هايل عبد الحميد: نجا من الإسرائيليين وقتله حارسُه الفلسطيني
22 اغسطس (آب) 2014 08:00 | 0 تعليق

الشهيد هايل عبدالحميد – (أرشيفية)
عمان - رشا سلامة

لم تبرح السيدة نادرة الشخشير عادتها منذ ثلاثة وعشرين عاماً؛ إذ ما تزال تيمّم وجهها شطر تونس قبيل الرابع عشر من يناير (كانون الثاني) في كل عام؛ لتزور ضريح زوجها القيادي في حركة "فتح" هايل عبد الحميد. تقول "في كل مرة أذهب فيها إليه، مع ابنتيّ سعاد ورولا، أشعر كما لو كنت أودعه للمرة الأولى".

في تلك الليلة، التي اجتمع فيها هايل بالقياديين في حركة فتح صلاح خلف وفخري العمري، كانت نادرة قد حضّرت لهم العشاء، لتخلد للنوم إلى جوار رولا،

حين التقت نادرة بهايل، الشاب الفلسطيني الناشط سياسياً في ذلك الحين، أثناء دراستها الجامعية إبان الستينيات في القاهرة، قالت في نفسها "هذا هو". وحين قضى في تلك الليلة الشتوية في تونس، عرفت صرخته وقالت عبارتها ذاتها، بيد أن المرة الأولى انطوت على لقاء، فيما الثانية على وداع.

بالقدر الذي تؤلمها فيه حكاية الاغتيال، بالقدر الذي تنثال فيه الذكريات عند الحديث عن تلك الليلة. تقول لـ "ذوات": "تتعبني التفاصيل في كل مرة أهمّ فيها بالسرد. لم يرحل هايل ولو لساعة عن حياتي وحياة ابنتينا. حتى الأمس وجدت رسالة منه كان قد كتبها لسعاد. لا أعلم أين كانت غائبة عني طوال هذه السنين".

في تلك الليلة، التي اجتمع فيها هايل بالقياديين في حركة فتح صلاح خلف وفخري العمري، كانت نادرة قد حضّرت لهم العشاء، لتخلد للنوم إلى جوار رولا، فيما كانت سعاد في فرنسا في فصلها الجامعي الأول. تقول "شعرت للحظة بأن قلبي يهوي في قدميّ. أطفأت التلفاز وخلدت للنوم. لم يمضِ وقت طويل حتى قفزت ورولا من الفراش بعد أن تناهى لسمعنا دويّ رصاص تَبِعه صراخ هايل".

تكمل نادرة بأنها لم تكد تنزل الدرجات الأولى المفضية للطابق السفلي حتى باغتها القاتل، الذي كان واحداً من حرّاس هايل والذي لم يخالجها الشك فيه حتى تلك اللحظة على الرغم من إمساكه بالكلاشنكوف. تقول "عاد بنا للطابق العلوي وهو يقول: اليهود هجموا عالبيت. احتجزني وابنتي كرهائن منذ الحادية عشرة ليلاً حتى الرابعة فجراً".

استمر احتجاز نادرة ورولا تحت تهديد سلاح أبو زيد، الذي كان يفاوض السلطات التونسية على تأمين مخرج آمن له مقابل ألا يمس حياة الرهينتين.

كان القاتل المدعو حمزة أبو زيد قد قرع الباب بحجة إصلاح الضوء، ما دفع الخادمة الفلبينية، التي تعرف أنه من ضمن الحرّاس،  للسماح له بالدخول. توجّه حينها للصالون وأفرغ رصاصه في كل من خلف والعمري، ليكمل على هايل الذي حاول سحب مسدسه للدفاع عن رفيقيه، بحسب ما اعترف أبو زيد في محاضر التحقيقات. تقول نادرة "تكمن المشكلة في كون الحراسات التي كانت تحيط بنا في تونس جديدة علينا كلياً، بعكس أولئك الذين كانوا معنا في لبنان وكبروا في بيتنا".

استمر احتجاز نادرة ورولا تحت تهديد سلاح أبو زيد، الذي كان يفاوض السلطات التونسية على تأمين مخرج آمن له مقابل ألا يمس حياة الرهينتين. تقول نادرة "قرابة الرابعة فجراً شعرت بدوخة وغبت عن الوعي لدقائق، كما أحسست بوقوع السلاح من يد القاتل، الذي استسلم للسلطات فيما بعد"، مكملة "ما هي إلا دقائق حتى أيقنت بأن البيت يعجّ بحرس الرئاسة التونسية وبأنهم رشّوا في الأجواء مخدراً من نوع ما للسيطرة على القاتل".

في غضون لحظات، كانت نادرة فيها بين الحلم واليقظة، هرعت وابنتها لتبديل ملابسهن قبل الخروج برفقة الأمن، فيما أحد لا يجيبها عن سؤال "وين هايل؟". في اليوم التالي، كان فاروق القدومي هو من اصطحب نادرة ورولا من مركز الأمن، نحو بيته. هناك أخبرهن بأن هايل عبد الحميد قد فارق الحياة. قامت نادرة من مكانها واتجهت نحو بيتها، برغم محاولات أبو اللطف المتكررة ثنيها عن ذلك. تقول "لم أرغب بتصديق ما سمعت. وصلت إلى البيت وكان مغلقاً لكونه مسرح جريمة. كانت الدنيا ماطرة ومكثت أنا ورولا عند العتبة. فجأة، ومن دون سابق إنذار، أصبحت بلا هايل وبلا بيت".

هَرَعَت سعاد لتونس بمجرد سماعها النبأ.. وكان هنالك على الدوام من يقف إلى جانب عائلة هايل كما عائلات كل من قضوا في الاغتيالات.. أبو عمار. تقول نادرة "لعل من أحد الأشياء التي تبعث على الصبر في مصاب جلل كالذي مررنا به، وجود أبو عمار الذي لم يحدث يوماً أن أشعرنا بأننا لوحدنا".

على الرغم من ثقل الحزن، مكثت نادرة ورولا في البيت لمدة عامين. تقول بأنها لم تشعر يوماً بالوحشة في جنباته، معللة "ربما هي أرواح الشهداء الثلاثة، التي لم تذرنا أبداً".

تستدرك "لكنه منذ تزوجني، علمني جيداً كيف أعتمد على ذاتي. كان يحثني دوماً على اتخاذ القرارات بمفردي، كما لو أنه يؤهلني للمرحلة الصعبة التي سأخوضها".

على الرغم من النهاية الأليمة التي واجهت هايل، وعلى الرغم من إرث الأسى الثقيل الذي خلّفه رحيله لزوجته وابنتيه، لا سيما وأن رصاصة فلسطينية، كان يقف وراءها تنظيم صبري البنا "أبو نضال" المنشقّ عن حركة فتح، هي التي أصابت هايل لا رصاص الإسرائيليين في ميادين الحرب، إلا أن نادرة ما تزال تشعر بـ "الحظ الكبير" الذي جعلها تلتقي بهايل وتتزوجه. تقول "كان زوجاً عطوفاً وحنوناً وصديقاً إلى أبعد مدى قد يتخيله السامع. ترك لي ولابنتينا في رحيله شيئاً كبيراً.. سمعة طيبة وتاريخاً نضالياً لن ينساه أحد".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق