عبد الرحمن الكواكبي: وقفة مع فلسفة الإصلاح
28 اغسطس 2015 | 0 تعليق

تمثال عبد الرحمن الكواكبي بحلب
محمد بوشيخي - ذوات

ولد عبد الرحمن الكواكبي بحلب سنة 1855، وقيل أيضا سنة 1849 و1854، يرجع في نسبه إلى أصول عربية تنسب إلى علي بن أبي طالب عبر سلالة الشيخ محمد أبي يحيى المشهور بالكواكبي، أحد أحفاد إسماعيل الصفوي، "مؤسس الأسرة الصفوية الشيعية في تبريز التي حكمت إيران قرابة قرن ونصف من الزمان"، فوالده هو أحمد بهائي الذي هجر بلاد فارس نحو حلب؛ أما أمه فلم تكن سوى بنت مفتي أنطاكية "عفيفة بنت مسعود آل النقيب" التي أخذها القدر، وهو ما زال في أولى سنوات طفولته، فتولت خالته مهمة تربيته بأنطاكية وبها تعلم اللغة التركية.

درس في المدرسة الكواكبية، المنسوبة لعائلته، بحلب، حيث كان أبوه مديراً لها ومدرساً فيها، فدرس –كما نقرأ في إحدى ترجماته- "العلوم العربية والشرعية إلى جانب المنطق والرياضة والطبيعة والسياسة"، كما ولع بحب "قراءة المترجمات عن اللغة الأوروبية"، واشتغل بالتدريس ابتداء من العشرين من عمره بعد "نيله الإجازات وأعلى الشهادات".

تحكي عنه عدد من المراجع تعيينه، سنة 1879، عضواً فخرياً في لجنة المعارف ولجنة المالية في ولاية حلب بدون مقابل، كما تم تعيينه في لجنة الأشغال العامة، بل امتدت مسؤولياته الإدارية لتشمل العديد من اللجان والمناصب في عدد من القطاعات، فاكتسب عضوية لجنة المقاولات ورئاسة قلم المحضرين في ولاية حلب، وكذا عضوية اللجنة المختصة بامتحان المحامين. ثم أصبح، في سنة 1881، مديراً فخرياً للمطبعة الرسمية بحلب، ثم الرئيس الفخري للجنة الأشغال العامة كما امتهن وظيفة القضاء عبر العضوية بمحكمة التجارة بالولاية، قبل أن يعين رئيساً لكل من الغرفة التجارية والمصرف الزراعي، سنة 1892، ورئيس كتاب المحكمة الشرعية بالولاية. ثم تولى، رئاسة كل من غرفة التجارة ولجنة البيع في الأراضي الأميرية سنة 1896.

غير أن هذا الانتقال السريع في المناصب، يرى فيه زكي الميلاد دليلا على فشله في "الانسجام والتوافق مع مؤسسات الدولة المستبدة"، كما يكشف من ناحية أخرى –حسب نفس الباحث، "سعي السلطة في احتوائه وترويضه وقولبته وفق سياساتها".

شخصية مثيرة للجدل

لقد ظهر الكواكبي، حسب قول محمد جمال طحّان، في عصر تميز بتفاعل حركة "اليقظة العربية الناشئة وانتشار الوعي، ومقارنة الماضي المشرق بالحاضر المرّ، وظهور إرهاصات الفكر القومي، والمناداة بالحكم الذاتي للعرب بالاستقلال عن الدولة العثمانية" مع "حركة الرأسمالية الأوروبية الصاعدة التي نقلت تجربتها التحررية إلى العرب"، فضلا عن انبثاق السياسة الاستعمارية لأوروبا تجاه المنطقة العربية وانطلاق شرارات المقاومة في الدولة العثمانية. مما جعل الكواكبي بحسب رأيه "يمثّل جيلاً متأخراً من المصلحين المجددين في القرن التاسع عشر الميلادي".

غير أن ميولاته الفكرية وغاياته السياسية وما ينطوي عليها من الموقف من علاقة الدين والدولة قد أثارت الجدل حول شخصيته وتصنيفه أيديولوجيا، فإذا كان "جان داية" ذهب إلى تأكيد علمانية الكواكبي وأنه من الداعين إلى فصل الدين عن الدولة، فإن محمد عمارة انتصر –في المقابل- لإسلاميته من خلال مقدمة حررها لأحد طبعات أعماله الكاملة سنة 2006، مذكرا بأن مشروعه كان ينشد الإصلاح في إطار هوية الأمة مع الاستفادة من تجارب الغرب، وأنه لم يؤيد أبدا مطالب الفصل بين الدين والدولة، رغم إقراره بامتلاك رؤية في التمايز بين وظائفهما.

ميولاته الفكرية وغاياته السياسية وما ينطوي عليها من الموقف من علاقة الدين والدولة قد أثارت الجدل حول شخصيته وتصنيفه أيديولوجيا، فإذا كان "جان داية" ذهب إلى تأكيد علمانية الكواكبي وأنه من الداعين إلى فصل الدين عن الدولة، فإن محمد عمارة انتصر –في المقابل- لإسلاميته 

ويلفت زكي الميلاد، من جهته، إلى أن "الاتصال بين الكواكبي وحركة الاصلاح الإسلامي يستدعي الالتفات إلى ثلاثة أمور بحاجة إلى فحص وتشخيص وتحليل"، وهي: "أن الكواكبي حتى لو كان متأثراً بالسيد جمال الدين الأفغاني، إلا أنه لم يكن تلميذاً له أو لمدرسته الفكرية والإصلاحية"، وأن إضافته على الصعيد الفكري كانت "على قدر كبير من الأهمية في حركة الإصلاح الإسلامي"، غير أنه "لم يكتسب تلك الأهمية المفترضة، وتراجعت تأثيراته الفكرية نسبياً في ظل هيمنة شخصية السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده على فكر ومشروع حركة الإصلاح الإسلامي"، كما أشار إلى "وسطية" الكواكبي "بين الأفغاني وعبده". كونه يتفق في مجالات "مع الأفغاني ويختلف فيها مع عبده، وفي مجالات أخرى يحصل العكس يتفق فيها مع عبده ويختلف فيها مع الأفغاني".

أما محمد عبد الجبار الذي سجل اختلاف المعاصرين حول المذهب الفكري للكواكبي بين من يعتبره "داعية للقومية العربية العلمانية الاشتراكية"، ومن يعتبره "مصلحاً دينياً إسلامياً"، فإنه يؤكد على أن مشروعه الإصلاحي ينتظم "في إطار ديني إسلامي"، حيث "دعا إلى إقامة دولة إسلامية جديدة بخلافة عربية، تحقق شرط القرشية في الخليفة من جهة، وتمكّن العرب من القيام بدورهم التاريخي والحضاري بوصفهم وعاء الإسلام وحملته والدعاة إليه من جهة ثانية"، وهي الدولة التي أرادها "شوروية ديمقراطية تنهج نفس النهج الذي سار عليه الخلفاء الراشدون في المشورة، دون أن تتنكر لما وصلت إليه البشرية من أدوات للشورى لم تكن موجودة في عهد الرسالة".

الكواكبي المصلح

يعد الكواكبي أحد أبرز دعاة الإصلاح خلال فترة النهضة، رفقة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وفي هذا السياق يؤكد الأستاذ بسام البطوش من خلال قراءته لفكر الكواكبي أننا "أمام مفكر ومصلح اجتماعي يقدم تحليلاً معمقاً لمشكلات الأمة وعللها، ولا يقف عند حد الوصف والتشخيص، بل يجرؤ على تقديم المعالجة وابتكار الحلول الإبداعية غير التقليدية لتحديات العصر غير التقليدية بالتأكيد" .

الكواكبي مفكر ومصلح اجتماعي يقدم تحليلاً معمقاً لمشكلات الأمة وعللها، ولا يقف عند حد الوصف والتشخيص، بل يجرؤ على تقديم المعالجة وابتكار الحلول الإبداعية غير التقليدية لتحديات العصر غير التقليدية بالتأكيد

فالكواكبي صاحب رؤية شمولية في الإصلاح عبر مؤلفاته النقدية لواقع التعليم وحالة المجتمع، بمؤسساته وأفراده، في ضوء مقارنته مع الحالة الغربية، بل امتد اهتمامه لمجالات ظلت غائبة على الفكر التقليدي فدعا، كما يقول محمد عبد الجبار: "إلى الإصلاح الاقتصادي، لمحاربة الفقر، وتحقيق المساواة بين الناس واستثمار ثروات العالم الإسلامي وتحقيق النهضة الاقتصادية ـ الاجتماعية" وحث على "الاستفادة من معطيات العصر"، كما "دعا إلى الإصلاح الديني وتجديد النظر في الدين"، لكن ليس بالتخلي عنه، "كما يطالب العلمانيون، بل بإعادة الحياة إلى النواقص المعطلة، وتهذيبه من الزوائد الباطلة".

وفضلا عن عمله الفكري، نشط الكواكبي في الحقل الصحفي –للتبشير بمشروعه الإصلاحي،  خصوصا "صحيفة الفرات" الصادرة من حلب، والتي كانت تحرر بالعربية والتركية، حيث اشتغل بها محررا ومترجما بين سنتي 1872 و1876، غير أن طبيعتها الرسمية حالت دون طموحه، فانصرف إلى التفكير في تملك صحيفة خاصة هي (الشهباء) التي أسسها مع هاشم العطار سنة 1877، وتعرضت للمنع من طرف الوالي العثماني (كامل باشا) بعد عددها السادس عشر؛ أي بعد خمس سنوات فقط من تأسيسها. فعاود تأسيس جريدة "الاعتدال" سنة 1879 التي باشرت إصدارها باللغتين العربية والتركية لكن تعرضت هي الأخرى للمنع من طرف السلطات العثمانية بعد صدور عشرة أعداد منها.

فضل الاستقرار بأرض الكنانة، سنة 1899، التي سخر بها جزء من نشاطه الفكري كما تنقل في عدد من مناطق العالم، حتى وصل إلى الهند والصين وسواحل شرق إفريقيا، مما كون لديه فكرة حول التباين الحضاري والثقافي والتاريخي بين الأمم وانعكاسات ذلك على طريقة تمثله للقيم الإنسانية كقيم مشتركة ومطلقة وساعده على تملك الحس النسبي والنقدي في تقدير الأحكام واتخاد القرارات.

وعلى الرغم من تنوع الواجهات الإعلامية لقلم الكواكبي، فإنه اجتهد في إصدار صحيفة خاصة عرفت باسم "صحيفة العرب" سنة 1900 غير أن قدر المنع لحق بها، بعد عددها الثالث، كما لحق بسابقاتها على الرغم من حسن العلاقة التي كانت تربطه بالخديوي إسماعيل فضلا عن وجود القاهرة عمليا "خارج سلطة عبد الحميد"، غير أن ماجدة حمود، في بحثها الموسوم "عبد الرحمن الكواكبي فارس النهضــة والأدب"، ترجح تأثير تحسن العلاقة بين الخديوي وبين السلطنة العثمانية "في إغلاق هذه الصحيفة"، مضيفة عامل آخر يتمثل في قلق الحاكم، كيفما كان، من "الأفكار الجريئة والأصيلة التي يطرحها الكواكبي عبر مقالاته".

ولم تكن كتاباته الصحفية من نوع الكتابات الجافة، إنما عكست، كما ذكرت ماجدة حمود، في أدائها جماليات أدبية من خلال استعانته بالأسلوب القصصي والتأريخي وتبنيه أسلوب الرسالة والبحث العلمي وأيضا أسلوب المناظرة والمقارنة وأسلوب السخرية، كما وظف فيها الموروث الديني والشعبي.

ناضل من أجل مشروع تنويري يأخذ من ضرورات المعاصرة دون التنكر لموجبات الأصالة، ويحرص على جمالية الأسلوب دون التفريط في متانة المحمول، فربط الإصلاح الاجتماعي والثقافي بالإصلاح السياسي

هكذا ناضل الكواكبي من أجل مشروع تنويري يأخذ من ضرورات المعاصرة دون التنكر لموجبات الأصالة، ويحرص على جمالية الأسلوب دون التفريط في متانة المحمول، فربط الإصلاح الاجتماعي والثقافي بالإصلاح السياسي وكتب عن "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" فكان أن دفع حياته ثمنا لمواقفه، فراح ضحية سم وضع له في فنجان قهوة بأمر من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، سنة 1902.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق