حاج حمد: المنهجية القرآنية طريقاً للعالمية الثانية
09 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

الفقيد أبو القاسم حاج حمد -(ذوات)
ذوات – محمد بوشيخي

محمد أبو القاسم حاج حمد (1941-2004)، مفكر سوداني، اهتم في كتاباته بطرح تصور تجديدي للدين عبر اعتماد منهجيات حديثة تأخذ بشمولية النص وترابطاته البنيوية الداخلية مع استحضار السياق الكوني في فهمه. فشهدت أفكاره كما صاغها في أهم مؤلفه: "منهجية القرآن المعرفية"، "إبستمولوجية المعرفة الكونية "، "العالمية الإسلامية الثانية"، "الحاكمية"، "جذور المأزق الأصولي"،... على ولادة رؤية معرفية ومنهجية جديدة، تتعاطى مع منتجات التراث بعين نقدية لكن مباينة لمسالك النقد المعتمدة لدى مختلف تيارات الساحة الفكرية في العالم العربي والإسلامي.

لقد اجتهد حاج حمد في التأسيس والتأصيل لسلسلة من المفاهيم في سياق إبداع رؤية متفردة تعالج الواقع في تعدده وتموجه، وباستحضار تنوع مصادر التأثير فيه؛ فهو، كما يرى الباحث مولاي أحمد صابر، على الرغم من استفادته من التراث والغرب معا "لم يتوقف عند الموروث الثقافي الإسلامي، ليكون بذلك سلفياً يدافع عن رؤية ماضوية"، ولم ينشد إلى "الفكر الغربي المعاصر والنظريات الفلسفية المعاصرة، وينتصر لطرح أيديولوجي معين"، ويكون بذلك مفكراً حداثياً يعادي التراث الديني، كما أنه لم ينشغل "بالتوفيق أو التلفيق والحل الوسط بين معطيات الفكر الغربي الحديث وبين الموروث الفقهي الإسلامي"؛ وفي الوقت ذاته، يضيف الباحث المغربي، المهتم بفكر حاج حمد، أنه كان "رجل عرفان وتصوف بامتياز يؤمن بالرؤيا، رغم أنه لم يدون ذلك في كتبه".

المنهجية القرآنية

لقد أسس حمد منهجه على محورية القرآن الكريم وهيمنته، فتقدم في طرحه عن زملائه في "المعهد العالمي للفكر الإسلامي"، حيث كان يشغل مهام مستشار (1989-1995)، بل تسببت له تلك المنهجية في القطيعة مع المعهد بعد صدور كتابه "إبستمولوجية المعرفة الكونية – إسلامية المعرفة والمنهج"، بطلب من رئيس المركز آنذاك الدكتور طه جابر العلواني الذي عقد ندوة بالقاهرة سنة 1992 لمناقشة مضامينه.

كان حاج حمد يروم تأسيس نظام معرفي إسلامي يكون بديلاً لما تقدمه القراءات التراثية، ومن هنا موقفه النقدي بإزاء علم الأصول الذي يوفر قواعد التفكير في شتى مجالات الثقافة الإسلامية

لم يكتب للكتاب حينها مغادرة الدوائر الضيقة للمثقفين وولوج الدوائر الواسعة لعموم القراء، بعد الضجة التي أثيرت حول محتويات الكتاب، واعتبرت خارجة عن أصول الشريعة، خصوصا من طرف الدكتور محمد عمارة الذي هدد بنفض يده من المعهد العالمي للفكر الإسلامي، إن تبنى الكتاب، متهما صاحبه بالغنوصية ومحاكاة كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام" للكاتب السوداني المتصوف محمود محمد طه الذي أعدم في ظل حكم النميري عام 1985، وأيضا الدكتور جمال الدين عطية الذي "طالب بوضع ضوابط في تعامل المعهد مع الباحثين"، واعتبر من شأن مناقشة أفكار الكتاب أن تنزلق بالمعهد إلى مناقشة "أطروحة أركون وأطروحة حسن حنفي وغيرهم ممن يكتبون انطلاقاً من تفسير معين للقرآن الكريم".

وقد أدت تلك الضجة إلى تعثر نشر الكتاب، إلى غاية 2004، بعد أن اتخذ مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد المبادرة بإخراجه إلى العموم.

يتناول حاج حمد المنهجية القرآنية التي ينشدها في مؤلفه "منهجية القرآن المعرفية ـ أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية الإنسانية"، وهي منهجية لا تتجاوز السنة ولا تطمسها، بل تستوعبها لأن مرجعية السنة بالنسبة له "ضمانة للأمة وضمانة للمنهج ولهذا لا نبطل السنة النبوية قط، وإنما نضبط رواية الراوي لا بمعالجة صحة الأسانيد فقط، ولكن بتحليل نصوص المتن قياساً إلى القرآن" كما يرى أن قيمة السنة ليس فقط فيما قاله الرسول أو فعله، بل فيما لم يقله ولم يفعله أيضا، حتى يحافظ القرآن على "استمراريته وتفاعله مع متغيرات العصور النوعية، وليس التراكمية فقط".

كما أن الاشتغال على قضية "أسلمة المعرفة" في الدراسة موضوع الكتاب، كما يؤكد طه جابر العلواني، قد كشفت عن إحدى أوجه "إعجاز القرآن العظيم" المتمثلة في "بناء المنهج العلمي الكوني القادر على إعادة بناء الإنسانية". غير أن حاج حمد يرفض مسايرة اتجاه أصحاب ما يعرف ب"الإعجاز العلمي" في القرآن، لأن هذا الأخير "منهج رؤية كونية وليس مختبر علوم تطبيقية"، فرسالة القرآن أكبر من ذلك وبالتالي، فإننا –يقول حاج حمد-: "لا نريد أن يجري حملة القرآن به لاهثين وراء الاكتشافات العلمية، والاختراعات التقنية، بل نريد أن يهيمن القرآن على المناهج العلمية، والوسائل الإدراكية حتى يهدي البشرية كلها إلى التي هي أقوم".

الجمع بين القراءتين

يسعى حاج حمد، من خلال منهجيته القرآنية، إلى التأسيس النظري لأطروحة "العالمية الإسلامية الثانية" التي يقدمها كبديل عما تحفل به ساحة "الإبداع الفكري" العربي، وهي أطروحة تستند على "المعنى القرآني + المنهج + الخصائص العالمية"، وتشكل مرحلة اتصال واستمرار مع "العالمية الأولى" التي تتركب من "المبنى اللفظي للقرآن + القدوة الرسولية الحسنة + التطبيق التحويلي في إطار الخصائص المحلية".

سعى الحاج حمد إلى الدمج بين القراءتين في "كل منهجي واحد" ضمن "جدلية الغيب والإنسان والطبيعة" رغم الفارق بينهما، لذلك يشترط إعمال القراءة المنهجية والمعرفية في القرآن والواقع معاً

ويوصي في إطار مقتضيات "العالمية الإسلامية الثانية" بضرورة الجمع بين القراءتين، قراءة القرآن وقراءة الكون بشكل متلازم؛ أي قراءة كتاب الله المسطور وفق سنن كتاب الله المنظور، وذلك لموافقة "المبادئ القرآنية مع المبادئ الكونية". فالقراءة الأولى ترتبط بفهم ثنائية القرآن في "وحدته العضوية" التي تعطي منهجيته الضابطة دون "نسخ وتناسخ" في آياته وما بينها. أما القراءة الثانية، فهي مركبة على "ثنائية العقل والتجربة"، وهي ثنائية يقول عنها: "لا تبيح منهجيا أشكال التأمل الذاتي المفتوح بلا منطق منضبط تماما كالقراءة الأولى المقيدة إلى النص القرآني، والتي تبيح الركون إلى مبدأ الاستنارة الذاتية وادعاء الكشف الصوفي".

وقد سعى حمد إلى الدمج بين القراءتين في "كل منهجي واحد" ضمن "جدلية الغيب والإنسان والطبيعة" رغم الفارق بينهما، لذلك يشترط إعمال القراءة المنهجية والمعرفية في القرآن والواقع معا، بدل الاقتصار على إيجاد رابط بينهما والقول بأن "القرآن كون مسطور والواقع كون منثور". وهذا يستلزم من الباحث استيعاب "الإشكاليات المنهجية والمعرفية التي تأخذ بخناق فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية في الواقع بمنطق نقدي تحليلي، ثم يحيل تساؤلاته في مجال هذه العلوم على القرآن"، على ألا يكون الغرض من ذلك هو مجرد البحث "عن التعارض أو التوافق"، بل البحث عن الفهم الكوني الذي يأخذ ب"جدلية الغيب والإنسان والطبيعة" في مركبات هذه العلوم.

كما أن المفكر السوداني، حسب تعليق عبد الجبار الرفاعي، يبحث "جدلية الغيب والإنسان والطبيعة" من خلال مرجعية قرآنية، وعبر توظيف محترف لأدوات العلوم الإنسانية الحديثة ومناهجها "دون خشية أو ارتياب مما يفضي إليه هذا التوظيف، من تبلور رؤى ومفاهيم لا تتطابق تماماً مع ما يحفل به الموروث".

العلوم الشرعية

تمتد رؤية حاج حمد لمنظومة العلوم الشرعية بمحاولته رصد محدودية أفقها وقصور منهجها في الاستدلال واستنباط الحكم الشرعي، فحاج حمد، كما يرى الباحث عبد القدوس أنحاس، يعيب على الباحثين زيغهم عن محجة أبي إسحاق الشاطبي، في إخضاعه النص الشرعي "لجراحات نفسية وذهنية واجتماعية"، مما حدا به إلى "دمج المعرفة الإنسانية بالتجارب الواقعية عبر نسق جدلي أعلنه في قاعدته المشهورة: إنما يكون الاستدلال بنصوص الشريعة صحيحا، فقط إذا كان جاريا مجرى الافتقار لا مجرى الاستظهار". كما يرى الباحث ذاته أن حمد تصدى لمعالجة مظاهر المشكلة الفكرية بطرحه للنقاش عدد من الأصول الشرعية المرتبطة بالقرآن "كالمكي والمدني والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول... أو بعض أصول الاستدلال والاستمداد التراثي كالإسرائيليات والروايات الحديثية والشروح والاجتهادات الفقهية".

فحمد كان يروم تأسيس نظام معرفي إسلامي يكون بديلاً لما تقدمه القراءات التراثية، ومن هنا موقفه النقدي بإزاء علم الأصول الذي يوفر قواعد التفكير في شتى مجالات الثقافة الإسلامية. وهذا ما توقف عنده مطولا طه جابر العلواني في تقديمه لكتاب حمد المعنون ب"منهجية القرآن المعرفية"، حيث يعيب على الأصوليين قصر اهتمامهم فيما يتعلق بالإنسان "على جانب تعلق الخطاب التكليفي به"، مما جعل اهتمامهم "ينصب علي قضايا (أهلية التكليف) وخوارم هذه الأهلية وشروطها وعوارضها بشكل أدى إلى قراءة الخطاب الإلهي قراءة واحدة وجزئية"، كما يعيب عليهم انحرافهم على "المنهجية القرآنية" عبر قصور مباحثهم على الجدل العقيم في "مصادر التقويم للفعل الإنساني، وما إذا كانت تلك المصادر شرعية أو عقلية، فاستتبع ذلك الجدل فصاماً بين النقل والعقل كانت له أفدح الآثار على الفكر الإسلامي" وذلك بدل التعمق في الفعل الإنساني من "ناحية آثاره العمرانية والحضارية".

كما تعرض الشيخ العلواني، عند تقديمه لكتاب حمد، عند تفسير الأصوليين للحكم الشرعي وتأكيدهم على أن "الخطاب الإلهي القرآني خطاب عام شامل يتناول الجنس البشري"، غير أنهم رغم تأكيدهم على العموم وتفصيلهم لقضاياه فإنهم اختلفوا، حين تناولوهم للقضايا الفقهية الجزئية، "في تناول الخطاب القرآني الإلهي بفروع الشريعة لغير المسلمين"، فألقى هذا الخلاف بظلاله "على عموم الخطاب القرآني وشموله للناس كافة"، وانعكست آثاره "على عالمية الخطاب القرآني"، كما أفرزت الكثير من القضايا "التي كان على العقل المسلم أن يكون في منأى عنها".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق