الحسن الوزان: عالم يخرج من طي النسيان
11 سبتمبر 2015 | 0 تعليق

محمد بوشيخي - ذوات

هو الحسن بن محمد الوزان الشهير ب"ليون الإفريقي"، والمنتسب إلى كل من غرناطة مدينة مولده سنة 888هـ (الموافق لسنة 1483م)وفاس التي حصَّلَ منها أولى معارفه العلمية في الدين واللغة والتاريخ والفلك والمنطق والفلسفة...، بعد أن اتخذتها أسرته موطنا للهجرة غداة إحكام المسيحين قبضتهم على الأندلس، كما يؤكد البعض انتماؤه القبلي لبني زيات الزنتانية بجبال الريف شمال المغرب.

غير أن الوزان لا ينسب نفسه لأي موقع جغرافي ولا يحصر نفسه في أي انتماء ثقافي، إذ هو كما عرَّف نفسه "ابن السبيل"، فيقول على نفسه، حسب ما نقله عنه أمين معلوف في تصدير لرواية حوله، "لست من إفريقية ولا من أوروبة ولا من بلاد العرب"، ويضيف "وأعرف أيضاً بالغرناطي والفاسي والزيّاني، ولكنني لم أصدر عن أي بلد، ولا أية مدينة، ولا عن أية قبيلة". فأنا –يسترسل قائلا- "ابن السبيل، وطني هو القافلة وحياتي هي أقل الرحلات توقعاً" كما ينقل، الروائي اللبناني في النص نفسه، مقطعا آخر للوزان يؤكد فيه انتماءه العالمي، بقوله: "ماذا ربحت، ماذا خسرت، ماذا أقول للديان الأعظم؟ لقد أقرضني أربعين عاما بددتها في الأسفار، فعشت الحكمة في روما، والصبابة في القاهرة، والغم في فاس، وما زلت أعيش طهري وبراءتي في غرناطة".

ويجمع الباحثون على أن القسط الهام من عمره قضاه بمدينة فاس، وفيها اكتسب مهارات العمل التجاري الذي تمرست عليه عائلته، كما كان يرافق والده الذي كان مكلفا من قبل السلطان بالتنقل بين القبائل لجمع الضرائب.

ويجمع الباحثون على أن القسط المهم من أولى سنوات عمره قضاه بمدينة فاس المغربية، وفيها اكتسب مهارات العمل التجاري الذي تمرست عليه عائلته، كما كان يرافق والده الذي كان مكلفا من قبل السلطان بالتنقل بين القبائل لجمع الضرائب، وبفاس أيضا ارتبط ببلاط الدولة الوطاسية، ونال إعجاب سلطانها محمد الوطاسي الذي قربه إليه لذكائه وحنكته وقلده مسؤوليات سياسية وديبلوماسية كما كلفه بسفريات عِدَّة في أرجاء مختلفة من بقاع العالم.

فهو الرحالة المسلم الذي عبَر، بحسب سليمان داود الشراد، "ثلاث قارات برا، وركب البحار فعرف مشاق الترحال، ونعم الإقامة في القصور، فعرف سعادة الاستقرار" غير أن اسمه ظل متواريا عن الباحثين سيما العرب إلى أن جاء الاهتمام الغربي بالدراسات العربية الذي سلط عليه الضوء. وعلى الرغم من تزايد الاهتمام بشخصيته في الأوساط العلمية العربية، فإن رصيدها حوله لازال ضعيفا بالمقارنة مع ما كتب حوله باللغات الأجنبية، وذلك لأهميته العلمية والإنسانية التي التفت إليها الغربيون المسيحيون وجعلتهم، حسب كل من محمد حجي ومحمد الأخضر، "يقدرونه حق قدره ويستفيدون من تأليفه الجغرافي في عصر النهضة، بل يعتمدونه كمصدر أساسي عن افريقيا طوال العصر الحديث".

وعلى الرغم من أهميته في مرحلة تاريخية، شكلت لحظة فارقة بين الاسلام والغرب فإن غموض حياته ظل السمة البارزة في كتابات الباحثين عنه، ليس فقط فيما يتعلق بالفترة الأوروبية، إنما أيضا "أثناء خدمته لسلطان فاس"، حيث لم يرد ذكره –حسب ابراهيم درويش- "في كتابات ورسائل القادة العسكريين أو الدبلوماسيين البرتغاليين، كما أن رحلاته إلى دول الصحراء الأفريقية ووصوله القاهرة في الأيام الأخيرة للسلطان المملوكي قانصوه الغوري لم تنل اهتمام مؤرخ تلك الفترة وزيارته للقلعة والسلطان لم يسجلها ابن إياس في سجلات الزوار التي كان يهتم بها بعناية ودقة".

نال الوزان شهرته العالمية بفضل كتابه "وصف أفريقيا"، الذي كتبه بالعربية وترجمه بنفسه إلى الإيطالية قبل أن تظهر ترجمات له باللاتينية والإنجليزية والفرنسية، فكان كتابه، حسب صالح السعيدي، بمثابة "وثيقة نفيسة، ومرجعاً من أهم المراجع، عن وصف أفريقيا وأحوالها في أوائل القرن السادس عشر الميلادي"، حيث ضمنه مواصفات لمناطق شاسعة زارها من القارة السوداء عبر فيها بلاد المغرب ومصر والسودان والنيجر، فتعرض لجغرافيتها وساكنتها وحيواناتها ومعادنها. ونقل فيه مشاهداته لتلك الرحلات التي بدأ أولاها سنة 910 هـ (1504م)، وهو في السابعة عشرة من عمره، "في أنحاء المغرب وأواسط أفريقيا، برحلة مع عمه إلى تمبكتو"،  تطرق فيها، حسب صالح السعيدي، "لجميع ممالك افريقيا الوسطى وحوض نهر النيجر" قبل أن يُيمِّم وجهه ناحية المشرق مرافقا للتجار، وقائما "لهم بأعمال التوثيق والمحاسبة".

رغم أهميته في مرحلة تاريخية شكلت لحظة فارقة بين الاسلام والغرب، فإن غموض حياته ظل السمة البارزة في كتابات الباحثين عنه، ليس فقط فيما يتعلق بالفترة الاوروبية، إنما أيضا "أثناء خدمته لسلطان فاس".

غير أن رحلاته إلى المشرق، حسب سليمان داود الشراد، لم يخصها بكتاب مفصل، مع العلم "أنه قام بمجموعة من الرحلات المشرقية بين سنتي 1515 و1520، إذ قام برحلتين إلى عاصمة الدولة العثمانية القسنطينية، الأولى في نحو 1516 والثانية 1520، وحينما عاد من رحلته الأولى عرّج على مصر ووادي النيل، وفي رحلته الثانية زار مصر مرتين بعد الفتح التركي لها في سنة 1517، وعبر نهر النيل إلى أسوان"، حيث عزف عن وصف هذه البلاد في كتابه عن إفريقيا حتى لا يخل بالمنهج العلمي واعداً بالعودة إليها في كتاب آخر يستعرض فيه البلاد الاسيوية "كالصحراء العربية واليمن وسيناء، والجزء الآسيوي من مصر، ويقصد فلسطين والشام وأرمينيا، ويقول: «هي بلاد شاهدتها كلها واخترقتها أيام شبابي، وكذلك سوف أصف رحلاتي وأجزاء من بلاد التتار»".

غير أن مسار حياة ليون الإفريقي، سيعرف منعرجا مصيريا حين وقوعه أسيرا في يد قراصنة إيطاليين بمياه جزيرة جربة، حين تعرضت السفينة التي كانت تقله من مصر إلى المغرب لهجومهم سنة 1518، حيث نقل إلى روما ليقدم هدية للبابا "ليون العاشر"، من أسرة مديتشي الذي عُرف عنه ولعه بنشر العلوم والفنون والمعرفة وإحياء المندثر منها في وقت كانت تشهد فيه اوروبا البدايات الأولى لنهضتها.

وهنا ينقل سليمان داود الشراد عن بعض المؤرخين حكمهم على حادثة أسره بأنها "كانت ضارة نافعة"، حيث بلغ بفضلها أحد معاقل النهضة الأوروبية، ووثق صلته بعلمائها وتعلم لغاتها "التي كانت داعما له على المعرفة العلمية"، كما سمح له المقام هناك بالانكباب "على المكتبات والجامعات الأوروبية، التي عجَّ بها عصر النهضة آنذاك، فنهل من مناهجها وأساليب التعليم فيها".

فلقي عطف البابا الذي قربه إليه لكونه، في تقدير صالح السعيدي، "على قدر عال من المعرفة والعلم، عارف بدروب المشرق، خبير بأفريقيا، سابر لأغوار ممالكها، يحمل كتابا من تأليفه، يصف فيه أفريقيا"، وقد وجد الوزان الظروف سانحة للاندماج في المجتمع المسيحي الجديد والتكيف مع ثقافته والتجاوب التلقائي والعفوي مع ضرورات حاجات السلطة فيه، حتى انتهى به المطاف باعتناق المسيحية على يد البابا الذي عمَّده، وهو في أوائل عقده الثالث، ومنحه اسما مسيحيا هو "جيوفاني ليون"، أي "يوحنا الأسد".

وجد الوزان الظروف سانحة للاندماج في المجتمع المسيحي الجديد والتكيف مع ثقافته والتجاوب التلقائي والعفوي مع ضرورات حاجات السلطة فيه، حتى انتهى به المطاف باعتناق المسيحية على يد البابا الذي عمَّده وهو في أوائل عقده الثالث.

وهناك في روما، رغم الأشواط التي قطعها الوزان في الانغماس والتشبع بما توفره البيئة المسيحية دينيا واجتماعيا، فإن الاختلاف ظلَّ يخيم حول عقيديته الحقيقية بين مشكك مرتاب ومؤكد مقتنع بتغييره لدينه، ويبقى الثابت عند هذا وذاك أنه انقطع للأعمال العلمية فتعلم اللاتينية، وقام بتعليم العربية في مدرسة بولونيا لتلامذته الذين كان منهم "الكردينال جيدو أنتونيني".
وبعد وفاة البابا سنة 1521، انتقل الوزان ليعيش في كنف الكاردينال "جيل دي فيطيرب" الذي كان يعلمه العربية، وبعد هذا الحدث يتحدث محمد حجي ومحمد الأخضر عن اختفاء حسن الوزان من روما لينتقل إلى تونس حوالي عام 1550م لتكون آخر محطة معلومة ومؤكدة من حياته، وما عداها يبقى داخلا في نطاق الاختلاف والتكهن، وبهذا "يسدل الستار على حياة الحسن الوزان، فلا ندري هل بقي في تونس أم عاد إلى أهله في فاس، ولا نستطيع تحديد تاريخ ومكان وفاته إلا أن نقارب ونقول إنه مات بعد عام 957/1550".
وفضلا عن كتاب "وصف إفريقيا"، الذي بفضله نال الشهرة، وهو يمثل فقط الجزء الثالث الذي وصلنا من مؤلفه حول الجغرافية العامة، فإن الوزان كانت له –بحسب مترجميه مصنفات أخرى، منها ما ضاع كليا وانقطعت أخباره، مثل المختصر الذي وضعه حول تاريخ الاسلام وآخر حول أشعار الأضرحة وكتاب في الفقه المالكي، ومنها ما وصلنا تاما أو ناقصا كمعجمه العربي العبري اللاتيني، وكتابه باللغة اللاتينية في التراجم لشخصيات فلسفية وعلمية.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق