فتح الله كولن "أب الإسلام الاجتماعي" إذ يدرك متأخراً حكمة الأذى
30 مايو (أيار) 2014 08:56 | 0 تعليق |
فتح الله كولن.. قد يبدو الاسم مألوفاً لدى بعضهم، وربما لدى كثيرين، حسب حدود الإدراك، لكن تلك الشخصية التركية الأصل العالمية التأثير، والتي يصفها متتبعو الشأن الفكري العالمي باستطاعتها صنع مفترق طرقٍ جديد في المجال التركي، لم تكن شخصية معروفة على أوسع نطاق، بقدر ما هي اليوم تحت مجهر العارفين بها وبتاريخها، وبالسامعين عنها تناقلاً من أفواه معارضيها ومؤيديها، مِمَن يشرئبون للاطلاع على تفاصيلها في عز ضيقها وأزمتها "الداخل داخلية".
محمد فتح الله كولن أو جولان، أو كما يحب أن يصفه مؤيدوه ومريدوه بـ"أب الإسلام الاجتماعي"، الذي وضع أساسياته بعد تأرجح عاشه بين دراساته التي شملت الديني بكثرة، والاطلاع على الحداثي من العلوم والتكنولوجيا، أو كما يصفها في تعريف سيرته بالعلوم الوضعية، ذاك الإسلام الاجتماعي الذي جاء به كبديل عن دعوات قرينهِ التركي نجم الدين أربكان المتبني بأبوة المناصرين دين الإسلام السياسي، بل وربما أيضاً ليمدد ما تركه المعارض الأول لعهد الحداثة الأتاتوركية وما بعد الخلافة العثمانية، بديع الزمان سعيد النورسي، الذي رسم خطوط حياة كولن منذ النشأة وإلى حدود الآن.
اختيار فتح الله كولن للإسلام الاجتماعي الذي لا يعدو كونه سوى تسمية مقابلة للإسلام المعتدل، لم يأت صدفة بقدر ما هو ضرورة لتعايش المجتمع التركي المتجاذَبِ بين تحكم علمانية نظامه وما بقي من شواهد الخلافة العثمانية فيه، وأيضاً ضرورة للتوسع التركي الخارجي سياسياً واستراتيجياً، بعدما أبانت دعوة أربكان المعادية للغرب والتقارب منه، فشلها في الوصول للطموحات التركية، وربما الأطماع في نظر البعض.
حركة كولن استثمرت هذه المعضلة بشيء من الدهاء وكثير من الدعم لتغزو كل ما وصلته أياديها، دون أن تغفل عن تغذية جذورها الأصلية وتحضيرها لواجهتها السياسية التي لم تكن سوى حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، الذي طالما أقر بأستاذية وفضل كولن عليه تربية وتعليماً، وأحياناً تلميحاً حتى في التوجيه السياسي، وهو ما جعل الكثيرين حينها يشكّون في كون ذاك المسمى إسلاماً اجتماعياً مجرد غلاف للسابق السياسي.
حركة كولن التي صنعت ما صنعته على مدى طويل في الداخل التركي الحافل بالمفاجآت السياسية والاقتصادية والتوسعية، استطاعت أن تصنع أصحاب المصباح هناك وتمنحهم القوة والأمان، ولو كان مجرد أمان انتخابي، أو تكسيريٍ للطواغيت الانقلابية، كما فعلت مع جنرالات تركيا قبل حين. لم تكن تنتظر يوماً أن يطبق عليها مبدأ أكل الثور الأبيض، الذي تعيشه اليوم بحرقة لم تحسب عواقبه، وهو ما كشفه كولن نفسه مؤخراً عندما عاد لأصل علمه، مستشهداً من رسائل النور النورسية حول أزمته مع أردوغان: "الآن أدركتُ حكمةَ الأذى والتعذيب الذي تَعرَّضتُ له منذ سنوات، جريمتي أنا أنني استعملتُ الخدمة الإيمانية أداةً لارتقائي المادي والمعنوي".
معلوم أن كولن لمّا اختار أمريكا منفى اختيارياً له دون أدنى ضغط كما يشاع، لم يكن يتصور اليوم الذي يجور فيه عليه إخوانه فيما بعد، بمساعدة أعداء أصبحوا بإسلامه الاجتماعي قبائل يُتَعَايَشُ معها.
كولن وجماعته التي تحولت من الصديق الحميم والأب المربي لمصباحٍ أُشعل نوره بعناية حتى تربع بتركيا على عرش عاشر اقتصاد في العالم، إلى العدو اللدود صاحب الألاعيب السياسوية في نظر "الأردوغانيين"، أصبح اليوم في تركيا مثقلاً بتهم لو وضعت على جبل آرارات التركي الشاهق لسوته بالأرض، من قبيل التآمر، ومحاولة الانقلاب على النظام الدستوري، وكذا حكومته.
لقد بات كولن اليوم قبل أي وقت مضى بين مفترقات عدة ستحدد وجهته المستقبلية، بين انهيار بنائه الذي تعب فيه منذ سبعينات القرن الماضي، وتبدد المتعارف عليه بالنموذج التركي، أو على الأقل الاستقرار في سجون أرضه التي شرب ماءها وزَرَعَهَا ليحصد غِلتَها، لكنه تفاجأ بحقيقة بَذرِهِ المسموم الذي أنتج له زرعاً سياسياً قاتلاً.
أضف تعليقاً
* اختياري
