كارل ماركس وحّد عمّال العالم وحلم بزمن بلا طبقات
04 نوفمبر 2014 | 0 تعليق
بورتريه لكارل ماركس –(أرشيفية)
عندما جهر بأن "الدين أفيون الشعوب" التي صارت دالة على نبذه والعداء لأفكاره، لم يكن يقصد كارل ماركس إهانة الأديان. كان يريد أن يخبر بأن "الدين هو عجز العقل البشري عن التعامل مع حوادث لا يمكن فهمها"، مدركاً ومعترفاً بأن "الدين هو تنهيدة الكائن المقهور، وهو القلب في عالم بلا قلب، وهو الروح في محنة بلا روح".
وعلى الرغم من تأكيده أن البروليتاريا هي الطبقة الثورية من بين جميع الطبقات التي تُناهض البرجوازية اليوم، فإنّ كارل هانريك ماركس، ( 5 أيار (مايو) 1818م - 14 آذار (مارس) 1883م) لم يكن من طبقة البروليتاريا، إذ ولد في عائلة غنية من الطبقة الوسطى في مدينة ترير في راينلاند البروسية، وكان أبوه في بداية حياته يهودياً اسمه (هرشل)، ثم تنصّر وغيّر اسمه إلى (هانريك)، وقد أشار بعض المؤرخين إلى أن تبديله دينه كان "حيلة اقتصادية ليستطيع كسب قوته في مجتمع نصراني".
درس ماركس في جامعة بون وجامعة برلين، حيث أصبح مهتماً بالأفكار الفلسفية للهيجليين الشباب. ثم تزوج وأنجب أطفالاً وذاق مرارة النفي الذي تلته مرارة الفقر، لكنّ ذلك لم يثنه عن تحقيق تصوراته الكبرى في تغيير العالم، اعتماداً على تغيير البنى الاقتصادية للمجتمع من خلال الصراع الطبقي بين طبقة الملاك المتحكمين بالإنتاج وطبقة العمال. وكانت أفكاره حول العمل مرتبطة بوضع أسبقية العلاقة الاقتصادية لتحديد ماضي المجتمع وحاضره ومستقبله. ومن المفارقة أن العديد من النظم الرأسمالية استفادت من أفكار ماركس، وخصوصا بعد الكساد الكبير 1929 الذي طبقاً لأفكار ماركس كان حتمياً.
وكان الرجل الذي التقى رفيقه فريدرك إنغلز في باريس، وعملا معاً على سلسلة من الكتب، وأضحى قيادياً بارزاً في الحزب الشيوعي، يحلم بعالم ما بعد الاشتراكية، حيث تتحطم الرأسمالية التي سمّاها "دكتاتورية البورجوازية"، ويتم في المقابل، إنجاز "ديكتاتورية البروليتاريا" أو ديمقراطية العمّال التي تبني الدولة الاشتراكية الأممية العابرة للحدود، حيث تذوب الفوارق بين الناس، وتبشّر بالشيوعية، مراهناً بذلك على الخيرية القصوى في الإنسان، وفي الأنظمة الاقتصادية التي تتحكم بمصائره.
وصفه أحد أصدقائه بأنه كان عريض المنكبين، واسع الجبهة، كثيف الشعر وداكناً إلى حد الزرقة. كان أيضاً حيوياً نشيطاً لا يهدأ له بال، ولا ينام إلا أربع ساعات في النهار.
وينظر إلى صاحب "رأس المال"، باعتباره من أكثر المفكرين والثوار الذي غيّروا مسارات التاريخ، ففي نظر إنجلز، مثلما اكتشف داروين قانون تطور الطبيعة العضوية اكتشف ماركس قانون تطور التاريخ البشري القائم على أن الحقيقة البسيطة التي تخفيها هيمنة الأيديولوجيا، وهي أن الإنسان يجب أولاً أن يأكل ويشرب ويجد المأوى والملبس قبل أن يصبح في استطاعته الاهتمام بالسياسة والعلم والفن والدين إلخ... وبالتالي، فإن إنتاج الوسائل المادية الضرورية للعيش، ومن ثمة درجة التطور الاقتصادي المحققة من طرف شعب ما أو في حقبة ما تشكل الأساس الذي تقوم عليه مؤسسات الدولة والمفاهيم الشرعية والفن وحتى الأفكار حول الدين التي يختص بها هذا الشعب أو ذاك وعلى ضوئها يجب أن تفسر، وليس العكس كما هو الحال.
كما اكتشف ماركس، يتابع إنجلز، أيضاً القانون الخاص بالحركة الذي يحكم نمط الإنتاج الرأسمالي لعصرنا والمجتمع البرجوازي الذي خلقه هذا النمط من الإنتاج. إن اكتشاف فائض القيمة سلط الضوء فجأة على المشكلة، محاولاً حلّ ما عجزت عن حله جميع البحوثات السابقة من لدن الاقتصاديين البرجوازيين وكذلك النقاد الاشتراكيين.
ولم يكن ماركس حبيس مكتبه، بل كان في قلب الشارع يقود التظاهرات برفقة آلاف العمال المقهورين الذين ليس لديهم ما يخسرونه سوى أغلالهم، مطلقاً صرخته المدوّية: "ياعمال العالم اتحدوا"، كما جاء في البيان الشيوعي الذي كان يرنو للتمهيد لعقيدة الاشتراكية العلمية وتجسيد المادية التاريخية بعيداً عن الكنيسة أو الدين، أو الطائفية المهنية.
كان يؤمن بأن شبح الشيوعية يطارد أوروبا التي عملت على تقويض أركان فكرته حتى بعد أن استوى عودها بعد الثورة البلشفية التي قادها لينين في روسيا، ودشنت عهداً جديداً من عمر البشرية نزلت فيه الأفكار الثورية إلى الشارع، وتجسدت في دول شملت نصف أوروبا، وعدداً كبيراً من دول العالم التي ما تزال تؤمن بأن الاشتراكية هي الحل.
في ظهيرة الرابع عشر من مارس (آذار) وعند الساعة الثالثة إلا ربعاً، توقف أعظم مفكر عن التفكير. لقد تُرك وحيداً لدقيقتين بالكاد، وحينما عدنا وجدناه جالساً في كرسيه نائماً في هدوء ولكن إلى الأبد.
هكذا رثاه رفيقه إنجلز الذي وصف رحيل ماركس بخسارة لا تـقاس ضربت كلاً من الطبقة العاملة المناضلة في أوروبا وأمريكا وعلم التاريخ.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

