لم يسمع بكاءه أحد
11 سبتمبر 2015 | 0 تعليق

* الكاتب والإعلامي الأردني الدكتور موسى برهومة
د. موسى برهومة*

صورة الطفل السوري  التي أثارت كل هذه الجَلبة في العالم، وهزّت بعضاً من جدران الضمير العالمي، يتعيّن أن تدفع باتجاه أبعد من الحزن العابر، والشتيمة المثقلة بالغضب. لا بد أن ينشأ عن هذه المأساة حراك حقيقي باتجاه ترميم صورة الإنسانية.

ومن يحدّق في المآلات التي جعلت البشر يهربون إلى "احتمالات" الموت المحقق هو "وثوقية" الموت المحققة التي تنتظرهم في البلاد التي هاجروا قسراً منها. إنهم يستبدلون بموت آخر موتهم الزؤام، ويراهنون على رحمة تهبط من الأعالي، ورأفة تتفجر من أعماق الصخور التي علاها الظلام والصدأ.

الصورة وظلالها ومآلاتها واسترجاعاتها وربطها بالسياقات السابقة والحاضرة تدفع إلى التفكير بقدرة القيم الأخلاقية على تحمّل أعبائها الملحّة، وفرض حضورها في إدارة الاجتماع البشري.

بهذا المعنى يتعيّن أن نُسائل مأساة الطفل التي هي مأساة شعب سوري وعربي منكوب بالمستبدين الذين أشعلوا الحروب وقتلوا البشر بالبراميل المتفجّرة، وفتحوا أبواب الجحيم في وجه شعوبهم التي كانت ترنو إلى فسحة حرية وكرامة، وهامش ديمقراطي ضئيل يجعل الأوطان جديرة بنشيدها وراياتها ومائها وترابها.

مات الطفل مقذوفاً على شاطيء في بلاد بعيدة. مات وماتت معه الأحلام التي ربما خطرت في باله وهو ينوي الرحيل إلى أرض ليس يستنشق فيها رائحة البارود والموت، وليس يحصي عدد مَن تناقص من أفراد عائلته كل يوم!

وكانت على حق، صحيفة "إندبندنت" البريطانية، حين تساءلت: "إذا لم تُغيّر صورة هذا الطفل موقف أوروبا تجاه اللاجئين، فما الذي سيغيّره؟". بيْد أن الأمر يتعدى ذلك إلى السؤال الأخلاقي الكبير عن المسؤولية التضامنية الكونية تجاه البشر بعضهم بعضاً، وخصوصاً ما اتصل بجذور المآسي التي تدفع هؤلاء اليائسين إلى ركوب الخطر والخلاص بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن الحياة التي أمِلوا أن يغيّروها في بلاد الآخرين.

فلو كان العقل الأخلاقي في بلاد الشمال يعمل بالكفاءة ذاتها التي أنشأ قواعدها مفكرو عصر الأنوار مثل فولتير وجان جاك روسو وديفيد هيوم وفرانسيس بيكون، وسواهم، لما حلّت مثل هذه الفاجعة التي تصيب قلب الضمير الإنساني في مقتل.

 لقد قدّم إيمانويل كانط الملقّب بـ"نبي الأخلاق" تصورات متفوقة ونبيهة أزالت الفوارق الموهومة بين الحرية والأخلاق، وذهب نحو تأكيد أن الحرية هي شرط وجود الأخلاق، بمعنى أننا ننصاع للأخلاق، لأننا في الحقيقة أحرار. فالأخلاق وإن كانت سبب معرفتنا بالحرية، إلا أن الحرية هي سبب وجود الأخلاق.

إذاً، أوروبا والعالم المتقدم مدعوّون إلى الوفاء بالتزاماتهم الأخلاقية تجاه الطفل الذي غطّت رغوة الأمواج  قميصه الأحمر، وسرواله القصير الأزرق على شاطئ "بدروم" التركي. لأن المصير المأساوي الذي عاناه هذا الكائن الصغير تكثّف آلامَ البشر في توقهم المتصاعد نحو الخلاص والهرب.

لم يشأ الطفل، الذي أوردت أنباء أنه غرق مع أخيه أيضاً، أن يلقي بجسده الضئيل بين مخالب موت قاس وموحش، لكنه شاء أن يحلم، كما بقية أطفال العالم السعيد، بغد أقلّ دموية، لكنّ هذا الحلم على فظاعته لم ينله، فراحت استغاثاته الضريرة أدراج الأمواج، ولم يسمع بكاءه أحد، ولم تتنزّل أيُّ كفّ لتنقذ عينيه من إغماضة الموت الأخيرة. لم يكن ثمة من أحد إلاه "في هذا المدى المفتوح للأعداء والنسيان"!

 

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق