مفدي زكريا شاعر الثورة والاستقلال
30 اغسطس 2015 | 0 تعليق
يعرف بمفدي زكريا واسمه الحقيقي هو زكرياء بن سليمان بن يحي بن الشيخ سليمان، ينتسب إلى عائلة آل الشيخ بمدينة البيض الجزائرية،ولد سنة 1908مبأحد القصور السبعة لوادي ميزاب ببلدة بني يزجن، ولاية غرداية جنوب الجزائر. وتعود تسميته ب'مفدي" إلىلقب أطلقه عليه زميله في الدراسة سليمان بو جناح، فأصبح منذ حينها "لقبه الأدبي الذي اشتهر به".
بدأت دراسته كبقية بني جيله بالتعليم الديني، حيث حفظ القرآن وتلقى علوم العربية في أولى سنوات عمره، وهو نفسه نمط التعليم الذي سيتضلع فيه بعد انتقاله إلى تونس سنة 1922 ، حيث التحق بمدرسة السلام القرآنية ثم المدرسة الخلدونية قبل أن يقتحم صفوف جامع الزيتونة العتيدة، ويتتلمذ على أيدي شيوخها وعلمائها ويضفر بشهادتها. وهناك في تونس تعلم اللغة الفرنسية، وانفتح على العمل السياسي المنظم في وقت أخذت فيه مواهبه الشعرية تعبر عن نفسها من خلال شغفه بالمجالس الأدبية التي كان يعقدها الأديب التونسي الكبير الكبادي كما تقرب هناك –بحسب شهادات مقربيه- بعدد من الشعراء والأدباء وكانت له صداقة خاصة "بالشاعرين أبو القاسم الشابّي، ورمضان حمود، وأبي اليقظان إبراهيم عميد الصحافة العربية بالجزائر"، وكان يغتنم الفرص لتلقف كل "ما يصل إلى تونس من مجلات شرقية تبعث النخوة والوطنية فيتشربها ويتخذ مواضيعها مجالا للتدرب على الإنشاء والكتابة، نثرا وشعرا".
لقد كان هذا قبل أن يحقق الشهرة في إبداعه الشعري ويتمكن من تسجيل لحظة فارقة في تاريخ الشعر الجزائري من خلال نقله من الطبيعة الدينية التقليدية إلى طبيعة الشعر الحمال لرسالة الثورة والتحرر عبر التفاعل الوجداني مع هموم الوطن الجريح والتعبير التلقائي عن معاناة شعب تحت الحصار؛ فمفدي زكريا، كما قال عنه الباحث حمة دحماني، حوَّل "مهمة الشعر الجزائري، التي كانت موضوعاته القديمة ذات الطابع السلفي الوعظي الإصلاحي، إلى شعر مضامين نفسية تأملية اغترابية، ولم تخرج المضامين النفسية الثائرة والحزينة عن البواعث الأساسية التي كان مصدرها الشعب القتيل والوطن المغتصب".
ورغم امتهانه للتجارة بعد استكماله للدراسة بتونس وعودته إلى الجزائر، فإن جاذبية الشعر لم تنقطع في ممارسة سِحرها على شخصه، بل إن الشعر تحول لدى مفدي زكريا إلى سلاح في نقد السياسة الاستعمارية والدعوة إلى الاستقلال، سيما بعد تشبعه بأفكار الحركة الوطنية التي انطلقت شرارتها منذ بداية الثلاثينيات، فانتدبته جبهة التحرير الجزائرية "ليمثل الجزائر في مهرجان الشعر العربي بدمشق" عام 1961، فلاقى مقابل التزامه الوطني الاعتقالات التي تكررت "خمس مرات دامت في مجموعها عدة سنوات". فعكس بذلك، حسب قول العارفين به، "ضمير ثورة التحرير الحي ورائد قافلتها، يردد الوطنيون أشعاره في ساحات المعارك، وعلى أعواد المشانق"، سيما قصيدته "قسما"، من ديوان اللهب المقدس، التي حررها إبان اعتقاله عام 1955 ، وصارت النشيد الوطني للجزائر غداة استقلالها عام 1962. تلك القصيدة الحماسية التي لا تخلو من إثارة الحماس وبعث الأمل في النصر القريب، يعلن في مطلعها القسم المقدس:
قـــسمــا بالـنـــازلات الـماحـقـــــات *** والـدماء الـزاكــــيات الــطـــاهــرات
وبالتوازي مع نضاله من أجل الاستقلال ناضل من أجل هوية بلده، وارتبط بتراثها الذي جعله رافدا لأشعاره، حيث كان للتراث ممثلا في القرآن الكريم والأدب والتاريخ العربيين بحسب، إلياس مستاري، "أكبر الأثر في تكوين شخصيته الشعرية التي طبعت إنتاجه الأدبي" فتمكن بفعل ذلك من إنتاج "لغة شعرية متميزة عن باقي الشعراء". فكان كما يذكر حمة دحماني "وفيا لتراث أمته، سار عليه على نهجه، وترسَّم طقوس فُحول الشعراء الأقدمين، وكتب بشغف ولهفة في حيزهم وعارض بعضهم، ونهج نهجهم، ووظف في شعره العديد من معانيهم وخط بدمه صورهم البطولية وأيامهم الخالدة وأخد عزتهم وترديدهم"، ورغم كل ذلك، يضيف الباحث، لم يكن مفدي زكريا في اقتفائه أثر كبار الشعراء "مقلدا بليدا، بل كان يهمس في ظواهر وأحداث التاريخ، فيستسلم له التاريخ فيأخذ منه ليقرب بين الماضي المجيد والحاضر التعيس، ثم يستخرج العبرة التي كانت غايته من ذلك بدل العبرة". وفي ارتباطه بالتراث وتعابيره تغنى بالعربية التي خصها بقصيدة صدّرها بالقول:
سل الفصحى وقل للضاد رفقا *** لسان الحال أفصح منك نطقا
وخل الشعـر فالأيام شعـر *** قصائدها على الأجيال تلقـى
وته يا قلب فالأكوان نشـوى *** وذب في كأسها نجوى وعشقا
كما نادى بالوحدة العربية، وركز أكثر على الدول المغاربية لتمازجها الدموي والتاريخي، فشكلت قضية الوحدة، حسب المهتمين بشعره، "مرتكزا محوريا" في فكره وشعره، حيث "ظل ينادي بها ويتغنى بها بإصرار متواصل منذ بواكير إنتاجه الشعري، وظل وفيا لهذا المبدأ الذي اعتنقه ودافع عنه في كل مناسبة، وجسده بنشاطه العملي من توطنه بلدان المغرب العربي، تونس والجزائر والمغرب حتى آخر حياته"، فقال في قصيدته "البردة الوطنية" عام 1937:
تونس والجزائر اليوم، والمغـــرب *** شعب لن يستطيع انفصـــالا
وحدة أحكـم الإلـه سَـداهـا *** مـــن يـرد قطعـه أراد محالا
رحل مفدي زكريا إلى دار البقاء يوم 17 أغسطس (آب) 1977، عن تسعة وستين عاما بتونس ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه ببني يرجن، ولاية غرداية الجزائرية، ليوارى هناك التراب، بعد أن ختم حياته برائعته الخالدة "إلياذة الجزائر" التي قال عنها البعض: "جمع فيها ما تفرق في غيرها، وأبرز فيها لوح الجمال ولوح الجلال، جمال الطبيعة الساحر، وجلال التاريخ الزاخر"، حيث "ألقاها لأول مرة في جلسات الملتقى السادس للفكر الإسلامي المنعقد في قصر الأمم" بالعاصمة الجزائرية في شهر يوليو (تموز) 1972، لتصدر في نفس السنة "في واحدة وستين مقطوعة (61)، تضم ست مائة وأحد عشر بيتا (611)، وفي السنة الموالية (1973) صدر نصها الكامل في مائة مقطوعة (100)، تضم ألف بيت وبيتا (1001) من الشعر".
وفضلا عن "إلياذة الجزائر" ترك مفدي زكريا وراءه تراثا شعريا ثريا من خلال ديوان "اللهب المقدس" عام 1961، و"تحت ظلال الزيتون" عام 1965، و"من وحي الأطلس" عام 1976.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

