"جيمس جويس" رائداً من رواد تيار الوعي
31 اكتوبر 2014 | 0 تعليق
الكاتب "جيمس جويس" - (ذوات)
لم يكن "جيمس جويس" مجرد كاتب نحت اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ الأدب الإيرلندي والبريطاني عامة، بل مثّل أحد أهم الأعلام التي ترمز إلى إيرلندا، وجزءاً من تاريخها. كان واحداً من الذين ابتدعوا "تيار الوعي" في الأدب الذي يسعى لإظهار وجهة نظر الشخصية من خلال تسلسل أفكاره بطريقة معينة. ويمكن أن تكون هذه الأفكار حواراً باطنياً مضطرباً مشوشاً غير مترابط، أو أن تكون من خلال جملة العمال التي يقوم بها.
ولد "جويس" سنة 1882 في "دبلن" بإيرلندا في عائلة متوسطة الدخل تعاني صعوبات مالية جمة بسبب إسراف والده في الشرب والقمار، غير أن ذلك لم يمنعه من أن يكون تلميذاً لامعاً أثناء دراسته بالمدرسة المسيحية. نال جوائز عديدة وميداليات تشهد له بالبراعة والتميز. انتقل إلى باريس لدراسة الطب ولكن عراقيل عديدة على رأسها الظروف المادية الصعبة حالت دون إكمال مشروعه الدراسي في فرنسا.
يعد "جويس" من أبرز رواد الرواية الحديثة، إن لم يكن أبرز كتابها على الإطلاق. نحت لنفسه أسلوباً خاصاً في الرواية متفرداً يرفده عمق المواضيع المطروقة والقدرة الفائقة على تصوير الشخصيات، ومن أبرز رواياته:
- "أهالي دبلن" (1915)، وهي عبارة عن مجموعة قصصية تتألف من 15 قصة قصيرة، يمكن قراءتها منفردة، كما يمكن أن تؤلف جميعاً قصة متكاملة، ذلك أن الإطار المكاني والقضايا المطروحة تتشابه، لتجعل من المجموعة القصصية عدسة كاميرا تتجول بين أحياء "دبلن" وزواياها في بدايات القرن العشرين، لتصور حالة الإحباط والقنوط التي يعاني منها أهاليها، ورغبتهم الملحة في الفرار من جحيم اليأس. يجعل "جويس" مدينته مركزاً للعالم ويحول مشاكلها الذاتية إلى مشاكل تمس الإنسان عامة، وكل الشعوب التي ترزح تحت وطأة الاستعمار. وقد نجح في ذلك نجاحاً كبيراً حين رتب أقاصيصه حسب أعمار الأبطال، فبدأ بعمر الطفولة ثم انتقل إلى أبطال شبان، لينتهي بأبطال من الكهول.
- "صورة الفنان في شبابه": يعتبرها النقاد أول رواية لـ"جويس" صور فيها بالخصوص الحياة الإبداعية لـ"ستيف ديدالوس" بطل الرواية. تتداخل القضايا في هذا النص الروائي، ويركز "جويس" في تصوير شخصياته على مفهوم الهوية من خلال الحفاظ على اللغة والافتخار بأمجاد الماضي، وعراقة التاريخ في مقابل التأثيرات الاقتصادية والسياسية للمستعمر. كما يصور في الرواية دور الفنان في مجتمعه وعلاقة الفن بالقضايا المطروحة في مجتمعه، لينتهي به الأمر إلى ضرورة الفصل بين الفن والقضايا المجتمعية، وهو ما يعرف اصطلاحاً بعبارة "الفن للفن".
- "عوليس" (Ulysses)، وهي رواية نشرت سنة 1922، وتعتبر إحدى أهم الروايات الحديثة والمدهش أن أحداثها تدور في يوم واحد هو 16 يونيو (حزيران) 1904، وهو اليوم ذاته الذي التقى فيه زوجته "نورا". تتألف الرواية من 18 باباً، وتدور أحداث كل باب في ما يقارب الساعة من اليوم نفسه. عمل "جويس" على تنويع الأساليب بين الأبواب محاكياً فصلاً من فصول "الأوديسا" لـ"هوميروس". كما يرتبط كل باب بلون مخصوص أو فن محدد أو حتى عضو من أعضاء الجسم. ولكن أبرز ما ميز هذه الرواية هي محاكاتها الميثولوجيا الإغريقية وعالمها الساحر، وهي إحدى خصائص الرواية الحديثة.
- "استيقاظ فينغنز": وهي رواية نشرت سنة 1939 أي قبل وفاته بسنتين، ويعتبرها النقاد إحدى أكثر الأعمال تعقيداً في الأدب الإنجليزي من حيث صلابة اللغة والأسلوب. قضى جويس 17 عاماً في كتابتها، وكان تأليف معظم أجزائها في باريس.
ولئن تميز "جويس" في كتابة الرواية، فإنه كان مهتما بالمسرح والشعر مثل أكثر كتاب جيله، فألف مسرحية "المنفى" التي بدأ الاشتغال عليها في 1914 غداة اندلاع الحرب العالمية الأولى. وتصور المسرحية علاقة زوجين وتستلهم من "الميت"، وهي إحدى أهم أقاصيص "أهالي دبلن"، كما تعود في جزء منها إلى "عوليس". كما ترك "جويس" مجموعة شعرية بعنوان "غرفة الموسيقى" التي صدرت سنة 1907، وتضمنت 34 قصيدة حب أضيفت إليها قصيدتان أخريان عند نشرها.
كان "جيمس جويس" أحد أهم أعمدة الأدب البريطاني والعالمي في القرن الماضي، وقد ساهم مع آخرين من أبناء جيله، مثل "أوسكار وايلد و"صامويل بيكات" جيلاً ذهبياً، إذ جعلوا من بلدهم إيرلندا بلداً ذا حضارة متفردة ضاربة جذورها في عمق التاريخ، لا جزءاً تابعاً للحضارة البريطانية.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

