أبو العلا: العدل في خطاب الاسلاميين يفتقد إلى رؤية فلسفية
29 يوليو 2015 | 0 تعليق

حاوره: محمد بوشيخي

أنجز الباحث المصري محمد عبده أبو العلا أطروحة دكتوراه حول موضوع: "مفهوم العدل في الليبرالية الاجتماعية: دراسة لنظرية الفيلسوف الأمريكي رونالد دوركين في العدل"، ونظرا لمركزية العدل في كل مشروع مجتمعي وأولويته في كل عملية نهضوية تنشد التقدم والإصلاح فإن موقع ذوات ارتأى فتح حوار في الموضوع مع صاحب الأطروحة.

وقد أكد الباحث في الحوار على كونية مفهوم العدل ونفى أن يكون له مفهوم خاص في الثقافة العربية الإسلامية "متميز بشكل ملحوظ عن مفاهيم العدل المطروحة على الساحة الثقافية الغربية"، مضيفا أن "التصورات المطروحة حول العدل في الثقافة الإسلامية تدور بشكل أو بآخر في فلك فلسفة العدل الاجتماعي في الثقافة الغربية بصفة عامة".

وبخصوص العدل في المشروع المجتمعي الذي طالما بشر به الإسلاميون، يقول أبو العلا أن العدل عندهم  "يتمثل في إتباع حكم الله سبحانه وتعالى والالتزام بحدوده"، وأنه لا وجود في خطابهم لحديث تفصيلي عن العدل الاجتماعي نستخلص منه نظرية "تستند إلى رؤية فلسفية تتسم بالتجريد". غير أنه استدرك في ذات الحوار أن "قيمة العدل الاجتماعي لدى الحركات الإسلامية بدأت تزيد نوعا ما بعد ثورات الربيع العربي كما يتضح من خلال خطابها الإعلامي"؛ وهو ما يفسر، حسب رأيه، بإدراكها "أن الظلم الاجتماعي كان على رأس أسباب هذه الثورات"

 وللإشارة فإن أطروحة محمد عبده أبو العلا تندرج ضمن شعبة الفلسفة السياسية بكلية الآداب ـــ جامعة طنطا، وله أعمال منشورة في مجلات وصحف ومواقع الكترونية، منها:

- دراسة بعنوان: "مفهوم العدل الاجتماعي بين "جون رولز" و"روبرت نوزيك" منشورة في مجلة ثقافات البحرينية ( التي تصدرها كلية الآداب بجامعة البحرين)

- دراسة بعنوان "الخطاب السلفي والخطاب الإخواني...قراءة جديدة" منشورة على موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

- مقال بعنوان "الخطاب السلفي بين التطرف الديني والتلون السياسي" منشور في عدد يوليو 2015 بمجلة الثقافة الجديدة (التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر).

  الدكتور أبوالعلا لقد خصصتم بحثكم لأطروحة الدكتوراه حول "مفهوم العدل في الليبرالية الاجتماعية"، فكيف يتمايز مفهوم العدل لدى المذاهب الفلسفية الغربية؟

تتعدد مفاهيم العدل الاجتماعي بتعدد المذاهب الفلسفية في الثقافة الغربية. فمفهوم العدل عند روبرت نوزيك، يختلف عن مفهوم العدل في الماركسية، وفي الليبرالية الاجتماعية عند جون رولز ورونالد دوركين. بل يوجد اختلاف بين مفهوم العدل الاجتماعي داخل أبناء المذهب الواحد كما نجد عند رولز ودوركين.

ومفاهيم العدل الاجتماعي في الثقافة الغربية ليست عبارة عن جزر متناثرة في محيط هذه الثقافة، فهناك علاقات، شد وجذب، فيما بينها يصل إلى درجة التعقيد والتشابك مما يؤدي أحيانا إلى غموض أو تشوش كتاباتنا (نحن الباحثين العرب) عنها. ويمكن تلخيص أهم هذه المفاهيم أو النظريات التي تدور حول العدل الاجتماعي فيما يلي:

تذهب الماركسية إلى أن المبدأ الاشتراكي "لكل حسب عمله" هو أساس المجتمع الاشتراكي، ثم يتحول هذا المبدأ في المجتمع الشيوعي ــ الذي يمثل مرحلة تالية للمجتمع الاشتراكي ــ إلى "من كل حسب قدرته إلى كل حسب حاجته"، بحيث يتم تلبية حاجات الجميع، ولكن بعد تحقيق قدر معين من الوفرة الإنتاجية التي تتيح توزيع الإنتاج وفقا للحاجات، فيتساوى جميع الأفراد مهما كان نوع عملهم.

أما رولز فإنه يرى أن التمسك بالمساواة الصارمة، كإعطاء الجميع أجورا متساوية، بصرف النظر عن الأعباء والمتطلبات التي تحتاجها كل وظيفة، سوف يؤدي إلى قتل حافز الإبداع والتفوق في العمل، فسمح بالتفاوتات الاقتصادية، وقال  أنها مشروعة من الناحية الأخلاقية، بشرط أن تصب في مصلحة سائر أفراد المجتمع، وخاصة الفئة الأدنى امتيازا أو الأكثر فقرا.

إذا انتقلنا إلى نوزيك، نجد أن مفهومه للعدل يقوم على التبادل الحر للملكيات الخاصة بين الأفراد، طالما أن هذه الملكيات قد تم اكتسابها بطريقة عادلة (أو مشروعة)، وبالتالي فأي تفاوتات في التوزيع مهما كان حجمها تكون مشروعة من الناحية الأخلاقية، على اعتبار أن الناس تختلف في المواهب الطبيعية والقدرات الخاصة. وبناء عليه، فإن النظام الاقتصادي الوحيد الذي يحترم حق الملكية الخاصة وحق الحرية الفردية لكل إنسان في المجتمع، عند نوزيك، هو نظام اقتصاد السوق الحر حرية مطلقة.

أما دوركين، فإنه قد اختلف مع نوزيك ورولز، حيث رفض عند الأول منحاه الفردي المتطرف الذي أدى به إلى نكران أي دور للدولة في مجال الرعاية الاجتماعية، ورفض عند الثاني منحاه النفعي الذي يذهب من خلاله إلى ضرورة تعويض كل من تردَّت أحوالهم الاقتصادية بصرف النظر عن الأسباب أو الظروف التي أدت إلى هذا التردِّي، مما يتعارض مع مبدأ المسئولية الفردية. فليس كل مَنْ ساءت أحوالهم الاقتصادية، عند دوركين، يستحقون التعويض، وإنما فقط هؤلاء الذين تعرضوا لظروف تخرج عن نطاق سيطرتهم، أو بأسلوب آخر، ظروف تتجاوز حدود إرادتهم، كالمعوقين والمرضى مثلا.

- وماذا عن مفهوم العدل في الثقافة الإسلامية؟

كما قلنا سابقا تتنوع وتتعدد مفاهيم العدل الاجتماعي في الثقافة الغربية، وهذه المفاهيم، بما تتميز به من رصانة وتجريد وبُعد إنساني عالمي، قد طغت على تصورات العدل في الثقافة العربية الإسلامية. فليس هناك مفهوم للعدل في الثقافة العربية الإسلامية يمكن أن نقول عنه أنه غريب أو متميز بشكل ملحوظ عن مفاهيم العدل المطروحة على الساحة الثقافية الغربية، فالتصورات المطروحة حول العدل في الثقافة الإسلامية تدور بشكل أو بآخر في فلك فلسفة العدل الاجتماعي في الثقافة الغربية بصفة عامة. على سبيل المثال، تصور العدل في اليسار الإسلامي يدور في فلك الماركسية، بينما في الطرف المقابل يدور تصور العدل في اليمين الإسلامي في فلك الليبرالية الكلاسيكية (عند جون لوك، وآدم سميث، وجون ستيوارت ميل)،  تلك الليبرالية التي لا تنحو منحى فرديا متطرفا كما هو الحال في الليبرتارية.

- أي قيمة للعدل في المشروع المجتمعي للحركات الإسلامية، وهل لحق مفهومها له تطورا غداة ثورات الربيع العربي، التي كانت ثورات على الظلم في كل صوره؟

  تركز كل الحركات الإسلامية في خطابها على ضرورة قيام دولة الخلافة باعتبارها أصلا من أصول الدين، فهي بالنسبة لهم التطبيق العملي للشريعة الإسلامية، تلك الشريعة التي يستتبع تحقيقها تحقيق العدل. فالعدل عندهم  يتمثل في إتباع حكم الله سبحانه وتعالى والالتزام بحدوده، فليس في خطاب الحركات الإسلامية حديثا تفصيليا عن العدل الاجتماعي يمكن أن نستخلص منه نظرية في العدل تستند إلى رؤية فلسفية تتسم بالتجريد بعيدا عن تلك الرؤية اللاهوتية المحددة في تصور معين عندهم للإسلام. ولكن عموما، فإن هذه الحركات تتخذ موقفا معاديا للتصور الماركسي (أو الاشتراكي) للعدل، على اعتبار أن الماركسية تمثل خطرا على الدين؛ وفي المقابل نجد لديها ميلا واضحا إلى الليبرالية الاقتصادية في صورتها الكلاسيكية، وتحديدا عند آدم سميث الذي يذهب إلى أن سعي الأفراد لمصالحهم الشخصية، عن طريق النشاط الاقتصادي، يستتبع سعادة المجتمع ككل. وفقا لآدم سميث، هناك توافق بين مصالح الفرد والمصلحة العامة. ويحدث ذلك بشكل تلقائي عن طريق يد خفية. فها هو سيد قطب، الذي تمثل كتاباته لسان حال جماعة الإخوان المسلمين، يسير على نفس نهج آدم سميث، حيث يذهب، في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام، إلى أن أنه من الظلم طغيان الجماعة على مطامح الفرد وطاقته. ولا يمثل ذلك ظلما للفرد وحده، بل للجماعة ذاتها أيضا، فحرمان الفرد من ميوله ونوازعه لا يقف أثره السيئ عند حرمان هذا الفرد مما هو حق له، بل يتجاوزه إلى حرمان الجماعة من أن تنتفع بكل طاقته.

لكن يمكن القول إن قيمة العدل الاجتماعي لدى الحركات الإسلامية بدأت تزيد نوعا ما بعد ثورات الربيع العربي كما يتضح من خلال خطابها الإعلامي؛ ويعود ذلك إلى إدراك هذه الحركات أو التنظيمات أن الظلم الاجتماعي كان على رأس أسباب هذه الثورات، وخاصة بعد فشل تجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر عقب ثورة 25 يناير 2011، وشبه فشل تجربتهم (الإخوان المسلمين) أيضا عقب الثورة التونسية التي اشتعلت شرارتها الأولى في 17 ديسمبر 2010، حيث تأكد للحركات الإسلامية، بما فيهم جماعة الإخوان المسلمين، أن وقوف خطابهم عند الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية دون التركيز بالشكل الكافي على قضية العدل الاجتماعي وطرح سبل للتغلب على معوقاتها هو خطأ استراتيجي كان يجب تداركه في ظل أزمة العدل التي تعيشها الشعوب العربية، والتي تمخضت عنها ثورات الربيع العربي. ويحضرني هنا، كمثال على ذلك، ما ذكره الكاتب والصحفي غرايم وود في مقال له بعنوان "ما تريده داعش فعلا" What ISIS Really Wants في عدد مارس 2015 من مجلة ذا أتلانتيك الأميركية على لسان أنجم تشوداري Anjem Choudary، وهو أحد الناشطين الفاعلين (المقيمين بلندن) في الدعوة للانضمام لصفوف تنظيم داعش، حيث يذهب تشوداري إلى أن تطبيق الحدود دون توفير العدل الاجتماعي والاقتصادي يولد الكراهية للشريعة الإسلامية. ويتطلب توفير العدل، كما يذهب تشوداري، حزمة متكاملة من الإجراءات، على رأسها توفير السكن المجاني، وتوفير الغذاء والكساء للجميع؛ ورغم ذلك تكون هناك فرصة لكل مَنْ يرغب في الثراء عن طريق العمل.

إذاً، هناك تحول نسبي في خطاب الحركات الإسلامية، حتى لدى داعش نفسها، تجاه قضية العدل الاجتماعي، بصرف النظر عما إذا كان هذا التحول تكتيكيا أم لا.

- هل يمكن تحقيق العدل الاجتماعي بمعزل عن الإطار الديمقراطي كما تبلور في الغرب؟

لا يمكن الفصل بين العدل الاجتماعي والديمقراطية بمعناها الحقيقي. كما يذهب دوركين، إن التعارض بين المساواة (التي تمثل جوهر العدل الاجتماعي) والحرية (التي تمثل جوهر الديمقراطية) هو تعارض مزعوم ناتج عن التعريف الخاطئ لكل منهما، فالحرية لا تعني أن تفعل كل ما تريد أو أن تتحرر من كل القيود. كذلك، فإن المساواة لا تعني المساواة في الرفاهية (كما عند النفعيين) أو المساواة في المداخيل أو مستويات المعيشة (كما عند الماركسيين). فالحرية عند دوركين محدودة بالحقوق الطبيعية الفردية للآخرين، أما المساواة الحقيقية فإنها تتمثل في المساواة في الفرص الأولية للحياة الكريمة، من خلال هذين التعريفين لن يكون هناك أي تعارض بين الحرية والمساواة؛ لأن المساواة في الفرص الأولية للحياة الكريمة مرهونة باحترام الحرية الفردية في ممارسة النشاط الاقتصادي.

    إن ممارسة الديمقراطية بمعناها الحقيقي تتطلب توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لغير القادرين. فعلى الرغم من ضرورة ضمان الدولة للمساواة بين الناس في فرص النجاح والرفاهية، إلا أنه يتعين على الدولة أن تتدخل من أجل توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لمن يعانون شظف العيش نتيجة ظروف تخرج عن حدود إراداتهم أو نتيجة ضربات الحظ السيئ غير المتوقعة، كما يحدث في حالات المرض أو العجز الجسدي أو العقلي. فالحد الأدنى من الحياة الكريمة سوف يحول دون بيع الفقراء أو المحتاجين لأصواتهم أو قبول ما يُسمى بالرشاوي الانتخابية في الاستفتاءات والانتخابات. وفي هذا الصدد يذهب رولز إلى أن الدستور الديمقراطي لا يتمثل فقط في مجموعة من الإجراءات المحايدة (مثل حكم الأغلبية) لتسوية النزاعات، وإنما لابد أن يضمن أيضاً التوزيع العادل للخيرات الاجتماعية الأولية الضرورية للمشاركة في العملية الديمقراطية.

- ما موقفكم من المطالب الخاصة بالحقوق الفردية؟

المطالبة بالحقوق الفردية حق لكل إنسان على وجه العموم، في أي مكان أو زمان؛ لأن الحقوق الفردية حقوق ذات طابع عالمي أو كوني. إنها، على حد تعبير جون سيمونز، حقوق طبيعية، فطرية، يمتلكها أي إنسان، ليس لشيء إلا لأنه إنسان، فللناس حقوقا يمتلكونها بحكم طبيعتهم البشرية حتى لو لم تعترف بها الدولة أو تسنها القوانين؛ ومن احترام هذه الحقوق تستمد الدولة شرعيتها والقوانين عدالتها. ولأن أصل هذه الحقوق يعود إلى الطبيعة الإنسانية ذاتها، فإن الناس يستميتون في الدفاع عنها، ومن أبرز تجليات هذا الدفاع نجد الثورات الشعبية ضد الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة. كما يذهب دوركين، إن انتهاك حقوق الإنسان يمثل جرما  أخلاقيا حتى لو لم يكن قانونيا. لذا، نرى أنه يتعين أن تتسق القوانين مع حقوق الإنسان، بل يجب أن تكون وسيلة لحمايتها، وإلا صارت هذه القوانين غير عادلة، وبالتالي صارت الدولة التي تصدر هذه القوانين وترعاها غير شرعية.

إن احترام حقوق الإنسان يمثل جوهر العدل الاجتماعي؛ لأن العدل الاجتماعي في جوهره ــ كما يذهب دوركين، وأنا اتفق معه تماما ــ هو المساواة بين الناس في الاهتمام والاحترام، ومن بين أبرز تجليات هذه المساواة احترام الدولة للحقوق الفردية الأساسية لجميع المواطنين على قدم المساواة دون أدنى تمييز بينهم.

لكن كيف يتم إعمال تلك الحقوق وتكييفها مع بيئة الثقافة الإسلامية المختلفة عن البيئة الغربية التي نشأت فيها؟

إن الطبيعة الإنسانية العالمية لهذه الحقوق، التي أشرت إليها للتو، سوف تحول دون حدوث مشكلة في هذا الصدد، أو على الأقل لن تكون المشكلة ضخمة بالشكل الذي يتصوره البعض. هذا فضلا عن شيئين يجب التنبه إليهما:

أولا- لقد نص القرآن الكريم على الحقوق الأساسية للإنسان بشكل صريح لا يحتاج إلى تأويل. فعن حرية الإرادة الإنسانية بصفة عامة، تلك الحرية التي بدونها يسقط التكليف في الدنيا والحساب في الآخر، نجد قوله تعالى: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور: 21]، وقوله تعالى أيضا: ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: 38]. كما يقول تعالى عن حرية الاعتقاد الديني تحديدا ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾  [البقرة: 256]. وعن حماية استقلالية الفرد وعدم فرض الوصاية عليه من أي أحد كان، بما في ذلك الأنبياء أنفسهم، حتى في مسألة الإيمان بالله، يقول تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) [الغاشية: 21، 22]. وعن إقامة العدل بين الناس، حتى مع المخالفين في الرأي أو العقيدة، نجد قوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [النساء: 58]، وقوله تعالى أيضا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) [المائدة: 8]. هذه بعض الأمثلة فقط، حيث يوجد العديد من الآيات الأخرى التي تشير، بشكل صريح أو ضمني، إلى العديد من القيم والحقوق الإنسانية الأخرى.

ثانيا- إن فكرة أن الحقوق الفردية في الثقافة الغربية هي حقوق مطلقة للفرد لا يجوز الاقتراب منها بأي حال من الأحوال هي فكرة عامة الناس في المجتمعات العربية الإسلامية، وهي فكرة خاطئة. فإذا كان أصحاب النزعة الفردية المتطرفة، مثل الليبرتاريين والفوضويين الرأسماليين، يدافعون عن الحقوق الفردية باعتبارها مطلقة، فإننا لا نجد مثل هذا القول عند أصحاب الليبرالية الاجتماعية، بل لا نجده حتى عند الليبراليين الكلاسيكيين أنفسهم الذين لم نجد عندهم غيابا تاما للبعد الاجتماعي. لقد رفض الليبرتاريون والفوضويون الرأسماليون فرض الدولة لأية ضرائب من أجل تمويل برامج الرعاية الاجتماعية للمحتاجين، لأن ذلك يمثل شكلا من أشكال العمل الإجباري، ومن ثم تعديا على حق الناس المطلق في الحرية الفردية والملكية الخاصة. لكن في مقابل هؤلاء أجاز الليبراليون الاجتماعيون حق الدولة في تقييد الحرية الفردية في حالات معينة، بل إلغاؤها (بصفة مؤقتة) إذا ما تطلب الأمر ذلك- كما يحدث في حالة نشوب حرب أهلية، أو في حالة استهداف مصلحة عامة تعود بالخير على المجتمع ككل، وليس الأغلبية فقط. كما أجازوا فرض الدولة للضرائب على الأغنياء لتمويل برامج الرعاية الاجتماعية، فعند الليبراليين الاجتماعيين لا يوجد تعارض حتمي بين دولة الرفاهية ونظام السوق الحر. وعليه، عارض الليبراليون الاجتماعيون نظام السوق الحر حرية مطلقة، وطالبوا بضرورة فرض الدولة رقابة معقولة على عمل الأسواق، مع تأمين الأفراد ضد أية معاناة جرَّاء هذا الانحراف.

فضلا عن كل ذلك، فإنه لا يمكن تصور وجود ما يسمى بالحقوق الفردية المطلقة من الناحية العملية، فهذا أمر غير ممكن إلا إذا كان هناك فرد واحد يعيش وحده في العالم، فالإنسان يعيشفيوسط اجتماعي، ومن ثم يجب أن يمارس حقوقه في ظل قواعد معينة، على أن تتسم هذه القواعد بالعدل والإنصاف حتى يحترمها الجميع، وتكون سببا في توفر مناخ آمن يسمح لجميع المواطنين بالاستمتاع بحقوقهم على قدم المساواة.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق