الشريف الادريسي: الجغرافيا خادمة للحضارة
13 يناير 2015 | 0 تعليق

خريطة من خرائط الإدريسي - (أرشيفية)
ذوات – محمد بوشيخي

اسمه الكامل أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس، ولد بمدينة سبة السليبة شمال المغرب، اختلف في تاريخ ولادته والراجح أنها سنة 493هـ (الموافق لسنة 1100م) وبها توفي سنة 559هـ (الموافق لسنة 1164). عرف بتنوع اهتماماته العلمية، واشتمالها لفنون من الأدب والتاريخ والفلسفة والفلك، غير أنه اشتهر بإبداعه في علم الجغرافيا حتى صار يعد أحد أكبر علمائها.

رحل إلى صقلية، عام 1145، أي بعد سقوط الحكم الاسلامي بجزيرة صقلية، تحت ضربات الجيوش النورماندية، طامحاً في العلم والمعرفة التي أبدى الملك النورماندي "روجر الثاني" (1097-1154) اهتماما بالغا بها، وهناك لقب ب"الصقلي" حيث اتخذها موطنا له، ولعله لهذا السبب يميل عدد من الدارسين إلى فصله عن علماء المغرب، خصوصا وأنه انخرط في بلاط الحكم هناك ورضي بنظامه والعيش في كنفه.

ولعل إثراءه في مدح الملك روجر خير برهان على اطمئنانه على نظام حكمه وهذا ما يلتقط من مقدمة كتابه الشهير "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، حيث جاء فيها إن "أفضل ما عني به الناظر واستعمل فيه الأفكار والخواطر ما سبق إليه الملك المعظم رجار [روجر] المعتز بالله المقتدر بقدرته ملك صقلية وإيطاليا وانكيردة وقلورية" ووصفه بإنه "إمام رومية الناصر للملة النصرانية إذ هو خير من ملك الروم بسطا وقبضا وصرف الأمور على إرادته إبراما ونقضا ودان في ملته بدين العدل واشتمل عليهم بكنف التطول والفضل وقام بأسباب مملكته أحسن قيام وأجرى سنن دولته على أفضل نظام".

وقد ترك الإدريسي تراثاً علميا هاما تضمنته عددً من كتبه، منها كتاب "روض الأنس ونزهة النفس" المعروف أيضاً بعنوان "كتاب الممالك والمسالك" الذي ألفه استجابة لطلب الملك "غليوم"، ثم كتاب "صفة بلاد المغرب" و"روض الفرج ونزهة المهج"، وغيرها.

غير أن أبرز مؤلفاته هو كتابه السالف الذكر "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، الذي تعود فكرته إلى الملك "روجر" الذي أوحى للإدريسي وضع مؤلف في الجغرافيا مصحوباً بخريطة للعالم وكرة مصنوعة من الفضة "منقوش عليها صورة الأقاليم السبعة"، وذلك بعد أن توسعت حدود مملكته حتى يتمكن من معرفة "كيفيات بلاده حقيقة، ويقتلها يقينا وخبرة ويعلم حدودهاومسالكها برًا وبحرًا وفي أي إقليم هي وما يخصها من البحار والخلجان الكائنة بها مع معرفة غيرها من البلاد والأقطار في الأقاليم السبعة"؛فاستجاب الادريسي لدعوة الملك بتحرير كتاب سمي ب"كتاب روجر" غير أنه اشتهر باسم "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" وهو الكتاب الذي رأى النور سنة 1154، نفس سنة رحيل الملك، وقال عنه البعض بأنه ظل "مرجعا لعلماء أوربا مدة زادت على 300 سنة" وتضمن أول خريطة للعالم قريبة من الواقع. 

وصف الدكتور محمد بشير حسن راضي العامري كتاب الادريسي بأنه "تضمن مظاهر حضارية في الجانب الديني والثقافي والاجتماعي والسياسي والعسكري، وعادات وتقاليد واعياد ومناسبات وحوار حضارات للتواصل بين أفكار الأمم والشعوب في القرون قبل وفاة الادريسي

وقد وصف الدكتور محمد بشير حسن راضي العامري كتاب الادريسي بأنه "تضمن مظاهر حضارية في الجانب الديني والثقافي والاجتماعي والسياسي والعسكري، وعادات وتقاليد واعياد ومناسبات وحوار حضارات للتواصل بين أفكار الأمم والشعوب في القرون قبل وفاة الادريسي عام 560هـ"

وعن شكل الأرض يقول الإدريسي أنها "في ذاتها مستديرة لكنها غير صادقة الاستدارة فمنها منخفض ومرتفع والماء يجري فيها من أرفعها إلى أخفضها والبحر المحيط يحيط بنصف الأرض إحاطة متصلة دائرتها كالمنطقة لا يظهر منها إلا نصفها"، ويشبهها بالقول وكأنها "عند الصفة بيضة مغرقة في الماء والماء في طست فكذلك الأرض نصفها مغرق في البحر والبحر يحيط به الهواء والهواء دافع لهما أو جادب كالذي قلناه قبل هذا".

إن الأرض كما تصورها الإدريسي في ذلك الوقت كروية الشكل، وعزز تصوره بما كان سائداً من قبله في بعض الأوساط العلمية بقوله "إن الذي تحصّل من كلام الفلاسفة وجلة العلماء وأهل النظر في علم الهيئة أن الأرض مدورة كتدوير الكرة والماء لاصق بها وراكد عليها ركودا طبيعيا لا يفارقها والأرض والماء مستقران في جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة ووضعهما وضع متوسط والنسيم محيط بهما من جميع جهاتهما وهو لهما جاذب إلى جهة الفلك أو دافع لهما والله أعلم بحقيقة ذلك".

كما يرى أن "الأرض مقسومة بقسمين بينهما خط الاستواء وهو من المشرق إلى المغرب وهذا هو طول الأرض وهو أكبر خط في الكرة كما أن منطقة البروج أكبر خط في الفلك"، ويقول عن استدارة الأرض أنها "في موضع خط الاستواء ثلاث مائة وستون درجة والدرجة خمس وعشرون فرسخا". ويجزم الإدريسي في كتابه بأن الجزء الشمالي فقط هو المأهول بالسكان بقوله "أن العمارة في الأرض بعد خط الاستواء أربع وستون درجة والباقي من الأرض خلاء لا عمارة فيه لشدة البرد والجمود والخلق بجملته على الربع الشمالي من الأرض"، أما الربع الجنوبي فهو "غير مسكون ولا معمور لشدة الحر به دائما" فأدت ظروفه المناخية إلى جفاف مياهه وانقراض حيوانه ونباته "لعدم الرطوبة لأنه لا يكون الحيوان والنبات أبدا إلا حيث تكون المياه والرطوبات".

لذلك فإن ما شكل نطاق اشتغال الادريسي، في كتابه، لم يتجاوز الحيز الجغرافي للربع المسكون من الأرض الذي قسمه العلماء إلى "سبعة أقاليم كل إقليم منها مدار من المغرب إلى المشرق على خط الاستواء".

اجتهد الادريسي في وضع تصميم للكرة الأرضية يتناول هذه الأقاليم السبعة نزولا عند طلب الملك إليه، وقد تحدثت عنها عدد من المصادر في ذلك الوقت وفصلت في شكلها وصورتها

وقد اجتهد الادريسي في وضع تصميم للكرة الأرضية يتناول هذه الأقاليم السبعة نزولا عند طلب الملك إليه، وقد تحدثت عنها عدد من المصادر في ذلك الوقت وفصلت في شكلها وصورتها، غير أن عددا من الدراسات تذهب إلى أنها أتلفت، بقصر الملك في صقلية، بفعل الاضطرابات التي شهدتها المدينة سنة 555هـ الموافق لسنة 1160م.

وقد ذكر الإدريسي في مقدمة كتابه أن الملك طلب منه إنجاز تلك الكرة، سنة 548هـ، بعدما يئس من تكرار أقوال علماء عصره لأقوال من سبقهم من أهل العلم، "فلم يجد عندهم علما أكثر مما في الكتب المذكورة"، حينها استدرك الأمر فضم إليه كبار العلماء وقربهم إليه وكان منهم الادريسي الذي أخد نجمه يسطع من بينهم فأمر "بأن تفرغ له من الفضة الخالصة دائرة مفصلة عظيمة الجرم ضخمة الجسم في وزن اربع مائة رطل بالرومي في كل رطل منها مائة درهم واثنا عشردرهمًا فلما كملت أمر الفعلة أن ينقشوا فيها صور الأقاليم السبعة ببلادها وأقطارها وريفهاوخلجانها وبحارها ومجاري مياهها ومواقع أنهارها وعامرها وغامرها وما بين كل بلدمنها وبين غيره من الطرقات المطروقة والأميال المحدودة والمسافات المشهورة،والمراسي المعروفة، على نص ما يخرج إليهم مثلاً في لوح الترسيم، ولا يغادروا منهشيئًا ويأتوا به على هيئته وشكله".

وبخصوص منهجه العلمي في تصميم الخرائط فإنه، حسب ما جاء في "الموسوعة العربية العالمية"، يعد من أبرز من عاد إلى المنهج التقليدي اليوناني في تقسيمه العالم إلى سبعة أقاليم فلكية، حيث كان يسود من قبله منهج الجغرافيا الإقليمية وفق مفهوم جديد مع من عرفوا بالجغرافيين الإقليميين، ويمثلهم كل من أبوزيدالبلخي والإصطخري، وابن حوقل، والمقدسي. فالإدريسي اختلف مع هؤلاء حيث التزم في تصميم خرائطه على "مقياس الرسم، وتحديد مواضع خطوط الطول، ودوائر العرض، والتزم بالشكل الواقعيللمنطقة الجغرافية التي يعنيها"، كما أنه رسم خريطته للعالم على أساس كروية الأرض في وقت كان يسود خلاله "الاعتقاد الجازم بأنها مسطحة". كما جاء في ذات الموسوعة أيضا أن كتابه تضمن سبعين خريطة فضلا عن خريطة العالم الدائرية المألوفة، كما أنه "قسم كل إقليمإلى عشرة أقسام رأسية أفرد لكل منها خريطة"، وقد جمعها كلها مولر "وكوّن منها خريطةواحدة بلغت مساحتها مترين مربعين".

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق