وليد سيف إذ يشتبك مع التغريبة الفلسطينية ويضيء الحنين إلى الأندلس
12 سبتمبر 2015 | 0 تعليق
وليد سيف – (أرشيفية)
عندما غادر وليد سيف قريته "باقة" في مدينة طولكرم بفلسطين المحتلة التي ولد فيها في العام 1948، ظل مشحوناً بطاقة حنين دفعته، فيما بعد، إلى ابتياع قطعة أرض خارج العاصمة الأردنية عمّان، لأنه عندما رآها ذكّرته بطبيعة قريته في طفولته.
ولعل هذا الحنين الذي ظل يشتعل في روح الفتى الذي غادر بلدته، وهو في التاسعة عشرة من عمره، كان وراء ما هو أبعد دفع صاحبه إلى مدّ الحنين إلى أقصاه، فكانت الأعمال الدرامية التي وضعت سيف في قائمة أهم كتاب الدراما في العالم العربي.
وثمة من يتحمّس، فيرى أن ثلاثيته عن الأندلس (صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف) بوّأته مكانة غير مسبوقة من قبل، كما فعلت الأمر نفسه أعماله عن مأساة شعبه الفلسطيني التي بدأها في "الدرب الطويل" ثم أكملها وطوّرها وعمّقها في "التغريبة الفلسطينية" التي يتقاطع اسمها مع ديوانه "تغريبة بني فلسطين" الذي أصدره في العام 1980، بالإضافة إلى ديوانين شعريين آخرين سابقين هما "قصائد في زمن الفتح" 1969 و"وشم على ذراع خضرة" 1971.
حصل وليد سيف على شهادة البكالوريوس في اللغة والأدب العربيين من الجامعة الأردنية؛ كما حصل على شهادة الدكتوراه في اللغويات من المدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن عام 1975. وقد عمل بعد هذا التاريخ، وفق ما تذكر الويكيبيديا، محاضراً في قسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية عدة سنوات قبل أن يترك العمل الأكاديمي ليعمل كاتباً متفرغاً للدراما التلفزيونية.
كتب عدداً كبيراً من الأعمال الدرامية التلفزيونية أخرج جلها الفنان صلاح أبو هنود. ومن بين أعمال سيف: الخنساء، شجرة الدر، عروة بين الورد، طرفة بن العبد، المعتمد بن عباد، بيوت من مكة، جبل الصوان، ملحمة الحب والرحيل، الصعود إلى القمة، وسواها كثير.
والدكتور وليد سيف متزوج من الدكتورة إيمان محمود إبراهيم، وله ثلاثة أولاد خالد وليانا وليلى. ولعمّه الدكتور محمود إبراهيم، أستاذ الأدب وعلّامته، مكانة مرموقة في قلبه حتى إنه جسّده في مسلسل "التغريبة الفلسطينية"، بحسب ما اعترف خلال مقابلة تلفزيونية مع قناة "الجزيرة".
ويقرّ بأن الجزء الكبير من المادة الحكائية والسردية في مسلسل "التغريبة الفلسطينية" الذي أخرجه السوري حاتم علي، لم يأت من فراغ، ولم يأت من خلال قراءات فقط، بل "صدر عن ذاكرتي المحمّلة بكل هذه القصص التي كنت أستمع إليها من أهل المخيم الذين كانوا يأتون ويجلسون مع والدي رحمه الله في دكانه الصغيرة، بالإضافة إلى ما كنت أسمعه من أهلي من والدي، ومن أعمامي، ومن أقاربي، ولكل منهم حكاية وقصة إلخ، وتتشابه القصص على نحو ما، فعندما جئت لكتابة العمل، بالإضافة إلى المصادر المكتوبة الحقيقة وبالإضافة أيضاً إلى التجارب الشخصية، وجدت نفسي الحقيقة أركّب الشخصيات من جماع هذه القصص".
وبسؤاله عن التقاطعات بين ملوك الطوائف في الدولة الأندلسية الذين جسدهم في مسلسله وبين الوضع الراهن، يجيب سيف بنعم، "ولكن مع فرق... فعندما نتحدث عن التاريخ، ونقول نستخلص منه العبر ونقدم من خلاله رسائل تتعلق بالأسئلة الراهنة التي نعيشها. هذا لا يعني أن التاريخ يكرر نفسه حرفياً. نعم، كان هناك شبه بالطوائف التي نعيش فيها في الوقت الحاضر، والتي هي أيضاً مسؤولة إلى حدٍ كبير عن حالة التخلف الذي نعيش فيه، هذه التجزئة القطرية التي هي مع الأسف الشديد مزاج خيار ذاتي لبعض القوى أو النخب المحلية أو العربية، وخيار أجنبي استعماري، ويؤكد ما ذكرته من العلاقة الشرطية ما بين العوامل الذاتية والعوامل الاستعمارية الخارجية، هناك وجود شبه نعم بين هذا التاريخ الأندلسي القديم وبين التاريخ الحاضر".
ويستدرك سيف "لا يعني أن اندثار الأندلس ينذر باندثارنا، الأمة تمتلك من الطاقات الكامنة ومن الإمكانيات ما يجعل اندثارها مستحيلاً ... لا أفقد ثقتي ومراهنتي على المستقبل، وأذكر الناس بشيءٍ واحد، نحن ننظر إلى السلبيات فقط، نحن تعرضنا إلى هذه الهجمة الاستعمارية قبل مئتي عام ومازلنا نتعرض لها بأشكالٍ متطورة مختلفة حتى الوقت الحاضر، واستهدفت بلادنا من حيث ثرواتها واستهدفت من حيث، التجزئة القطرية واستهدفت من حيث إقامة المشروع الصهيوني الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية لتكون وكيلاً متقدماً عن الاستعمار والإمبريالية في إحباط المشروع النهضوي العربي الإسلامي، هذا صحيح ولكن ما تزال هذه الأمة. ولو كانت أمة أخرى لا تمتلك هذا العمق الحضاري التاريخي لربما اندثرت من قديم، ولكن ما تزال أمة تقاوم، تقاوم وجدانياً وتقاوم ثقافياً وتقاوم بسوائل مختلفة، حركة الاحتجاج ضد الهيمنة الإمبريالية الأمريكية، أين تتمركز في الوقت الحاضر، تتمركز في المحيط العربي الإسلامي".
ويمثل مسلسل "عمر" الذي يتناول شخصية الخليفة الراشدي الثالث عمر بن الخطاب من أعلى القمم الدرامية التي عمل عليها سيف الذي يعترف في تصريحات صحفية بأن المسلسل كان أصعب عمل فني شارك فى صناعته، "لأنه يضم شخصيات عظيمة ومهمة، والتزام الحقائق التاريخية فى تقديمها أمر ضروري".
وعن المدة التي استغرقها في الكتابة والتحضير للمسلسل يقول: "استغرق البحث والكتابة 600 يوم تقريباً، وكنت خلال هذه المدة أشبه برجل مشغول بإعداد رسالة دكتوراه، لا أتوقف عن القراءة، ولا أكتفي بالمراجع والمصادر القريبة، كنت أبحث عن القديم والبعيد للوقوف على الحقائق التي (تعشش) في بطن التاريخ، ولا أبالغ إذا قلت إن هذا المسلسل هو أصعب عمل قدمته في حياتي، لأن مساحة السرد الدرامي محدودة جدا بالنظر إلى أهمية الشخصيات التى تزامنت مع عمر بن الخطاب".
وتمثلت المعاناة في قلة وندرة المصادر القديمة، ووجود فروق واختلافات بين المصادر، "وهذا ما كان يجعلني في حيرة شديدة، ولكني كنت فى نهاية الأمر أحتكم إلى أصدق الروايات وأقربها إلى عصر وطبيعة المجتمع الذي شهد اعتناق عمر الإسلام، وشهد عدله وحكمته".
وتحتشد في شخصية وليد سيف روح الشاعر والمسرحي والقاص والناقد وكاتب الدراما والمؤرخ، فهو يتوفر على ثقافة قلما يجدها المرء عند كثيرين، كما يحلّق في كتاباته ورؤاه المجنّحة في سماوات المعاني والأفكار المبدعة.
ولعل روح الشاعر هي التي تلحّ وتضيء جزالة المعاني في أعماله الدرامية، وتحيل إلى قصائده القديمة، مثل قصيدته الشهيرة "وشم على ذراع خضرة" التي يقول في مطلعها:
"فوق الجسر الواصل بين الزرقة والموت
الفاصل بين الضجّة والصمت
وقفت خضرة
المرأة ذات النظرات القرويّة
تتنفس ريح المطر الأصليّة
وتبيع لبعض الأطفال،
لعباً، وجماجم بشريّة!!
فوق الجسر الواصل بين الزرقة والموت
وقفت تلك المرأة
ذات الوجه الطفل..
والأظفار الجارحة الوحشيّة
تنشد بعض أغانيها الوطنيّة
كان الصوت الهارب ينفذ كالمأساة!
من أبواب السجن..
ومن خلف محطات التفتيش..
حيث يظل الحرس الليليّ..
يقظاً يتثاءب تحت الشرفات
كان الصوت الهارب يعبر في رأسي
حيث تقوم الشهوةُ..
والموتُ..
وخارطة اليوم الآخر!
-يا ولدي
حين تصير الدنيا
خارج تابوت الكلمات..
دعنا نحفظْ للوطن القاتل
أنشودةَ حب ورصاصات".
وعلى الرغم مما حققه من انتشار وذيوع، إلا أن الكاتب محمد إلهامي، يلاحظ أن وليد سيف لم يأخذ حقه في الشهرة الإعلامية، وأنه "ما يزال مغموراً في بحر الإعلام، والبحث على الإنترنت لا يعطيك عنه إلا مواد قليلة، بالرغم من أنه يعدّ بحق أعظم كاتب للدراما التاريخية بإطلاق، وبلا منافس، وإذا حاولنا أن نضعه في المرتبة الأولى لأرهقنا البحث عمن يمكن وضعه في المرتبة الثانية.. إن الفارق بين نصه التاريخي لا يكاد يقارن بالمرة مع أي نص آخر، وأحسب أن هذا من الوضوح بحيث يعترف به كل أحد.. فلا أدري هل تلك الغفلة الإعلامية عنه محض صدفة، أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ وإن كنت أميل إلى أن علاقة الإعلام بالفن بتوجهات رأس المال هي التي توجه التيار نحو الفن الذي لا يسمن ولا يغني من جوع".
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري





