أدونيس: جاء من الأسطورة وعاش فيها
23 مايو (أيار) 2014 09:04 | 0 تعليق |
أدونيس - (أرشيفية)
عمان - معاذ بني عامر

استفاقَ "أدونيس" على شمسٍ حداثية بدأت تسطع على الجسد الثقافي العربي، لذا شقشق عينيه على زمنٍ جديد بدأ يُعيد النظر في كلّ شيء، بعد ليل طويل.

كانت الخطوة الأولى للشاعر الجديد يوم أن بتَّ في مصير اسمه العربي "علي أحمد سعيد"، إذ استبدله باسم قادم من زمن أسطوري:"أدونيس": وكأنه يُعلن بذلك حضوراً جديداً للأسطورة العربية بمقاربات فكرية غير التي أعْتِيَدَ عليها، بعد أن غابت وغيّبت لزمن طويل. فالشاعر المولود في العام 1930 في محافظة جبلة السورية، سيصبح اسمه "أدونيس" في العام 1948، وسيطغى هذا الاسم في الوسط الثقافي، على اسمه الأصلي.

الخطوة الثانية كانت يوم أن بدأ "أدونيس" بكتابةِ شِعر حداثي، لا يتقيد بعمود الشعر العربي المُتعارف عليه، مُحدثاً بذلك قطيعة معرفية مع زمن قديم، كان قد بدأ خطوته الأولى باسم أسطوري، وها هو اليوم يُكمل عليه بشِعر جديد ومُغاير.

الخطوة الثالثة تجلّت يوم أنجزَ أطروحته التي أثارت جدلاً واسعاً في الوسط الثقافي العربي، ووسمت بـ (الثابت والمتحول: بحث في الإبداع والإتباع عند العرب). فسبر عبرها غورَ الثقافة العربية منذ القدم وحتى القرن العشرين، وأعمل مشرطه النقدي في جسدها الكبير، مُؤشِّراً على مواطن الإبداع والإتباع داخل حقلها الثقافي.

على مستوى الوعي، بدأ "أدونيس" حريصاً على مستقبل الثقافة العربية من خلال سبر غور الماضي والحاضر الثقافي العربي، وإظهار مواطن الخلل والضعف فيه، لغاية الاستفادة منه مستقبلاً.

أما على مستوى اللاوعي، فقد أتى المشروع الأدونيسي كما تجلّى في (الثابت والمتحول) كنوعٍ من التميمة التي احتمى "أدونيس" داخل تعويذتها المُقدّسة. فهو بالأساس يُدافع عن مشروعه الشِعري ويُشَرْعِن له فكرياً، لغاية حمايته من النقد، لا سيما أن يقطع مع تاريخ شعري عتيد يتجاوز عمره الألف وخمسمائة عام. فالقارئ للثابت والمتحول سيشعر بتعاظم المشروع القرائي الأدونيسي الذي قام عليه مشروعه النقدي في الثابت والمتحول، فهو قارئ نَهِم وقد امتدّت مراجع الكتاب لمئات الصفحات من أجزائه المتعدّدة. في تحذيرأدونيسي – يتحرك عند عتبة ما تحت الوعي- إلى أن نقد مشروعه الشِعري، بحاجةٍ إلى عتاد معرفي كبير قد يستنزف عُمْرَاً بأكمله.

وجمعت شخصية أدونيس بين نقيضين في شخص واحد: الشاعر والمُفكّر؛ فاشتغلا سويةً لحماية بعضهما الآخر، فالصَدَفة الحامية لهما هي صَدَفة واحدة، وأي خلل قد يُودي بكليهما معاً.

وفي غضون ذلك كله، أتت أشعار"مهيار الدمشقي" مُنسجمة – في كثير من الأحيان- مع أفكاره، إذ غلب الطابع المعرفي على الجمالي فيها.

يقول في قصيدته الموسومة بـ (من أنت؟):

عينان عند فراشة

والرعبُ يضربُ أغنياتي

- من أنت؟

- رمحٌ تائه.

رَبٌّ يعيش بلا صلاة.

فعبر شِعر معرفي أكثر منه جمالي، أَخْلَصَ "أدونيس" لشخصه المزدوج، وروَّجَ له –على طول مسيرته المعرفية- فكان شاعراً بلغةِ مُفكّر ومفكّراً بلغة شاعر.

أما الخطوة الرابعة (ذروة النشاط الأدونيسي) فكانت بوضع "أدونيس" على قائمة جائزة نوبل للآداب من قبل اللجان المُحكّمة، وها هو ينتظر اليوم الذي يلبس فيه بذلة أنيقة ويتهادى بخطى وئيدة مثل حصان مُترَع بِعَرَقِ الحُروب الفكرية والشِعرية، لكي يقف خلف منصة الأكاديمية الملكية السويدية ويُلقي خطابه المُجلجل، كما فعل ذلك من قبل أصدقاء له من مشارق الأرض ومغاربها. وبانتظار أن يحدث ذلك، وقد لا يحدث، سيبقى "أدونيس" علامة مثيرة للجدل في الحقل الثقافي والسياسي العربي. فالمنظّر الذي وهب كتاباته لمعاينة الطغيان وقراءة تاريخ الاستبداد العربي، ألفى نفسه في حالة التباس قصوى وهو ينسحب مما عدّه خصومه المسؤولية الأخلاقية تجاه ما يجري في بلاده الغارقة في الدم!

 

أضف تعليقاً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق