ناصيف نصار من الاستقلال الفلسفي إلى فلسفة الحضور
26 اغسطس 2015 | 0 تعليق

غلاف الكتاب – (ذوات)
ذوات

يَعتبرالمفكر اللبناني ناصيف نصار أن الاستقلال الفلسفي الذي يصبو إليه يعوّق تحقيقه التفكير الأيديولوجي. ففيما يتحدّد هذا التفكير بأنه يهتمّ بالانسان المخصوص ضمن جماعة معيّنة في نطاق تاريخ محدّد، يتحدّد التفكير الفلسفي بكونه يعنى بالإنسان عموماً بغضّ النظر عن لونه وعرقه وانتمائه الاجتماعي.

 ويرى كما يصوره المشاركون، في الندوة الفكرية التي نظمتها شعبة الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية – بنمسيك بالدار البيضاء (جامعة الحسن الثاني)، على اختلاف مقارباتهم، أن الفارق المنهجي بين التفكيرين هو الطابع النقدي للفكر الفلسفي، والطابع اليقيني والعقدي للأيديولوجيا. ويعطي نصار أمثلة كثيرة لإبراز الطابع العقدي في كل منظومة أيديولوجية. فالماركسية تتضمّن الإيمان بالرسالة الخلاصية للبروليتاريا، والنازية تصادر الإيمان بالرسالة الحضارية للعرق الجرماني، والقومية البعثية العربية تصادر الإيمان برسالة الأمة العربية الخالدة، والصهيونية تؤمن إيماناً أعمى برسالة الشعب اليهودي المختار.

وصدرت أبحاث الندوة في كتاب، في 349 صفحة من القطع الوسط، عن مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان "ناصيف نصّارمن الاستقلال الفلسفي إلى فلسفة الحضور". وتناول الكتاب مختلف المسائل الفكرية التي اشتغل عليها نصار. أما المشاركون في الندوة، فهم: أنطوان سيف، عبد الإله بلقزيز، عبد اللطيف فتح الدين، عبد المجيد الجهاد، محمد زريق، محمد سبيلا، محمد الشيخ، محمد المصباحي، محمد نور الدين أفاية، ناصيف نصّار، نبيل فازيو.

ويمكن اختصار مشروع نصار الفلسفي بالقول إنه يتشكّل بداية من توضيح العلاقة بين الفلسفة وتاريخها، والعلاقة بين الفلسفة والأيديولوجيا، وهذا ما تؤكّده، كما يرى موريس أبو ناضر، الكتب الثلاثة التي نشرها حول موضوعة الأيديولوجيا في علاقتها الملتبسة بالفلسفة، وبخاصة انعكاس هذا الالتباس على الاستقلال الفلسفي العربي، لأن "الطريق الرئيسية إلى الأمثلة المركزية في النهضة العربية الثانية... هي طريق الفلسفة"، ولأن الفلسفة كما يقول، هي "الفكر العقلي في أرقى مراتبه وأعمق إدراكاته، وأوسع تصوّراته".

والنهضة العربية الثانية التي يسعى إلى المشاركة في بنائها ناصيف نصار، لا تكون متينة إلا إذا تأسّست على الاستقلال الفلسفي، الاستقلال لجهة عدم الإذعان إلى تاريخ الفلسفة، والاستقلال لجهة الخلاص من العقد النفسية التي سيطرت على المسار الفلسفي عند العرب لتأثرهم بالغرب.

يلخّص نصار مقولته بهذا الشأن بقوله: "يمكن ردّ مختلف المواقف من تاريخ الفلسفة إلى موقفين. موقف التبعية، وموقف الاستقلال. أما التابعون أو التبعيون فإنهم ينقسمون الى قسمين: التابعون لتاريخ الفلسفة الوسيطة، والتابعون لتاريخ الفلسفة الغربية المعاصرة. أما التابعون لتاريخ الفلسفة الوسيطة؛ فهم على العموم أشدّ تقليداً، ومحافظة، وأقلّ تنوّعاً، ولكنهم جميعاً على اختلاف نزعاتهم أهل اقتباس، أكثر مما هم أهل ابتكار".

وفي تناوله لكتاب نصار"الذات والحضور"، قال الباحث التونسي د. محمد المصباحي إننصار فيلسوف حقيقي. أولاً لأنه مؤمن بالفلسفة، وإن كان إيمانه بها لا يمنعه من أن ينفتح على التحليل الأيديولوجي، وعلى الرؤية الدينية إلخ. وقد دفعه إيمانه بدور الفلسفة في خلق وجود جديد للتاريخ العربي، إلى اعتبار الفلسفة شرطاً لضمان نجاح النهضة العربية الثانية. واللافت للنظر أن نصار كان استثناء بين المفكرين العرب، حيث، على الرغم من اهتمامه بابن خلدون، لم يُصب بعدوى مناهضة الفلسفة التي ينشرها صاحب المقدمة في كل من عُني بفكره، كالجابري والعمروي وأومليل.

وهو فيلسوف حقيقي، من جهة ثانية، لكونه أصرّ، وبعناد كبير، على تجديد القول الفلسفي العربي على مستوى الإشكالية واللغة والمنهج. وتجلى تجديده خاصة في محاولته إعادة تحديد غاية الفلسفة، بأن جعلها خادمة للمدينة لا للملة، أي جعل الفلسفة خادمة للسياسة، باعتبارها عدالة، لا للأيديولوجيا غير أن ما يميز مشروع ناصيف نصار عن مشروع الفارابي هو أنه لم يكتف بإعادة قراءة وتأويل نصوص الفلاسفة السابقين عليه أو المعاصرين له، بل أقدم، بجرأة ومثابرة ومكابدة، على مواجهة القضايا التي تواجهها إنسانية اليوم، من خلال الإنسان العربي بتحليل وتركيب جدلي ذي نفَس فلسفي عال.

وثالثاً، هو فيلسوف حقيقي، لأنه أبى إلا أن يوجه خطابه إلى الانسانية بعامة، بأن يضفي عليه مضموناً كونياً غير منحاز لملة دون أخرى، أو لقومية أو أمة دون أخرى. كان حريصاً، في كتاباته الأخيرة، على أن تكون فلسفته إنسانية وليست فلسفة جهوية، أي أنه كان يبحث عن الحق من أجل ذاته، لا تسخيره لقضاء مآرب سياسية أو أيديولوجية. وبهذه الجهة، قد تُتهم فلسفة نصار بأنها فلسفة تجريدية ومتعالية عن الجمهور، ولكنها في حقيقة الأمر كانت تنطلق من الإنسان العربي، ومن اللغة العربية، ومن الالتزام بالمصير العربي. بهذا تكون قد تحررت من ضيق الأفق الأيديولوجي لتتوجه بخطابها إلى الإنسان بما هو إنسان.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق