الأخلاق بين النزعة الإنسانية وسطوة الأصولية
28 يوليو 2015 | 0 تعليق

* باحث مصري
د. سامح محمد إسماعيل *

كان الدافع العقلي أقوى من المانع الديني عندما حاول العقل الإنساني كسر أغلال السلطة الدينية والقفز فوق حواجزها المنيعة، ومن ثم النفاذ إلى عوالم أخرى يسمو فيها بالعقل والمنطق، وفق مفاهيم جديدة ومعايير مغايرة لما كان سائداً في القرون الوسطى، وهو ما انعكس بدوره على شتى الطروحات النظرية والمسائل الفلسفية.

وعليه، لم يعد الدين مجرد استجابة للاغتراب الاجتماعي، وأمكن تحرير الأخلاق من احتكار الدين لها، بحيث لم يعد الفعل الأخلاقي فعلًا نفعيّاً، فأخلاقية الفعل الإرادي لم تعد تنتظر حكم السماء، ولم تعد في حاجة إلى مكافأة أخروية (جنّة) أو تهديد غيبي (جحيم)، بل إنّ الموجود البشري المؤمن بإنسانيته يستطيع انتهاج ذلك النهج الأخلاقي في أفعاله كمردود طبيعي للحرية القائمة على أساس معرفي متين دون انتظار تقييم هذا الفعل، وهو ما يخلص الفعل من النفعية، من خلال تحرير الأخلاق من اللاهوت؛ فالضمير الأخلاقي الديني / النمطي يهمل الممكنات والقيم الجديدة الناتجة عن التجربة الحديثة للبشرية، ويظل متشبثاً بمنظومة القيم التي تعود بالنفع على الإنسان في حياته الآخرة فحسب، وبالتالي يعبر عن أنساقٍ أخلاقيةٍ جامدة تجاوزت البشرية كثيراً منها.

إنّ أنسنة الأخلاق أمر من شأنه أن يؤدي إلى نقلها من مستوى التلقي من ذات عُليا مفارقة، إلى مستوى التفاعل الإيجابي والمثمر مع الوجود وقوانين الطبيعة. وعليه، يمكن التحرر من سطوة الأيديولوجيا، والتعاطى مع المعتقدات الدينية في إطار إنساني يسعى إلى استخدام التراكم المعرفي لوضع رؤية جديدة تتجاوز التراث، وتنزع هيمنة المقدّس اللاهوتي وبشكل يتفاعل إيجابياً مع التحولات الفكرية والفلسفية، ويخترق المشهد الأصولي المغيب في دوائر التمثلات والتخيلات الميثولوجية. من خلال تلك الرؤية يتحقق وجود الإنسان في المجتمع والثقافة والتاريخ، حيث يؤدي الجانب المعرفي دوراً محوريّاً في تكريس الشعور بالحرية من عدمه؛ فالتغييب يدفع إلى الإحالة الدائمة للقدر، أمّا المعرفة فتؤدي إلى الوقوف بشكل موضوعي على حقائق الأشياء بحرية كاملة.

ويمكن القول إنً العقل القياسي هو أقل مستويات النشاط العقلي، فهو عقل ترادفي لا يستطيع إنتاج معرفة، حيث يهرول دوماً نحو قضايا مطابقة أو مشابهة ليستمدّ منها معارفه ويجد فيها ملاذاً لإشكالياته، وهو عقل لا يستطيع أن يؤسس لبنية معرفية حقيقية، أو ينتج إبداعاً إنسانيّاً بسبب طابعه النقلي، فيغدو في معطياته ومنطلقاته انعكاساً لفكرٍ جامدٍ يقبع على الجانب الآخر من نهر الحضارة الإنسانية. ذلك الانتحار العقلي يصنع أوثاناً أشد وطأة من أوثان العصور الأولى، فأوثان الفكر الأصولي تأخذ الحاضر نحو غيابات العصور الوسطى، حيث يقف سدنة الهيكل بالمرصاد لملكة العقل.

وعبر العصور لم تكن تلك المرجعيات الدينية الغارقة في غيابات جبّ المفاهيم التيولوجية الضيقة، وإبستمولوجيا القرون الوسطى قادرة على إيجاد تصور سليم لعلاقة الموجود البشري بالكائن الأسمى، ولم تستطع كذلك التعبير عن منطلقات فكرية يمكنها تجاوز العقليات الدينية التي رسخت بشكل قمعي أنماطها الفكرية القائمة على إقرار تصور واحد لتلك العلاقة يقوم على منطق العبودية المطلقة، والقرارات الإلهية المقدّرة سلفاً، فحوّلت الله إلى إمبراطور أبدي يحكم دنيا البشر الفانية.

(1)

- المعرفة وحرية الفعل

إذا كانت المعرفة في معناها البسيط هي الإدراك الجزئي لصور الأشياء أو صفاتها أو علاماتها أو إدراك المعاني المجردة، سواء أكان لها وجود خارج الذهن أم لا، فالحرية هي القدرة على توظيف هذا التراكم الإدراكي وتفعليه في صورة أفعال توافق الإرادة الإنسانية وتحقق مراميها المتنامية، وكلما زاد التراكم المعرفي ازداد الفعل الإنساني تحرراً من شتى القيود التي تعوق حركته، فالإنسان الأول الذي كانت تعوق الطبيعة من حريته، وتجعله عاجزاً في كثير من الأحوال عن تحقيق إرادته، غير إنسان العصور الوسطى الذي انطلق هنا وهناك يبني الإمبراطوريات ويعبر البحار الشاسعة، غير إنسان العصر الحديث الذي انطلق يغزو الفضاء ويحلق في السموات بلا أجنحة.

فالإنسان على حالته الأولى لا يمكنه تجاوز قدراته الموجودة في بنيته، لكن ذلك العقل الذي تتنامى قدراته الإدراكية تمكن بمرور الزمان من تحويل طاقاته الإبداعية وأفكاره التي تتجاوز قدرات جسده إلى واقع ملموس من خلال المعرفة، فتمكن من تحرير جسده من محدودية الأفعال المخلوقة في بنيته، ومن سطوة قوانين الطبيعة عليه، فحلّق في أجواز الفضاء رغماً عن قوانين الجاذبية دون أن يفقدها مفعولها، لكنها المعرفة التي مكنته من اختراع آلاتٍ تمكّن بها من التعامل مع تلك القوانين والفكاك من سطوتها عليه، فارتقى لأعلى المرتفعات، وغاص إلى أعماق سحيقة في البحار والمحيطات، وقطع آلاف الأميال في ساعات. بل وتؤكد النظريات العلمية أنّ تطور العقل من الناحية التشريحية تلازم مع تطور الوعي، وهو ما يؤكد أنّ العلاقة بين المعرفة والحرية علاقة تلازمية لا يمكن إنكارها.

المعرفة والحرية كلتاهما تستهدفان تمكين الإنسان قدرةً وفعاليةً تجعل للحياة هدفاً ومعنى، وبالتالي تلتقيان في بناء نمط من القيم والمعاني الإنسانية القائمة على مبدأ وحدة العقل والمعقول، والتأكيد على أنّ العلاقة بين الله والإنسان تتسم بالحرية، وهي حرية دافعها أخلاقي في المقام الأول؛ فالمعرفة والحرية ماهيتان مختلفتان بطبيعة الحال، لا يمكن احتواء إحداهما على الأخرى، لكنّ هناك علاقة تفاعلية دائمة تدمجهما معاً في مزاوجة تنتج في نهاية الأمر موجوداً بشريّاً فاعلاً ومشاركاً في أحداث الحياة، لديه كلّ هذا الحضور والنشاط الحر مع كل ما يقابل ذلك من مسؤولية كاملة.

(2)

الأخلاق والحرية

بالنظر إلى تمظهراتها كنمطٍ في الفكر والحياة، ومدى ارتباطها بحرية الإرادة، يمكن تحرير الأخلاق من دوائر الاستعمال الذرائعي الضيّق القائم على اعتبار الأديان مصدراً وحيداً للأخلاق، هو ما أدى إلى اختزال مبادئ الأخلاق في إطار ما ورد بكتب التراث، بل وفرضَ على منظومة القيم جموداً أبدياً حين منعها من التجديد والتطور ممّا يعنى احتكاراً أيديولوجيّاً جائراً للأخلاق؛ أي إنّ الدين أصبح في جوهره مرادفاً للأخلاق، ممّا يعني تهميش مهمّة العقل الأخلاقية بتقديم نموذج صارم لأخلاق ربانية مطلقة يعتبر الجنوح عن أيٍّ منها خطيئة لا تغتفر.

ولكن ماذا في شأن الكثير من الأخلاقيات الدينيةالتي تروّج لها المرجعيات الأصولية بشكل نقلي دون إدراك طابع التطور والتاريخية؟ نستطيع أن نرصد نسقاً أخلاقياً يدعو إلى العنصرية وإقصاء الآخر واحتقار المرأة في الخطاب الأصولي الكلاسيكي، فهل يمكن لتلك الأخلاق أن تؤسس لمرجعية أخلاقية معاصرة؟ أم أنها تحتاج لقراءة جديدة لوضعها في سياقاتها التاريخية؟

من هنا كانت أشرس الصراعات في التاريخ صراعات دينية، وأبشع المذابح تلك التي ارتكبت باسم السماء، حيث مضى الآلاف إلى حتفهم طوعاً أو كرهاً تحت وطأة الأيديولوجيا الدينية، فهل يمكن أن يؤسس احتكار الدين للأخلاق لأي نوع من الإرادة الحرة؟

وفقًا لرؤية "ديكارت"، فإنّ الانسان يستطيع من خلال توظيف المعرفة الوصول إلى الخير المطلق للإنسانية، ومن ثمّ تأسيس منظومة أخلاقية قابلة للتطور الدائم، فكلما اتسعت المعرفة زاد نطاق حرية الإرادة، وخطتِ البشرية خطواتٍ طويلة في طريق الخير المطلق، ومن ثمّ يصبح المسار الأخلاقي للحرية أكثر وضوحاً وبُعداً في الوقت ذاته عن سطوة أيّة أيديولوجيا تتخذ الدين شعاراً.

وبطبيعة الحال، جاءتِ الأديانُ في أزمانها ووفق قراءة مَن عاصروها لتدعيم منظومة الأخلاق القائمة آنذاك وفق معطيات العصر وأنساقه المعرفية، لكنها تحت سطوة الأيديولوجيا افتقدت سمة التطور، ومن ثمّ تجمدت منظومة الأخلاق مع ما قامت الأيديولوجيا بتجميده في قوالبها التي استطاعت أن تؤطر كل شيء، ومن هنا كان لا بدّ، ونحن بصدد تفكيك القراءات التراثية للنص، تحرير منظومة الأخلاق برمّتها، وجعل النزعة الإنسانية مرجعية أساسية لفعل حر يسعى للخير المطلق، فمن المستحيل أن نناقش في عصرنا هذا أخلاقيات معاملة الجواري وأهل الذمة، أو مفاهيم تاريخية مثل الجزية والخراج.

انطلاقًا من تلك المعطيات تبدأ عملية تحرير النص من أسْرِ الدوائر الأصولية وطروحاتها التي أصبحت تنتمي لكتب التراث والتاريخ، ولا مجال لدراستها إلا في هذا السياق.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق