إنريكي دوسيل: المعرفة لا مركز لها والسفر بوابة معرفة الذات
21 ابريل 2015 | 0 تعليق
الفيلسوف الأرجنتيني إنريكي دوسيل -(ذوات)
أكد الفيلسوف الأرجنتيني إنريكي دوسيل أن المعرفة الإنسانية لا مركز لها، لأن العالم بالنسبة للفيلسوف يتأسس على بُنى ونُظم عقلانية تحوي في عمقها الكثير من أوجه التشابه، مما يضعنا أمام سؤال محوري حول التاريخ المشترك للمعرفة الإنسانية والذي لا يبدأ فقط من الفكر المتمركز لأوروبا التي قسمت العالم إلى أصناف محددة، وحاولت من خلالها صياغة معنى للعالم بموجوداته، بل يستمر في ديمومة تتنفس "التعددية" واصطلح عليه بـ" diversalité" كمشروع عالمي لإنهاء استعمار الحداثة والفكر الأوروبي المتمركز على ذاته.
وأضاف دوسيل الذي حاضر يوم أمس في لقاء نظمته مؤسسة "الرابطة المحمدية للعلماء" بالعاصمة المغربية الرباط، أن الفلسفة ليست مجرد شطحات لغوية، ولا تقتصر فقط على محبة الحكمة، بل هي مراس للتعرف على الذات في نسق يرتبط بالسياق المؤسس لها بالدرجة الأولى، لذلك فمفهوم السفر، يضيف المحاضر، من الأساسيات التي تمكن الفرد من التعرف على ذاته انطلاقاً من العالم، حيث يمكن من خلاله طرح الأسئلة في العمق، وبهذا الصدد افتتح الفيلسوف اللاتيني إنريكي ندوته بالحديث عن السفر كعامل أساسي للتعرف على الذات، حيث ارتحل كثيراً منذ صغر سنه واكتشف أماكن عديدة، وبعد حصوله على الإجازة في الفلسفة، بدأ رحلة البحث عن الذات والمعرفة والعدالة وتصويب الفكر، واستأنف بحثه بطرحه للسؤال "ماذا يعني أن تكون أمريكياً لاتينياً؟"، ما قاده ليس فقط إلى الحفر في تاريخ أمريكا اللاتينية، بل الكشف عن الجذور المعرفية لمنجزات الفكر المعاصر وتعرية الحضور المصاحب لها منذ عقود، فنظرية المعرفة الأور وممركزة تُنحّي المعرفة الإنسانية إلى مستوى فولكلوري، وتجعل من الحداثة أسطورة التقدم التي جعلت من الفكر الغربي إله يعبد أو صنم من الأصنام التي يصعب هدمها حتى على المستوى النفسي، وفي نفس السياق لاحظ المفكر الأرجنتيني أنه من الواجب إعادة النظر في النظرة الشمولية للمعرفة، معتبراً أنه منذ حدوث ما سُمّي "باكتشاف" أمريكا اللاتينية، والتاريخ أخذ مساراً وحيداً لكنه ليس بالضرورة المسار الوحيد والناجع.
انطلق دوسيل من فرضية مفادها أن اليونان ليست النموذج الأصلي للثقافة اللاتينية الأمريكية، وبذلك يكون قد وضع تحت مطرقة النقد والهدم كل أِشكال الهواجس التي حركت وصاحبت الخطابات المعرفية منذ قرون باتجاه مرجعية عقلانية وحيدة وممركزة، وقد استثمر في طرحه جواهر الإشكالية الكونية، معتمداً على مجموعة من الأسئلة الأنطولوجية التي صاحبت الجنس البشري"homo sapiens" خلال تطوره النوعي الذي يعود الفضل فيه بالأساس إلى التطور الدماغي الذي صاحبه تطور لقدرات الوعي والوعي الذاتي، والإمكانات اللغوية، والأخلاقية والاجتماعية، فلقد واجه الكائن البشري الواقع في شموليته من أجل السيطرة عليه وإنتاج وتطوير الحياة البشرية في ظل المجتمع، وبالتالي، يضيف إنريكي دوسيل، لا مندوحة من تأكيد على أن النزعة الأوربية ما هي إلا نزعة عرقية تدعي بأن التعميم الكوني خاص بها وبالتالي فهي تخلط بين الكونية المجردة والهيمنة العالمية الملموسة المستمدة من موضع أوروبا بوصفها المركز.
ويرى دوسيل أن النسق العقلاني للنظريات الأوربية والأمريكية يقدم مجموعة من البديهيات لصياغة المعرفة التي انبنت عليها مجموعة من المجتمعات والمشاريع الفكرية اليوم واعتبرتها الوحيدة، مما منحها نوع من الشرعية من جهة، وهمش أنحاء العالم بعد أن عمم فلسفاتها وتقاليدها، لذلك بات من الضروري إعادة انتاج المعرفة في سياقات إقليمية، كما انطلق المفكر الأرجنتيني دوسيل من القوانين المصرية القديمة للفراعنة، لتفسير العلاقة بين المعرفة والقوة وكيف بنيت هذه الأخيرة على امتداد العالم، فالنواميس الفرعونية برأيه، أسست نسقاً عقلانياً لتبرير العبودية، واستعملت في ذلك براديغم معرفي عقلاني ينبني على رؤى دينية، أو ما اصطلح عليه بـ"البراديغم المعرفي لموسى" الذي أسّس لنسق وصاغ معنى لقوانين محددة، وطرح السؤال أنه ليس المهم طرح السؤال هل يدخل هذا في إطار تاريخي أم لا، بقدر ما يتطلب الأمر تحليل النظام الشمولي الذي كان سائداً في مصر القديمة التي قبِلت بعبودية العبد.
كما حلّل المفكر الأرجنتيني هذه الأخيرة في سياق النظام الفرعوني، الذي كان يعتبر نفسه نظاماً كاملاً لأنه من وحي فرعون، والذي اعتبره العباد إلهاً، وبيّن هنا أن العبودية ليست فطرية بل مختلقة من قبل آلهة خلقها الإنسان بنفسه ولنفسه، وأكد دوسيل انطلاقاً من الأسطورة الفرعونية، أن النسق الفكري يرتبط بالأساس بنظام القوة، وأن الفلسفة تاريخياً ليست بالأساس يونانية وليست النموذج الأصلي والنهائي للمعرفة بمضامينها، وأن كل تعيين للحدود بين الأسطورة والخطاب الفلسفي القطعي لا يسعى سوى لتعريف الفلسفة على أنها يونانية.
جدير بالذكر أن إنريكي دوسيل من أبرز الشخصيات على المستوى العالمي اشتغل في مواضيع الأخلاق والفلسفة والسياسة والفلسفة اللاتينية الأمريكية، وهو أحد مؤسسي فلسفة التحرر"philosophie de libération"، وقد استفاد من لقاءاته مع العديد من المفكرين المرموقين على المستوى العالمي أمثال: إيمانويل ليفيناس، ريشار روتي، جيانو فاتيمو، وآخرون. ويعتبر دوسيل من أهم المفكرين الأرجنتينيين ذوي الإصدارات المتعددة، حيث ألف ما يناهز 50 كتابا في مسيرته الأكاديمية الحافلة.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

