ميار الإدريسي: ما بعد الحداثة تهدد القيم الروحية في العالم بأسره
16 اكتوبر (تشرين الأول) 2014 01:00 | 0 تعليق

خالد ميار الإدريسي (يسار) رفقة مؤطر سمير حلوي -(ذوات)
ذوات

نظمت دار الفنون بالرباط التابعة لمؤسسة أونا، مساء أمس الثلاثاء 14 أكتوبر/ تشرين الأول، محاضرة في موضوع "القيم الروحية وتحديات ما بعد الحداثة"، ألقاها الدكتور خالد ميار الإدريسي، باحث في العلاقات الدولية، ومهتم بالتحولات الجيوسياسية والدينية، وقام بتيسير النقاش الدكتور سمير حلوي، متخصص في القضايا الاقتصادية ومهتم بالتحولات القيمية.

بداية، اعتبر المحاضر أن الحديث عن القيم الروحية في زمن ما بعد الحداثة، لا يعتبر ترفاً فكرياً، وإنما ضرورة ملحة ذلك أن العالم يعرف تدهوراً قيمياً خطيراً، مآله انقراض "الإنسان". ولذا، فإن إثارة إشكالية القيم الروحية أو التصوف وتحديات ما بعد الحداثة يندرج ضمن إشراك الجميع في هم التفكير في مستقبل القيم الإنسانية السامية التي تحمل الإنسان إلى الاتصال بخالقه بدل المكوث في غفلة الانفصال.

حاول المحاضر مقاربة الموضوع من زوايا ومقاربات متعددة، فلسفية وسياسية واجتماعية وروحية، خاصة أن مطارحة هذا الموضوع تستدعي، التعريف أولاً بطبيعة مفهوم ما بعد الحداثة وخصائص المجتمع ما بعد الحديث، ذلك أن إدراك المفهوم وما يرتبط به من نقاش أكاديمي حاد يساهم في فهم مختلف التحديات المطروحة، يضيف ميار الإدريسي.

ومن أهم التحديات التي تواجهها التربية على القيم الروحية، تحديات فلسفية فكرية، تكمن في زعم رواد ما بعد الحداثة أن زمن الحقيقة المطلقة قد ولَّى، وليس هناك من يملك إمكانية احتكار أو ادعاء الحقيقة، سواء كانت مُجسّدة في أديان أو فلسفات أو إيديولوجيات [فكرانيات]. فكر ما بعد الحداثة يرفض الأنساق المغلقة أو الحكايات الكبرى حسب تعبير ليوتار. وهذا الرفض مرتبط بثلاث نزعات، النزعة اللاتمثيلية والنزعة اللاتأسيسية والنزعة اللاماهوية.

أما التحدي الأخلاقي، حسب المحاضر، فهو زعم ما بعد الحداثة بعدم وجود أخلاق مطلقة، إذ يؤمن رواد ما بعد الحداثة بنسبية الأخلاق، وبالتالي الإقرار بتعدد الممارسة الأخلاقية وانتفاء وجود مركزية أخلاقية، وهذا ينافي الذوق السليم ويؤدي إلى فوضى "أخلاقية" وعدم الاتفاق والإجماع على قيم الصدق والحرية والحياء والكرامة وغير ذلك. وتكمن الخطورة في تأثير هذا على المنظومة الحقوقية، حيث تتساوى حقوق الشذوذ الجنسي مع جميع الحقوق، فهناك حق تشويه الذات وحق تغيير الجنس وحق عبادة الذات وحق عبادة الطبيعة وحق زنا المحارم وحق اقتحام الخصوصيات وحق الاستهزاء بأي شيء وحق الخلود.

واعتبر الإدريسي أن التعددية الأخلاقية المائعة تؤدي إلى تدنيس المقدس والاستهزاء والتجوال الديني والاغتراف من مصادر تديّن في غاية التطرف، من منطلق أن ما بعد الحداثة تدعو إلى الارتواء الروحاني الماجن البعيد عن أية دوغمائية دينية، وهكذا أصبحت الروحانيات سوقاً جديداً يخضع لمنطق الانتقاء الذاتي أو الاستهلاك حسب الذوق والهوى.

ومن التحديات التي تطرحها ما بعد الحداثة تأثيرها في مجال بناء الأسرة، حيث الدعوة إلى تجاوز الأسرة التقليدية والحديثة والولوج إلى عصر الأسرة المتعددة والأسرة الشاذة، بل الأسرة ما بعد الإنسانية. كما أن ما بعد الحداثة تهاجم مركز المعلم كناقل للأخلاق والمعارف والقيم، حيث يُصبح المعلم مجرد ميسر ومنشط وليس رمزاً للاقتداء؛ وذلك بدعوى إنهاء "سلطة المعلم" وتسلطه على العقول.

وبرأي المحاضر دائماً، فإن مختلف هذه التحديات، تجعل مهمة نقل القيم الروحية أمراً في غاية الصعوبة والتحدي، والدراسات المستقبلية تتوقع الانتقال إلى طور ما بعد الإنسان، ونحن ننحاز إلى المآلات الثلاثة: مآل ما بعد الإنسان؛ مآل الإنسان المنفصل؛ وأخيراً، مآل الإنسان المتصــل.

وخلُصَ المحاضر إلى أن التزكية الروحية المستندة إلى الأصول المحكمة والسند السليم والإرشاد الخالص لوجه الله، يمكن أن تؤهل العالم الإسلامي لمواجهة عبثية ما بعد الحداثة والتيارات المخالفة لجوهر الفطرة والسمو الإنساني، مضيفاً أن قيم ما بعد الحداثة مرتبطة بمسارات المجتمع ما بعد الصناعي وما بعد الفردي ومجتمع الصورة والاستهلاك المفرط ومجتمع الفرجة واللعب، كما أن الزمن المعاصر هو زمن التمركز حول الذات والإفراط في اللهو واللغو، حتى تحول الإنسان إلى سلعة أو فضاء للعلامات التجارية. لقد ضاعت كرامة الإنسان المعاصر في طاحونة الأهواء، ولقد آن الأوان لأن يتحرر من استلابه الجديد.

وأكد المحاضر أيضاً على أن العالم الإسلامي مطالب بأن يتابع التحولات القيمية والفكرية للمجتمع ما بعد الحداثي، ويبتكر ويبدع خطاباً فكرياً قادراً على المساهمة في تخليق الحياة الإنسانية وانعتاقها، معتبراً أن الخطاب الديني للعالم الإسلامي في حاجة ملحة إلى استيعاب التحديات الراهنة والقضايا الفكرية الصاخبة في الغرب والعالم. ومن شأن الإبداع تبليغ الرسالة المحمدية عبر الخلق والسمو الروحي والعلم الرصين والمتجدد، تحقيق التوجيه الفعال للإنسانية نحو الفطرة السليمة، وكون التصدي لعبثية الأفكار والمنظومات القيمية الفاسدة رهين بتجديد إيماننا وتمحيص مقاصدنا وتطوير آلياتنا الفكرية ومناهجنا ووصلها باليقين بالله.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق