معالم تأزم الدين والعلم في المجتمعات الإسلامية المعاصرة
03 فبراير 2015 | 0 تعليق
أجرام سماوية طالما حيرت العلماء -(أرشيفية)
من المعلوم أن أزمة الدين والعلم، والمتفرعة بدورها عن جدلية النص والعقل أو التراث والحداثة وغيرها من الجدليات، من أهم الإشكالات التي تؤرق عقل العالم الإسلامي منذ قرون مضت. وفي هذا السياق، تأتي هذه الدراسة للباحث المغربي محمد بنتاجة، تحت عنوان "أزمة الدين والعلم في المجتمعات الإسلامية المعاصرة" ونشرت في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.
وتروم الدراسة رصد عجز المجتمعات الإسلامية المعاصرة عن تجديد بنياتها الفكرية والعلمية وتحديثها بسبب غياب التصور المرجعي النهائي المعصوم الذي يخلق الدافع الإيجابي: النفسي والأخلاقي لدى المؤسسات العلمية من أجل تنمية آليات اشتغالها وإنتاج المعرفة والتقدم بهذه المجتمعات إلى مراتب السمو والعلو الحضاريين.
ويقصد الباحث بالمرجع النهائي المعصوم ما يصفه بمجموع الرؤى الفلسفية والمرجعيات العقدية التي تقف خلف الصرح العلمي، وليس ثمة مرجع معصوم أجدر بخلق الدفع الإيجابي للعلم من دين الإسلام (العلم الديني)؛ وذلك لقدرته اللا متناهية على استيعاب كل أسباب التفوق العلمي، بل وصبغها بصبغة الإلزام العقديّ بجعلها مطلباً دينياً يلح على العقل المسلم تقديم كل القرابين والتضحيات اللازمة لتفعيله، خدمة للهدف الأسمى من الخلق وتحقيقا للعزة الإسلامية وإعلاء كلمة الله في الأرض.
وواضح أنه بالنظر إلى واقع العلم في المجتمعات الإسلامية، فإننا نعاين فقراً في البعد المرجعي لدى مؤسساتنا العلمية، وفي أكثر الأحيان تتم علمنة المجهود العلمي وفصله عن سياقه الديني والثقافي الذي يتبناه مجتمعه، ليرتمي به في أحضان المعرفة الوضعية العلمانية الغربية التي تفصل المنهج الإمبيريقي عن الوحي الإلهي، وتفرض ثنائية تقابلية أسطورية قوّضت ركائز العلم وأفقرته من كل باب من أبواب المعنى والرمزية والقيمة الأخلاقية؛ حتى صار وسيلة من وسائل الهيمنة الظالمة والقمع واستيلاب الضعفاء وتخريب الكون، بدل أن يكون وسيلة من وسائل الإعمار وطريقة من طرائق الوصول إلى الخالق والتعرف على عظمته وتعالي صفاته جلّ في علاه.
وتفرعت دراسة الباحث بنتاجة على ثلاثة محاور: العلم والإيديولوجيا.. التوحيد كبديل معرفي؛ تراجع العلم الديني وعلمنة العلم الطبيعي في المجتمعات الإسلامية المعاصرة؛ تبعات العلمنة وإقصاء دور العلم الديني.
في المحور الأول، يرى الباحث أن المعرفة في عصر ما بعد الحداثة باتت تشهد طفرات من الارتجاع المنكوس ضدا على تغول العقل وغروره الذي قتل الظاهرة الإنسانية وأفرغ الوجود من محتواه وربطه بظلمات المادة بعيدا عن الروح ومجالاتها، فانتكست المعرفة في عالم من الفوضى والقلق المفضيين إلى الموت المأساوي-على حد تعبير نيتشه. وها هو الفيلسوف فيراباند بول، وهو من فلاسفة ما بعد الحداثة، يدعو إلى ما يسمى بنظرية الفوضى. وقد ألف كتابا بعنوان "ضد المنهج"، ودعا إلى إعادة الاعتبار إلى التنجيم والكهانة والأساطير. وهذا انعكاس ارتجاعي لأزمة العقل الغربي الذي كانت الحداثة قد رفعته إلى مستوى التقديس، أثبت بعد ذلك فشله في حل أزمات الإنسان الغربي وتحقيق السعادة المنشودة له. وقد ألف فيراباند كذلك كتابا بعنوان "وداعا للعقل"، حارب فيه العقل والموضوعية، وادعى أن العلم ليس أدق ولا أنفذ من الأسطورة، ونفى أي شيء يسمى الحقيقة، وكأنه إعادة للمثالية الألمانية عند كانط؛ لكن في حالة من الإحباط والعجز التام عن التماس المخرج.
ويخلص الباحث، في خاتمة المحور الأول، إلى أن القرآن الكريم يُحدّد معالم الخير أولا من خلال مرجعية أساسية في نظرية المعرفة الإسلامية، ألا وهي إرضاء الله تعالى؛ فكل معرفة تغضب الله فهي مرفوضة. لنتساءل كيف ترضي معرفتنا الله تعالى؟
في المحور الثاني، يرى الباحث أن الرؤية الإسلامية خلال القرنين الماضيين كانت هي السائدة في مؤسستنا العلمية؛ غير أن الحقبة التالية شهدت هيمنة النمط العلماني من العلوم المعرفية، وهو ما يدعو إلى التساؤل عن سبب تنازل المعرفة الدينية عن موقعها لصالح المعرفة العلمانية في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة، رغم فقر هذه الأخيرة على مستوى مصادر الاستمداد المعرفي والقائم على الوجود المادي كمصدر وحيد للمعرفة في مقابل غنى المعرفة الدينية وتنوعها وتكاملها في مصادرها واستمداداتها العلمية المتمثلة في الوحي الإلهي (عالم الغيب) والوجود الكوني (عالم الشهادة).
ويضيف الباحث أن مسار العلم في المجتمعات الإسلامية كان يشهد ضعفا شديدا بعد فترة الازدهار الأولى، ولم يعد يتمتع حينئذ بما يفترض فيه من شمولية (فغابت ضمنه مثلا البحوث الطبيعية)؛ مع أن ذلك مما أكد عليه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وأنه ثانياً كون العلوم الغربية التي نقلت إلى العالم الإسلامي كانت قد مرّت بمنعطف العلمنة، فإن العلمانية ظهرت في العالم الإسلامي عبر ذلك الاستيراد الناقص والمشوه لعلوم الغرب. وفي ضوء تعارض طبيعة الوافد الجديد مع العقائد الدينية السائدة، واجهت النخبة العلمية المسلمة أزمة الازدواج في الهوية.
بالنسبة إلى المحور الثالث، (تبعات العلمنة وإقصاء دور العلم الديني)، فقد اعتبر الباحث أن استبدال العلم الديني بالمعارف العلمانية في بلادنا الإسلامية، كانت له تبعات متعددة؛ منها ظهور نزعة المغالاة في العلم، وظهور أزمة الهوية، وشيوع النسبية في المعتقد الديني.
وأضاف الباحث أن المعرفة الوضعية في الغرب في طلب العلم سارت ابتغاء العلم-على حد تعبير سارتون، وهذا يجعلها معرفة سطحية معيبة بعدم اطرادها، ومن ثَمَّ عجزها عن الإجابة عن كل الأسئلة التي توضع عليها، والعجز عن إيجاد الحلول أو الحلول المناسبة، وهو ما يتنج عنه شقاء البشرية وسيادة نزعة الشك وفقدان المعنى لدى هذا المجتمعات. وهذا له من العواقب النفسية والاجتماعية المدمرة ما لا يعلمه إلا الله.
أما الحل الذي يقترحه الباحث، فهو خلق النموذج الإرشادي للمعرفة العربية ذي طبيعة أصيلة تنبع من قيم المجتمع العربي الإسلامي، وتفادي كل منتجات- بالكسر- التمركز على الذات وقتل نفسية المحارب معرفيا مع استحضار البعد التعددي للمعرفة وانفتاحيتها الطبيعية على كل مكوناتها الإنسانية وتحويل المعرفة إلى منتجات ذات بعد تنافسي لضمان الاستمرارية وجودة المنتج.
لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري



