلى السلطة صعدت بفكر التنظيم نفسه، وقد فشلت في تلبية احتياجات ورغبات الشارع والتعايش مع المؤسسات القديمة التي خططت للإطاحة بها فسقطت، هل تفتقد حركات الإسلام السياسي القدرة على إدارة الدولة؟ ألا تمتلك كوادر حقيقية؟ وهل هذا يعود إلى الإيديولوجيا القائمة على السمع والطاعة؟ ما رأيك؟

ـ تنظيم الإخوان المسلمين تنظيم له جذور تاريخية، وبالتالي هو تنظيم دولي يملك موارد اقتصادية كبيرة، ولديه كادر تنظيمي أكثر تنظيماً، بحيث نستطيع القول إنّه ينظّم كوادره ويدربهم بشكل جيد، لذلك يمكنهم الوصول إلى سدة الحكم أو السلطة، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكنهم الحفاظ على تلك السلطة في ظلّ السياسات التي يرفضها المجتمع، وتتنافى تماماً مع المشروع العالمي للمجتمعات الديمقراطية التي تسير نحو الحرية؟ هم لا يستطيعون الصمود،  فهم يتساقطون من الداخل، كأيّ نُظم شمولية، وبالتالي لا يمكنهم الصمود طويلاً في مجتمعات تبحث عن الديمقراطية.

  • هل يؤدي التمكين إذا نجح إلى توقف العقل النقدي داخل التنظيم نفسه؟ وهل يُعتبر مؤشراً على بداية النهاية للتنظيم؟ بمعنى آخر، هل التمكين سلاح ذو حدّين؟

ـ كما ذكرت لك، هم يتساقطون داخلياً بسبب الصراع على السلطة، والنهب والفساد المستشري داخل التنظيم، وبالتالي يصبح الولاء ليس له أي بعد وطني أو قومي، لذلك تراهم ينقلبون على أنفسهم في المقام الأول فيسقط التنظيم.

  • تحدث فوكو عن ميكروفيزياء السلطة، بمعنى أنّ السلطة عندما تتمفصل في كلّ أنحاء الدولة، تتسلل السلطة إلى الجماهير، فيصبح كلّ فرد ممثلاً لها، بغض النظر عن وحشيتها واستبدادها، هل فشل الإسلاميون في تحقيق ذلك التمدد لميكروفيزياء السلطة خارج نطاق الجماعة، وبقيت السلطة تمارس من خلال  الجماعة وحدها، ممّا يعني أننا أصبحنا أمام دولتين: دولة داخل الدولة هي دولة التنظيم، والدولة القومية التي من المفترض أن يحكمها التنظيم، دون أي انزياح حقيقي لسلطة التنظيم خارج حدوده الضيقة؟ هذا الفصل هل يمكن أن تتلافاه جماعات الإسلام السياسي إذا ما قدّر لها أن تعود إلى السلطة مرّة أخرى، أم أنّ هذا الانفصال الحاد هو جزء من طبيعة التنظيم نفسه؟

ـ هم لا يستطيعون التجذّر داخل المجتمع، حتى مع استمرار استراتيجيات التمكين داخل مؤسسات الدولة، لأّنّ سياسة التمكين تقوم على البطش والقمع، وبالتالي يكون هناك رد فعل رافض من المجتمع، ولو حتى بالسلب والمقاطعة، ونتيجة للفعل التراكمي تسقط تلك الأنظمة، وذلك لأنّ المجتمع يرفض تلك الأيديولوجيا، المجتمع يرفض نظرية الاستعلاء والازدراء التي تمارسها تلك الحركات، وبالتالي في ظلّ التعددية والاختلاف داخل المجتمع لا يستطيعون الانسجام والانصهار، وهذه هي طبيعة التنظيم من الأساس.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق