هيجل: مهمة الفلسفة تطهير العقل وتحريره
09 ديسمبر 2014 | 0 تعليق
الفيلسوف الألماني هيجل-(أرشيفية)
نقش الفيلسوف الألماني جورج ويليام فريديريك هيجل اسمه في قاموس أعظم الفلاسفة تأثيراً في تاريخ الفلسفة، وتجاوز صداه حدود ألمانيا، وكانت له آراء خاصة في الحرية والقانون والتاريخ والدولة والفن والجمال، والدين، والعلم، والسياسة، كما كان لفلسفته أثر كبير في تاريخ المعرفة البشرية، فخلفاؤه الفلاسفة لم يسلموا من سطوة وسحر فكره وتأثيره، حيث تأثروا بنسقه الفلسفي الذي كان متكاملاً، والذي حاول من خلاله التعبيرعلى الوجود حقيقي؛ أي وجود العقل أو ما سماه بـ"الروح الكلية"، فالعقل الواعي هوالموجود الحقيقي، وهوالعقل الذي يتحرك بحرية، ومهمة الفلسفة تطهير العقل وتحريره.
لا شك أن الفيلسوف الألماني الذي ولد في شتوتغارت في27 أغسطس(آب) عام1770 في فورتيمبيرغ، التي تقع في المنطقة الجنوبية الغربيةِ من ألمانيا، يعد فخراً ليس فقط للألمان، بل رمزاً يحتذى به في تاريخ المعرفة البشرية، حيث عرف بأعماله كأهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.
كانت عائلة هيجل تنتمي إلى البورجوازية الصغيرة، حيث عمل والده موظفاً في الدولة البروسية، وتعلم هيجل في الثانوية بشتوتغارت مسقط رأسه، بعدها دخل إلى كلية الإلهيات الشهيرة في مدينة توبنغين، حيث درس هناك التاريخ وفقه اللغة الألمانية والرياضيات، صحبة هولدرلين، الذي أصبح من أصدقائه المقربين، والذي أصبح شاعراً مشهوراً، حيث نشأت بينهما صداقة حميمية وعميقة، ، بعدها أتم هيجل تعليمه في توبينغر شتيفت، وهي كلية الكنيسة البروتستانتية في فورتيمبيرغ، الفضاء الذي مكنه من التعرف وربطت صداقات مع فلاسفة المستقبل فريدريك شيلنغ وفريدريك هولدرلين، كما تعرف على أعمال فلسفية أثرت فيه وسحرته، مثل أعمال سبينوزا، كانط، وروسو، والإنتاجات التي دارت حول الثورة الفرنسية.
يتسم أسلوب الفيلسوف هيجل بالتجريد والتعقيد وكثرة المصطلحات، و"يتأسس مذهبه على نظرية وحدة الوجود، فالصيرورة نحو المطلق هي الوجود الحقيقي، كما أن وجود الفكرة المطلقة لا يتم إلا إذا تعين وتجسد في العالم، وهذا التجسد يعني التوحد. ويطرح هيجل المسألة طرحاً جدلياً: القضية، النقيض، التركيب، فالقضية لا يمكن أن توجد وحدها وإلا كانت خواء وفراغا، كما أن العالم المادي(النقيض) لا يكتسب كماله إلا بتجسد الفكرة فيه، وبالتالي وجب الاتحاد(التركيب) بينهما" كما جاء في قاموس الفلاسفة للكاتب هاشم كمال.
ويرى هيجل أن الفلسفة الحديثة، والثقافة، والمجتمعَ عناصر مشحونة بالتناقضاتِ والتَوَتّراتِ، كما هي الحال بالنسبة للتناقضات بين الموضوعِ وجسمِ المعرفةِ، بين العقلِ والطبيعةِ، بين الذات والآخر، بين الحرية والسلطة، بين المعرفة والإيمان، وأخيراً بين التنوير والرومانسية. أما في مجال نظرية الحق، فهو يعتبر أن الدولة مشيئة الله على الأرض، وهي غاية المجتمع والأسرة، وهي تحقيق للروح الكلي، ويقصد بذلك الدولة المثالية، حيث يقول إن احترامها من احترام الله. كما أن تحقيق الروح المطلقة غاية الدولة، والتي يبقى دورها الأساس في تهييئ الفرد، وهو ما ينمي ملكاته ويمنحه المعرفة، ويتيح له ممارسة ذاته والتعبير عنها.
ويؤمن هيجل أن الإنسان يكتسب الوعي بالدين ويحقق في الفن المثل الأعلى، لأن فيه تنتصر الفكرة على المادة التي هي مجرد فضاء لتجسيدها، لذلك هي أرفع وأجمل من أن تقتصر في المادة، كما أن الدين إدراك للمطلق في الباطن، والفن تعبير عنه في الظاهر، إذ إن الفن دين غير كامل في حين أن الدين فن متكامل، إلا أن الدين جعل الإله مفارقاً بينما تصورته الفلسفة وفكرت فيه وطرحته في شكل مفهوم الإله، فإذا كان كل من الفن والدين وليدا العاطفة والخيال، فإن الفلسفة انتصار للعقل،لأن الثقافة الإنسانية تصل إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه مع الفلسفة،لأن كل الفلسفات ما هما إلا سلسلة من التقدم نحو هذا التحقيق، وبهذا الصدد يقول هيجل:" إذا كان من اللازم أن تنشأ الفلسفة عند شعب من الشعوب، فإنه من الضروري أن يكون قد حدث تصدع في عالم الواقع، حينئذ تصلح الفلسفة بالفكر ما بدأ يفسد. إن هذه المصالحة تحدث في عالم الفكر، عالم الذهن الذي يلجأ إليه الإنسان عندما يتقزز من عالم الأرض. إن الفلسفة تبدأ بخراب عالم الواقع. وعندما تظهر لنشر أفكارها المجردة... فإن اللون الطري لشبابها؛ أي لجانبها الحيوي يكون قد انقرض... وهكذا، فإن اليونان ابتعدوا عن الدولة عندما بدؤوا في التفكير، وبدؤوا في التفكير عندما أصبح كل شيء في الخارج في العالم مظطرباً وبئيساً...فالفلسفة لا تظهر إلا عندما يظهر عدم الارتياح للحياة العامة في المجتمع، فلم تعد تثير هذه الأخيرة اهتمام الشعب، وعندما يتعذر على المواطن أن يسهم في إدارة الدولة".
يتمثل المنطق عند هيجل في الفكرة الشاملة التي تجمع كل الفلسفات، وتقوم فلسفته المثالية على اعتبار أن الوعي سابق للمادة، على خلاف للفلسفة الماركسية التي تقوم مبدأ اعتبار أن المادة سابقة للوعي، وهي من تحدد مداركه وبالتالي، فتطور الوعي مرتبط بتطور المادة المحيطة بالإنسان، فهيجل أوضح مواطن الضعف في الفلسفة المادية الماركسية، حيث إنها لا تستطيع ،النظرية الماركسية، بماديتها تفسير كل ما يدركه الوعي، لأنها تفترض - على المطلق - بأن الوعي هو انعكاس كامل عن المادة، لأن ماهية بعض المبادئ كالحق والعدالة والرحمة لايمكن تفسيرها دائماً بالعودة للمادة، وحتى لو عدنا إليها، فلن تكون هناك أية مواد مزودة للوعي الإنساني لتلك المفاهيم، لأنه هناك "حقائق مطلقة" في هذا الكون كما أسماها هيجل.
كما يعمل العقل البشري بكل من المادة والوعي ضمن علاقة مركبة بينهما، ويسعى لاكتشاف تلك الحقائق والنواميس، التي تجتاز في حقيقتها وماهيتها حدود المادة القاصرة نفسها.
في فلسفته "استعاض هيجل عن المنطق الصوري بمنطق مادي، حيث نبذ التفرقة الشاملة بين مقولات الفكر وصوره، وبين مضمونها، فإذا كان المنطق التقليدي ينظر إلى هذه المقولات والصورعلى أنها صحيحة، إذا كانت قد تكونت بطريقة سليمة وكان استخدامها متفقاً مع القوانين النهائية للفكروقواعد القياس أيا كان المضمون الذي تطبق عليه، فإن هيجل ذهب إلى عكس ذلك، حينما اعتبر أن مقولات الفكر وأحواله تستمد من مسار الواقع الذي ينتمي إليه وصورتها تتحدد ببنيان هذا المسار" كما جاء في دراسة للدكتور إكرام فهمي حسين في مجلة كلية الآداب بجامعة حلوان. استطاع الفيلسوف هيجل الإجابة عن سؤال هل يستطيع العقل أن يقوم بدور ثوري في حياة الإنسان؟، وإذا كان كذلك، فما حدوده التي لا يتعداها؟ ففي حين أن الفلاسفة اليونانيين القدامى وعلى رأسهم الفيلسوف بارمينديس، تطرقوا لفكرة أن العقل والثبات مرتبطان بالسكون، فلقد أنكروا ظاهرة الحركة، حتى أرسطو وأفلاطون اللذان كان العقل عندهما قوة كونية توجه كل شيء نحو غايته المحددة مقدماً، وظلت هذه النظرة للعقل طوال العصور ثابتة، حتى أصبحت من الأمور البديهية، غير أن هيجل غير كل شيء وقلب الأمور رأساً على عقب، فلقد تمكن من ترجمة آرائه من اللغة إلى الواقع، وتجاوزت مثاليته الحد الفاصل بين الفكر والواقع، وجعلت الفكر منبثاً في قلب الواقع.
أيد هيجل فلسفة أفلاطون في ترابط الحسي بالعقلي، حيث حاول إثبات أن الانفصال بين الحسي والعقلي ليس مطلقاً، بل هو تجلٍّ لعلاقة متداخلة. وأن المعرفة بكليتها ناتجة عن تلك العلاقة المتداخلة بين الحسي والعقلي. ومن هذا الأساس الجدلي، نشأت فكرته عن الوحدة المطلقة بين الفكر والوجود، وشكلت الأساس الذي قامت عليه فلسفته برمتها.
لهيغل إرث فكري غني، حيث ترك ما يربو على عشرين مجلداً نشرت بالألمانية، وترجم معظمها إلى عدة لغات، ومنها: "المدخل إلى علم الجمال: فكرة الجمال"، "ظاهريات الروح"، "علم ظهور العقل" (الفصول الأربعة الأولى) (1980)، "فنومينولوجيا الروح"، "محاضرات في تاريخ فلسفة، "أصول فلسفة الحق"، "محاضرات في فلسفة التاريخ: العقل في التاريخ"، و"حياة يسوع".
مات هيغل بمرض الكوليرا عام 1831. أما كتبه عن الجماليات وفلسفة الدين وفلسفة التاريخ، فلم تنشر إلا بعد موته، وبقي إرثه الفكري مرجعاً تاريخياً في الفلسفة المعاصرة.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

