أبو حامد الغزالي: طريق الشك إلى اليقين
17 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

مخطوط لرسالة أيها الولد لأبي حامد الغزالي -(أرشيفية)
منى شكري

ربما لم يختلف المسلمون على علم من أعلامهم كاختلافهم على أبي حامد الغزالي، إذ يؤرخ كثير من الباحثين افتراق المسلمين عن البحث العلمي وتطورهفي القرن الحادي عشر الميلادي، ويحملون أبا حامد الغزالي جزءاً كبيراً من مسؤولية هذا "الانحطاط الحضاري"؛ بحجة أنه وقف -خاصة في كتابه "تهافت الفلاسفة"- وراء تغيير مجرى التفكير في العالم الإسلامي بفصل الثقافة الإسلامية عن البحث العلمي المستقل وتوجيهها في اتجاه التشدد.

لكنهم بحكمهم هذا، كما يرى بعض الدراسين، يظلمون هذا المفكر الفذ الذي كان سابقاً لعصره بقرون، ويهملون الدور الذي لعبته "المدارس النظامية" التي استحدثها الوزير في الدولة السلجوقية "نظام الملك" (1018-1092) في هذه الانتكاسة، عندما كرست جمود التفكير الإسلامي لقرون لاحقة بحجة "اتّباع الطريق المستقيم للدين".

يعد الغزالي من أكثر المفكرين تأثيراً وحضوراً في منظومات الفكر الإسلامي خلال العصر الوسيط وحتى العصور اللاحقة كما يرى المفكران الراحلان محمد أركون وعلي الوردي، خاصة أنه عاصر تقلبات فكرية وسياسية عاصفة عاشتها الأمة الإسلامية في فترة بدء الحروب الصليبية وانتشار الحركات الباطنية، فاستطاع أن يعكس في تحولاته التنوع الثقافي بجميع أنماطه في فكره وحياته، فمر بعدة مراحل تعبر عن الصراع الصاخب والشك الذي كان يعتمل في عقله المتوقد للوصول إلى اليقين الذي نذر له حياته، فكان بذلك سابقاً لديكارت، يقول:"من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في متاهات العمى"... "أشد الناس حماقة أقواهم اعتقاداً في فضل نفسه، وأثبت الناس عقلاً أشدهم اتهاماً لنفسه".

ويرجع الفضل إلى الغزالي في تسليط الضوء على المنطق بدل النفور منه دون الاطلاع عليه كما فعل سابقوه، فدرس فلسفة ابن سينا التي هي في مجملها أرسطية لينقدها لكنه توصل إلى صحة كثير منها. ولم يُعرف عنه أنه حمل على رجال الطب والفلك والعلوم البحتة، وإنما كان هجومه منصبّاً على إقحام منطق الفلسفة في الشريعة والعقيدة، وكان ينظر إلى الفلسفة من منظار "ما لا يؤخذ جُله لا يترك كله"، فكان بذلك كمن تنبأ بانفصام العلم بمفهومه الحديث عن الفلسفة كما حصل بعد ذلك، فتبنّى كروية الأرض وعِظم حجم الشمس مقارنة بها وحقيقة كسوفها وغيرها من العلوم الطبيعية التي علم قطعية صحتها.

ولد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي المعروف بالغزّالي، بطوس في بلاد فارس سنة ( 450هـ/1055م) يُكنّى بأبي حامد لولد له مات صغيراً، ويُعرف بالغزّالي نسبة إلى صناعة الغزل التي كان أبوه يعمل بها. انتقل إلى نيسابور ليلازم أبا المعالي الجويني، الذي قال عنه إنه "بحر مُغدِق"، حتى جعله لاعتزازه به مساعداً له في التدريس، وعندما ألّف الغزالي كتابه "المنخول في علم الأصول" قال له الجويني: "دفنتني وأنا حيّ، هلّا صبرتَ حتى أموت؟". فلا عجب أن يصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء بأنه "حجة الإسلام وأعجوبة الزمان... صاحب التصانيف والذكاء المفرط".

ظلت الفلسفة مؤثرة في نفس الغزالي بطريقة أو بأخرى كما يظهر في معظم مؤلفاته التي ناهزت 228 كتاباً ورسالة ما بين مطبوع ومخطوط ومفقود

لمّا بلغ 34 عاماً، رحل إلى بغداد وعمل بطلب من نظام الملك مدرساً في المدرسة النظامية، وصار مقصداً لطلاب العلم الشرعي من جميع البلدان، حتى بلغ أنه كان يجلس في مجلسه أكثر من أربعمئة من أفاضل الناس وعلمائهم يستمعون له ويكتبون عنه.

بعد أربع سنوات ضاق الغزّالي بالتدريس، وقرر اعتزال الناس والتفرغ للعبادة وتربية النفس، متأثراً بالصوفية وكتبهم، فخرج من بغداد في رحلة دامت 11 عاماً تنقل خلالها ما بين دمشق والقدس والخليل ومكة المكرمة والمدينة المنورة، وكتب خلالها كتابه المشهور "إحياء علوم الدين" كخلاصة لتجربته الروحية، واستقر بعدها في مسقط رأسه حيث توفي.

وفي هذا السياق، تبنى الفلسفة في بداية حياته قبل أن ينقلب على كثير مما جاء فيها، وأخذ بعد ذلك بعلم الكلام وأتقن أصوله ومقدماته ثم رجع عنه "بعد أن ظهر له فساده ومناقضاته ومجادلات أهله"، ثم إنه تراجع عن علم الكلام وأعرض عن "تلاعب أهله بالنصوص والأحكام"، ثم سلك مسلك التصوف الذي اختتم به حياته، ما اعتبره بعض المعاصرين، مثل المفكر الأردني الدكتور فهمي جدعان من أبرز عيوب الغزالي في مشروعه العلمي والعملي. 

ظلت الفلسفة مؤثرة في نفس الغزالي بطريقة أو بأخرى كما يظهر في معظم مؤلفاته التي ناهزت 228 كتاباً ورسالة ما بين مطبوع ومخطوط ومفقود. ففي كتابه "المستضفى من علم الأصول" دعا إلى ضرورة تخصيص مقدمة منطقية لعلم (أصول الفقه) "فهي مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحط بها فلا ثقة بعلومه أصلاً…"، وقد يكون ذلك أهم ما يميز فكره، وهذا ما عده البعض مثلبة عليه. يقول عنه معاصره أبو بكر بن العربي: "دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر". وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه، حتى قالوا: مرّضه "الشفاء" ويعنون كتاب "الشفاء" لابن سينا.

يقول عنه أبو الحسن الخطيب الفارسي، خطيب نيسابور: "كانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى، صلى الله عليه وسلم، ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين، ولو عاش لسبق الكل فى ذلك الفن، بيسير من الأيام، يستفرغه في تحصيله"

كما أخذوا عليه عدم تمحيصه الأحاديث التي يوردها كما في كتابه "إحياء علوم الدين"إلا أنه لم يعدم من ينصفه، يقول ابنُ الجوزي عن هذا الكتاب: إن الإمام الغزالي لم يتعمد الكذب على رسول، الله صلى الله عليه وسلم، حاشاه من ذلك، ولكنه نقل الأحاديث "كما اقتراها، لا أنه افتراها". ويقول عنه أبو الحسن الخطيب الفارسي، خطيب نيسابور: "كانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى، صلى الله عليه وسلم، ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين، ولو عاش لسبق الكل فى ذلك الفن، بيسير من الأيام، يستفرغه في تحصيله".

ومن أشهر كتبه في العقيدة وعلم الكلام والفلسفة والمنطق: الاقتصاد في الاعتقاد، بغية المريد في مسائل التوحيد، معيار العلم في فن المنطق. وفي علم الفقه وأصوله وعلم الجدل كتب: البسيط في الفروع، الوسيط، في فقه الإمام الشافعي، المنخول في علم الأصول، تهذيب الأصول، وله أيضاً: بداية الهداية، الأربعين في أصول الدين، المنقذ من الضلال، حقيقة القرآن، الحكمة في مخلوقات الله، جواهر القرآن ودرره.

كان آخر مؤلفاته رسالة "إلجام العوام عن علم الكلام" الذي يظهر ما استقر عليه تفكيره، يقول في مقدمتها إن غرضه من تأليفها "لإجابة من سأله عن حقيقة مذهب أهل السلف، وما دخل عليه من تشويهات أهل التشبيه والحشوية في ما يتعلق بصفات الله تعالى".

وقد أبرز الغزالي في تلك الرسالة نظرية فريدة حول خطورة انتزاع النصوص من سياقها،وتجريدها عن قرائنها، مؤكداً أن العلم الحق لا يؤخذ إلا من أهله "ولا أعني بأكابر السلف من حيث الجاه والاشتهار، ولكن من حيث الغوص على المعانيوالاطلاع على الأسرار، وربما انقلب الأمر في حق العوام واعتقدوا في الأشهر أنهالأكبر، وذلك سبب آخر من أسباب الضلال"..، مؤكداً قناعته السابقة "ضرر الدين ممن ينصره لا بطريقه أكثر من ضرره ممن يطعن فيه". 

وختم هذه الرسالة بالآية الكريمة "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (النحل: 125)، معلقاً عليها: "فالمدعوُّ بالحكمةِ إلى الحق قوم، وبالموعظة الحسنة قومٌ آخرون، وبالمجادلة الحسنة قومٌ آخرون"، وهي العبارة التي بنى عليها ابن رشد كتابَه "فصل المقال".

تتجلى عبقرية الغزالي في نظريته التربوية، وكان يرى فيها أن الأخلاق الفاضلة لا تولد مع الإنسان، وإنما يكتسبها من بيئته، ودعا إلى مراعاة الفروق الفردية في تعليم الأطفال

وتتجلى عبقرية الغزالي أيضاً في نظريته التربوية، وكان يرى فيها أن الأخلاق الفاضلة لا تولد مع الإنسان، وإنما يكتسبها من بيئته، ودعا إلى مراعاة الفروق الفردية في تعليم الأطفال، وكانت له فلسفة خاصة في الثواب والعقاب نهى فيها عن زجر المتعلم أمام الآخرين.

تُوفّي الإمام الغزالي عام 505هـ/ 1111م. ويروي شقيقه أنه لما حضرت أبا حامد الوفاة توضأ وصلّى ثم قال لهم: "عليّ بالكفن" فأخذه وقبّله، ووضعه على عينيه، وقال: "سمعاً وطاعة للدخول على الملك"، ولما دخلوا عليه وجدوه قد لحق بربه لابساً كفنه وبجوار رأسه رقعة كتب فيها مجموعة من الأبيات يقول في بعضها:
قل لإخوان رأوني ميتا فبكوني ورثوني حزنا
أتظنون بأني ميتكم ليس هذا الميت والله أنا
كنت قبل اليوم ميتا بينكم فحييت وخلعت الكفنا
قد ترحلت وخلفتكم لست أرضى داركم لي وطنا
وأنا اليوم أناجي ملكا وأرى الحق جهارا علنا

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق