الحمامي يقرأ (الهويّات القاتلة) في ضوء العلاقة بين الدين والعنف
07 يوليو (تموز) 2014 13:04 | 0 تعليق
د. نادر الحمامي (الثالث من اليمين) خلال الندوة بتونس –(ذوات)
في إطار أنشطتها الفكريّة والثقافيّة، استضافت الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان (فرع صفاقس الجنوبيّة) الدكتور نادر الحمّامي ليقدّم قراءة لكتاب المفكّر أمين معلوف الموسوم بـ: "الهويّات القاتلة".
وقد انطلقت المائدة المستديرة بكلمة ألقاها ممثل الرابطة إبراهيم بن صالح، رحّب فيها بالضيف وسائر الحضور مبرزاً السياق الذي دعا إلى اختيار مثل هذا الكتاب في مثل هذا التوقيت، ومؤكّداً راهنيّته وطرافة الطرح الذي يقدّم في الموضوع، فضلاً عن الإشكالات التي يثيرها.
وقد ترأّس الدكتور محمّد علي الحلواني الجلسة وانطلق من تقديم مفصّل للمفكّر أمين معلوف بدءاً من ولادته ببيروت سنة 1949 مروراً بانتقاله إلى مصر حيث عاش فترة صباه، ثمّ عودته إلى لبنان وجمعه في تكوينه بين علمي الاجتماع والاقتصاد، وتميّزه في الكتابة الصحفيّة بجريدة النهار البيروتيّة، إلى أن انتهى به المطاف إلى الهجرة إلى فرنسا سنة 1976 واستقراره بها نتيجة اندلاع الحرب الأهليّة بلبنان، وفي فرنسا عرف بكتاباته في مجلّة "Jeune Afrique". وكان هذا سببا في أنّ جلّ مؤلّفاته كانت باللغة الفرنسيّة. وقد ذكر الدكتور محمّد علي الحلواني عيّنة منها مبرزاً قيمتها وشهرتها ومنها: الحروب الصليبيّة كما رآها العرب (1983)، ليون الأفريقي (1984)وهي رواية نال عنها جائزة الصداقة الفرنسيّة العربيّة سنة 1986، سمرقند (1986)، صخرة طانيوس (1993) ونال عليها جائزة غونكور كبرى الجوائز الأدبيّة الفرنسيّة، الهويّات القاتلة (1998)، اختلال العالم (2009).
أمين معلوف: تنوّع وثراء
وأكّد الدكتور محمّد علي الحلواني ما تتميّز به شخصيّة أمين معلوف من تنوّع وثراء فهو ابن مسيحي بروتستانتي من أمّ تركيّة الأصل مسيحيّة مارونيّة، وأب مسيحي كاثوليكي، وهو لبناني عربي وفرنسي مسيحي.. يتحدّث عن هذا الخليط في شخصيّته بقوله في مقدّمة كتابه "الهويّات القاتلة": "منذ غادرت لبنان في عام 1976 لأستقرّ في فرنسا، سُئلت مرّات عديدة، بأفضل ما في العالم من نوايا، إن كنت أشعر أوّ لا أنّني فرنسي أو لبناني وكنت أجيب دائماً: هذا وذاك. ليس من قبيل الحرص على التوازن أو المساواة، وإنّما لأنّني إن أجبت بشكل مختلف لكذبت. إنّ ما يجعلني نفسي وليس شخصاً آخر هو أنّني بهذا النحو على تخوم بلدين، ولغتين أو ثلاث، والعديد من التقاليد الثقافيّة، هذا بالضبط ما يحدّد هويّتي." ومثل هذا الفهم هو الذي حدّد تصوّره المخصوص لمفهوم الهويّة في كتابه "الهويّات القاتلة".
ومهّد بذلك الدكتور محمّد علي الحلواني لمداخلة الدكتور نادر الحمامي الذي افتتح كلمته بحكاية مختصرة مفادها اختلاف شخصين عربيّين مسلمين في القرن العشرين أمام شخص أجنبي حول أحقّيّة علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان بالخلافة، وهو ما أثار استغراب الأجنبي من استمرار جدل العرب المسلمين حول موضوع من المفروض عفّى عليه الزمن، فتركهما ومضى. وكانت هذه الحكاية رمزيّة تبرز عمق انغلاق العربي المسلم اليوم على ماضيه وارتهانه به. فهو عنده عماد هويّته ولذلك كثيراً ما يركن إليه.
ومن هنا انطلق الدكتور نادر الحمامي في قراءته لكتاب "الهويّات القاتلة" لأمين معلوف، واعتبر أنّ العودة اليوم إلى مثل هذا الكتاب الذي نُشر أواخر تسعينات القرن الماضي يؤكّد راهنيّته وقيمته من جهة، مثلما يُعدّ شكلا من أشكال تخييب أمل صاحب الكتاب نفسه الذي تمنّى تجاوز ما جاء فيه وذلك بقوله في خاتمته: "عادة عندما يصل الكاتب إلى الصفحة الأخيرة، تكون أمنيته الأغلى أن يبقى كتابه مقروءاً بعد مئة عام، أو مئتي عام، بالطبع لا يمكن التكهّن بذلك أبداً. هناك كتب نريدها أبديّة ولكنّها تموت في الغد. في حين يبقى كتاب آخر حيّاً رغم أنّنا نظنّه تسلية لتلميذ، ولكنّنا نأمل دائماً. بالنسبة لهذا الكتاب، وهو ليس تسلية ولا عملاً أدبيّاً، أتقدّم بأمنية معاكسة: أن يكتشفه حفيدي عندما يصبح رجلاً، في مكتبة العائلة بالمصادفة، فيقلّبه ويتصفّحه قليلاً ثمّ يعيده إلى المكان المغبر الذي سحبه منه، ويهزّ أكتافه مستغرباً أنّه في زمن جدّه كانت هناك حاجة بعد لقول مثل هذه الأشياء".
مشكلة الهوية
وقد أبان الدكتور نادر الحمامي أنّ طرح مشكلة الهويّة يتنزّل في سياقات عدّة سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة، وقدّم على ذلك أمثلة عدّة منها أنّ التفاعل اليوم في عدد من الدول العربيّة والإسلاميّة مع عدد من المعاهدات والمواثيق الدوليّة كثيراً ما يقع إخضاعه إلى مسألة الهويّة والتذرّع في القبول والرفض بمدى الاستجابة إلى مقوّمات هذه الهويّة أو التعارض معها، هذا فضلاً عن تعدّد المرجعيّات واختلافها في تحديد طبيعة الهويّة ومكوّناتها. فمثل هذا الارتباك يطرح اليوم بإلحاح فكرة فهم الهويّة، وهو ما يقدّمه كتاب أمين معلوف بعمق. وهو كتاب سهل وبسيط إلى حدّ التعقيد ولهذا اختار الدكتور نادر الحمّامي توزيع الحديث عنه إلى ثلاث نقاط رآها رئيسيّة وممثّلة لجوهره وهي:
- مسألة وحدة الهويّة وتعدّدها في الوقت نفسه.
- مسألة الحداثة خاصّة إذا اعتبرت أنّ مصدرها ومنتج قيمها هو الآخر.
- مسألة العلاقة بين الدين والعنف، وقد ركّز أمين معلوف أكثر على الدين الإسلامي والعنف، ولم يكن تعرّضه إلى المسيحيّة إلاّ من باب المقارنة.
وقد اعتبر الدكتور نادر أنّ الإجابات التي قدّمها أمين معلوف كانت على قدر من الطرافة والتفرّد، ممّا جعلها جديرة بالدرس والاهتمام. ولعلّ ذلك عائد بالأساس إلى طغيان الذاتيّة في تناول أمين معلوف للموضوع، فكلّ ما فيه يستند أساساً إلى تجربته الحياتيّة وخصوصيّة شخصيّته بما فيها من تعدّد وتنوّع يصل حدّ التضارب أحيانا.
ورأى الحمامي ضرورة التمييز بدءًا بين الهويّة والانتماء وعدم الخلط بينهما ودحض الفهم الشائع للهويّة في ارتباطه الوثيق بالجماعة، وأكّد أنّ الهويّة لا يمكن أن تكون جماعيّة، بل هي خاصّة بالفرد. إذ لا يمكن لأيّ فرد أن يشارك غيره في جميع انتماءاته وإن كان أباه، فالابن والأب لهما بالضرورة انتماءات مختلفة تفضي حتماً إلى هويّتين مختلفتين. وتكون الهويّة قاتلة إذا ما لم يتفطّن صاحبها إلى هذه الانتماءات المختلفة وركّز في المقابل على انتماء واحد مشترك. فحصر الهويّة في هذا المكوّن الواحد يضيّق من طبيعتها ويجعلها قاتلة.
بهذا ندرك أنّ الهويّة فرديّة بالأساس ولا تقوم على عنصر واحد، بل سمتها التنوّع والتعدّد وينبغي الوعي بكونها مركّبة ومتعدّدة.
الحداثة والآخر
النقطة الثانية التي توقّف عندها الدكتور نادر الحمّامي تمثّلت في فهم الحداثة على أنّها تأتي من الآخر، وقد عرض فيها إلى كيفيّة تفاعل المجتمعات العربيّة والإسلاميّة مع واقعها وتاريخها. إذ أكّد أنّ هذه المجتمعات تعيش وفي ذهنها أنّها في عالم عدائي، وتعتقد أنّها تتعرّض دائما إلى مؤامرة تستهدف وجودها وخصوصيّتها. وهو ما يعطّل اندماجها مع متطلّبات حاضرها. زد على ذلك أنّها تنظر إلى تاريخها بكثير من الاعتزاز الذي قد يبلغ حدّ التقديس. وهذا يؤثّر في تفاعلها مع الآخر وينعكس على سلوك أفرادها ومن آثاره تعطّل الاندماج في ركب الحداثة بتبنّي موقف عدائي تجاهها ينظر إليها على أنّها تهديد لهويّته ووجوده لكونها متأتّية من الآخر. وهذا ما يخلق ارتباكاً في التعاطي معها بفعل التمييز بين منتجات الحداثة المادّيّة والقيميّة، والحال أنّ الإنتاج المادي للحضارة لا ينفصل عن إنتاجها القيمي.
ومثل هذه النظرة العدائيّة قد تبلغ درجة الوقوع في اللجوء إلى العنف، باسم الهويّة أو أحد مكوّناتها مثل الانتماء الديني، وههنا تطرّق الدكتور نادر الحمّامي إلى النقطة الثالثة وعلاقة الدين بالعنف لينتهي إلى أنّ قيم الحرّيّة والمساواة هي بالأساس من منتجات الحداثة ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال تأصيلها في فكر قديم، لأنّ المساواة بعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ليست هي نفسها المساواة في القرن السابع للميلاد. وكذلك الحرّيّة في القرن العشرين ليست الحرّيّة نفسها في القرن السادس. فالمصطلحات والمفاهيم تاريخيّة غير ثابتة لكونها تخضع للتطوّر.
واعتبر الدكتور نادر الحمّامي أنّ الوعي بالتعدّد داخل الواحد هو ما سعى إليه أمين معلوف ليعلن أنّ القيمة المركزيّة التي يؤمن بها هي كرامة الكائن الإنساني.
وفتح المجال للنقاش الذي كان مكثّفاً وثريّاً وحادّاً أحيانا نتيجة دقّة الإشكالات التي طرحها الكتاب وتناولتها المداخلة. وبرزت اصطلاحات عدّة قياساً على عنوان الكتاب من قبيل: الهويّات القاتلة والهويّات المقتولة، والهويّات المتقاتلة، وصراع الهويّات وأبعادها الفرديّة والجماعيّة وطبيعة طرح موضوعها اليوم في الساحة السياسيّة والثقافيّة وخلفيّاته، فضلاً عن صلة الديني والسياسي بالهويّة، وقضيّة العولمة والهويّة، والاستعمار والهويّة.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

