"تشارلي إيبدو": الحداثة والموت
01 فبراير 2015 | 1 تعليق

محمد عزت*
محمد عزت*

"لماذا يكرهوننا؟ هم يكرهوننا لأن لدينا حكومة منتخبة ديمقراطيًا .. إنهم يكرهون حرياتنا: حريتنا الدينية وحريتنا في التعبير وحريتنا في التصويت والتجمع وحريتنا في الاختلاف مع بعضنا البعض" (1)– جورج بوش في خطابٍ موجه للأمة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001-
فرنسا التي وصفها الفيلسوف بول ريكور في إحدى حواراته الصحفية بأنها لم تعتد التفاوض، ولا ترد فيها هذه الكلمة غالبًا إلا بعد كلمة "أجبركم" فتصير "أجبركم على التفاوض" (2)، كانت على موعد مع صدمة تشارلي إيبدو، والصدمة هي غالبًا نوع من أنواع التجلي لأوجاع نعرفها جيدًا ونعاني منها في أعماق رؤوسنا بسبب ظروف موضوعية نتجاذب بين إنكارها والتيه أمامها، قبل أن تتجلى في الوجود.
 لم يكن عنف الصدمة متعلقًا فقط بأن منفذي العملية فرنسيين تعلموا في مدارس فرنسا (3)، فهم ليسوا ممن تعتبرهم فرنسا همجًا متسللين، يضطرونها  سنويًا لإنفاق ملايين الدولارات لمنع تسللهم إلى أراضيها الحرة بأفكارهم اللا-ليبرالية عبر هجرة غير شرعية، وتحتجزهم داخل أسوار منيعة تقيمها حكومات الجنوب المستبدة كالسجن عليهم، وإنما أيضًا لأن الصدمة تعلقت بالموت؛ إنه الحاجز الفولاذي الأقوى على الإطلاق الذي لم تستطع الحداثة تجاوزه، وردّها بصمته المطبق أمام إنجازاتها إلى ما يسمى بـ"ما بعد الحداثة" حيث عالم خالي من الأساطير الكبرى المحفزة للبشرية، عالم لم يعد مؤمنًا بالمطلقات المتمثلة في الدين أو الثورة، لكنه أيضًا لا يستطيع الاستسلام للعدمية أو التفاهة.
كان للموت هذا التأثير السحري رغم صمته المهيب، وانعدام مبالاته أمام إدعاءات الإنسان الحديث بسيادته على العالم؛ لأن ما يمكن أن يمثل الأرضية الرمزية للحداثة الغربية وهو "الكوجيتو الديكارتي"، ينطوي على تأكيد للذات الإنسانية وثقة في قدراتها على إنتاج الحقيقة وتفسير الكون ووضع نظم الحياة(4).
لقد لخص هذا الموقف المتعامي عن حقيقة الموت "باروخ سبينوزا" حين قال: "إن آخر ما يفكر فيه الرجل الحر هو الموت، لأن حكمته ليست تأملًا للموت، بل تأملٌ للحياة"(5)، ولعل هذا الموقف الحداثي المضطرب إزاء الموت كان حاضرًا في ذهن الفيلسوف الألماني الشهير "إدموند هوسرل" أثناء ذروة أزمة أوروبا الأخلاقية والاقتصادية قبل الحرب العالمية الثانية حين قال "إزاء الضيق الذي نعاني منه في حياتنا، ليس لهذا العلم شيء يقوله لنا"(6)، وقد جاء تلامذة هوسرل من بعده يشجبون النسيان المتعمد في الفكر الغربي لحقيقة أن الجوهري في الإنسان هو موته وليس حياته، ثم عبر الفيلسوف السلوفيني سيلافوي جيجك بذكاءٍ شديد عن هذا الاضطراب حين قال أنه في عالم ما بعد الحداثة صار الاستمتاع واجبًا مفروضًا على الإنسان(7)، حيث تم الوصول إلى ذروة التكريس لموقف هروبي سُمي بالصحي تجاه الموت وهو نسيانه.
  وقد بين جاك شورون في كتابه "الموت في الفكر الغربي"، أن الفلاسفة الغربيين في ذروة إيمان الإنسان بإمكانية سيادته على العالم استبعدوا الموت من حظيرة الفلسفة، كما فعل الفلاسفة التجريبيون دائما من إزاحة له بحجة إمكانية دراسته بكفاية أكثر على يد علماء النفس أو علماء الاجتماع، في الوقت الذي لم يمل هؤلاء العلماء فيه إلى دراسة الموضوع إلا حديثًا(8)، ولعل أكثر ما قيل تعبيرًا عن موقف الإنسان الحديث إزاء الموت في عصر الرسملة هو: " ثمة شيئين لا يمكن أن يحدق فيهما المرء: الشمس والموت"(9).
العالم في حالة لامعقولة وغير منطقية لا تدل على أن من يحيون فيه قد عرفوا الطريقة المثلى للعيش، وأحلام الحداثة تتحول مع الوقت إلى أوهام وسراب، وكأن قوة خارجية لها إرادة مطلقة في أن يظل الإنسان حائرًا تتسع أمامه حدود الجهل إلى ما لانهاية، كلما ظن أنه في طريقه إلى سيادة كونه.
 

اللحظة الخريفية للرأسمالية الأُسية السرطانية الباحثة عن النمو الاقتصادي إلى ما لانهاية، دون أن تضع في اعتبارها أي معنى للنهاية تخيم على المشهد

الرواية والسينما باعتبارهما فن البرجوازية المكتمل كانا الأكثر تعبيرًا عن حالة الضياع والضعف الإنساني أمام الموت، وكانوا المعبر الأمثل عن ضياع البرجوازية نفسها أمام العالم التائه الذي صنعته، عبرت السينما ومعها الأدب عن شعورٍ بوصول اختناق الإنسان المعاصر وهو تائه في العالم الرأسمالي المشفر، إلى درجة أُغلقت فيها كل ممكنات الحياة، باستثناء ممكن واحد وهو ثورة لا يستطيع هذا الإنسان المعاصر أن يفك شفراتها ليحدثها، الناس يتظاهرون أو يهتفون وهم صامتون في كل بقاع العالم الذي خلقته الرأسمالية، لأسباب كثيرة يجمعها وجع الحياة المتبلور في لحظة خريفية، يسكنها ضيق يوحده السبب، وإن بدا اختلافًا جذريًا في مظاهره ما بين مظاهرة لمناصرة قضايا البيئة في دولة اسكندنافية، وأخرى تصرخ في وجه العبودية وتقابل بالقمع داخل "شبه دولة" إفريقية.  
بمقارنة سريعة بين أحداث تشارلي إيبدو في فرنسا 2015 وحادث برجي مركز التجارة الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية 2001، نجد أن الولايات المتحدة كانت تقف غير مهتزة أمام الحدث؛ لمواجهة من اعتبرتهم أعداء خارجيين يسعون لتخريب جنتها على الأرض، فكما سبق ذكره من خطاب جورج بوش لأمته الأمريكية، كان الرئيس ينظر للحدث باعتباره عملًا حقودًا من متطرفين ترعرعوا في دول العالم ذات الحكومات المستبدة، التي ينبغي أن تتحمل عواقب ما حدث وحدها وأن تنصاع لكل إملاءات الولايات المتحدة كي لا يتكرر ذلك ثانيًة، وقد بينت "نعومي كلاين" في كتابها واسع الانتشار "عقيدة الصدمة"، كيف تم استغلال الصدمة على الصعيد الاقتصادي أيضًا فيما سمته ب"رأسمالية الكوارث"، وكيف استغلت إدارة الرئيس جورج بوش هلع المواطنين ليس فقط لشن ما اعتبرته حربًا مقدسًة على الإرهاب، وإنما أيضًا من أجل تحقيق أرباح طائلة و"صناعة أمن" حديثة الولادة بثت الحياة من جديد في الاقتصاد الأمريكي المضطرب، حيث استعانت إدارة بوش بشركات أجنبية كي تتولى الوظائف الحكومية الحساسة، مثل تأمين الرعاية الصحية للجنود واستجواب السجناء، والتنقيب عن المعلومات الخاصة، وقد نجحت إدارة بوش في استغلال الصدمة اقتصاديًا؛ للدرجة التي بلغ فيها معدل إنفاق الأسرة الواحدة على الأمن القومي 545 دولارًا أمريكيًا في عام 2006 (10)، باختصار كان موقف الولايات المتحدة موقفًا حداثيًا "رأسماليًا" بامتياز.
    الأمر في فرنسا كان مختلفًا إلى حد بعيد، كتب أليكسندر سمولتشيك في منتصف عام 2014 مقالًا بعنوان "فرنسا .. رجل أوروبا المريض الجديد" وافتتح المقال بالعبارة الآتية: "هناك شيءٌ ما عبثي في فرنسا، فالمزاج العام لم يكن بائسًا قط كما كان هذا الصيف، وشعبية الرئيس كذلك في الحضيض، إذ يظن المرء يوميًا أنها يستحيل أن تنحدر أكثر من ذلك، ثم يصحو ليجدها قد انحدرت أكثر! الكثيرون فقدوا إيمانهم بأقطاب السياسة التقليدية ويتجهون إذن نحو اليمين المتطرف" (11).
    في أوروبا بشكل عام كانت تداعيات الأزمة المالية والارتفاع الكبير في الديون السيادية بدولها، قد تسبب بحدوث زيادة كبيرة في حالات الانتحار وعودة أمراض كانت قد اختفت منذ فترة طويلة، بالإضافة إلى ترٍد ملحوظ من المراقبين في العلاقات الاجتماعية والترابط الإنساني (12)، وللمفارقة، لم تشهد أيسلندا -وهي أحد المتضررين المباشرين من جراء الأزمة المالية- زيادة ملحوظة في معدلات الانتحار (13)، والجدير بالذكر هنا أن أيسلندا كانت البلد الأوروبي الوحيد الذي رفض الإملاءات النيوليبرالية في استفتاء شعبي عقب أزمة الرهن العقاري، حيث رفضت إنقاذ المصارف الخاصة، وتركت بعضها ينهار، كما أصدرت أحكامًا على العديد من المصرفيين نتيجة ما اقترفوه من جنحٍ مالية(14).
     قبل أحداث تشارلي إيبدو كان واضحًا على أرفف المكتبات الفرنسية، كتب جديدة تبدو كأنها نوع جديد من الأدب الفرنسي، وعناوينها كاشفة لما تمر به فرنسا: "إعادة اختراع فرنسا"، "إفلاس فرنسا الفريد"، "حين تستيقظ فرنسا"، "أعزائي الفرنسيون: هل أنتم مستعدون للثورة القادمة؟"(15)، وبعد الصدمة حاولت الدولة ووسائل الإعلام الرأسمالية استغلال الفزع، في إطار ما يخدم الدولة وما يخدم سعي الرئيس هولاند لجعل فرنسا حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة الأمريكية(16)، اعتمدت وسائل الإعلام الرأسمالية في ذلك على مهارة قمع المعلومات من أنصاف الحقائق (17)، وتوجيه الرأي العام بأنصاف المعلومات هذه إلى رؤى مسطحة كبرى تخدم مصالحها في الأخير.
  

 قبل أحداث تشارلي إيبدو كان واضحًا على أرفف المكتبات الفرنسية، كتب جديدة تبدو كأنها نوع جديد من الأدب الفرنسي، وعناوينها كاشفة لما تمر به فرنسا: "إعادة اختراع فرنسا"، "إفلاس فرنسا الفريد"، "حين تستيقظ فرنسا"، "أعزائي الفرنسيون: هل أنتم مستعدون للثورة القادمة؟"

 وبينما توجه وسائل الإعلام الأوروبية المتابع كي يفكر عنوة في سؤال سطحي هو "هل يمكن أن يتعايش الإسلام مع الحداثة؟"، لم يعد المتابع الغربي هو نفسه الذي أمكن استنفاره بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 كي يؤيد سياسات حماية جنته المزعومة، فاللحظة الخريفية للرأسمالية الأُسية السرطانية الباحثة عن النمو الاقتصادي إلى ما لانهاية، دون أن تضع في اعتبارها أي معنى للنهاية تخيم على المشهد. من الكساد الكبير إلى أزمة المضاربات المالية الجامحة وصولًا إلى تشارلي إيبدو، بقى المشهد واضحًا عبر ثلاثة قرون من الزمان، ليست الأزمة متعلقة بتحديات طارئة إنما هي أزمة نموذج الداروينية الاجتماعية الذي نعيش فيه، والذي انعدمت فيه إمكانات الحياة، ووصل حد الخوف فيه من الموت إلى استعجاله عبر الإنتحار.   

 * كاتب وباحث مصري

 


مراجع:
1 ـ The Washington post, the full text of President Bush's address to a joint session of Congress and the nation, at: 20/9/2001.
2 ـ حوار بول ريكور مع مجلة العلوم الإنسانية، عدد 63، يوليو 1996، أجرى الحوار جاك لوكومت.
3 ـ David Hearst, History did not start in Paris on Sunday, Middle East Eye, on: 13/1/2015,
4 ـ الطيب بو عزة، ما بعد الحداثة وموت الإنسان، الجزيرة.نت، بتاريخ : 19/2/2006، على الرابط التالي: http://bit.ly/1xXQPhS
5 ـ Dr. Peter Critchly, Wisdom and the life of the free man, from Spinoza and the rule of reason, 2007, No.6,
6 ـ فلسفات عصرنا (تياراتها، مذاهبها، أعلامها، وقضاياها)، تأليف جماعي تحت إشراف جان فرانسوا دورتيي ترجمة: إبراهيم صحراوي، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى، الجزائر، 2009م، ص44.
7 ـ The Pervert's Guide to Ideology, a 2012 British documentary film, directed by Sophie Fiennnes, written and presented by Slavoj  Zezek
8 ـ جاك شورون، الموت في الفكر الغربي، عالم المعرفة،عدد رقم 76، ترجمة كامل يوسف حسين، الكويت،  إبريل 1984، ص11.
9 ـ جاك شورون، الموت في الفكر الغربي، عالم المعرفة،عدد رقم 76، ترجمة كامل يوسف حسين، الكويت، إبريل 1984 ص10.
10 ـ نعومي كلاين، عقيدة الصدمة صعود رأسمالية الكوارث، ترجمة نادين خوري، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت،  الطبعة الثالثة،2011، ص ص :15-25.
11 ـ Alexander  Smoltczyk, A tour of France: Examining the New sick Man of Europe, DER SPIEGEL, AT:21/JULY/2014,  نقله إلى العربية نون بوست، بتاريخ: 11/5/2014، على الرابط التالي: http://www.noonpost.net/content/4184
12 ـ الجزيرة.نت، آثار الأزمة المالية والتصدع الاجتماعي بأوروبا، بتاريخ 28/3/2013، على الرابط التالي:  http://bit.ly/1wyXGwT
13 ـ الجزيرة.نت، آثار الأزمة المالية والتصدع الاجتماعي بأوروبا، بتاريخ 28/3/2013، على الرابط التالي:  http://bit.ly/1wyXGwT
14 ـ مراد دياني، حرية – مساواة – اندماج اجتماعي ( نظرية العدالة في النموذج الليبرالي المستدام)، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت، يناير 2014، ص71.
15 ـ Alexander  Smoltczyk, A tour of France: Examining the New sick Man of Europe
16 ـ David North, "Free Speech" hypocrisy in the aftermath of the attack on Charlie Hebdo, World Socialist Web Site , 9/1/2015, on :
17 ـ David North, "Free Speech" hypocrisy in the aftermath of the attack on Charlie Hebdo, World Socialist Web Site , 9/1/2015, on : http://www.wsws.org/en/articles/2015/01/09/pers-j09.html

التعليقات السابقة

روعة

محب الكاتب محمد عزت
02 فبراير 2015‎

راااااااااااائع يا أستاذ محمد .. فعلاً مقال ممتاز جداااااا

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق