محمد كرد علي: رائد الإصلاح... وأبو المجامع العلمية
07 يناير 2015 | 0 تعليق
المفكر محمد كرد علي - (ذوات)
"خُلقتُ عصبي المزاج دمويّه، محباً للطرب والأنس والدعابة، أعشق النظام وأحب الحرية والصراحة وأكره الفوضى، وأتألم للظلم، وأحارب التعصب، وأمقت الرياء".. بهذه العبارات وصف محمد كرد علي (1876-1953) نفسه. هو الذي كان من أبرز المفكرين العرب المسلمين، وصوتاً من أرفع أصوات الإصلاح، مؤسس أول جريدة يومية تصدر في دمشق، ومؤسس أول مجمع علمي عربي في التاريخ. قال عنه الدكتور منير العجلاني يرثيه: "إن ثمة إمارتين معقودتين في العالم العربي: إمارة الشعر، وكانت معقودة اللواء للمرحوم أحمد شوقي؛ وإمارة العلم، وكانت معقودة اللواء لفقيدنا العلامة محمد كرد علي".
الشباب والتكوين
ولد محمد كرد علي في دمشق من بلاد الشام العثمانية سنة 1876، وهو من أصول كردية عراقية. يقول في مذكراته: "جاء جدي من مدينة السليمانية من بلاد الأكراد (شمال العراق)، وسكن دمشق قبل نحو مئة وخمسين سنة. وأمي شركسية من "قفقاسيا". فأنا على رغم من آمن وكفر من جنس آري لا يقبل النزاع. وليس للعربي ولا للشرقي ما يقول في دمي". التحق بمدرسة "كافل سيباي" الابتدائية، ثم واصل تعليمه الثانوي في المدرسة الرشدية التي تعلم فيها التركية والفرنسية. غير أن ما تعلمه لم يكن كافياً في نظر والده الذي عين له أستاذاً خاصاً درسه اللغة الفرنسية في البيت لمدة ثلاثة أعوام، حرصاً منه على نبوغ ولده، وهو ما سيظهر عليه مبكراً من خلال اهتمامه بالمطالعة وانكبابه على تكوين نفسه بنفسه. وعن ذلك يقول في مذكراته: "وأهم ما أولعت بمطالعته، بعد درس المطبوع من كتب الأدب العربي وجانب من المخطوط الذي عثرت عليه، كتب الفلاسفة وعلماء الاجتماع وأحوال الشعوب ومدنياتهم. وطالعت بالفرنسية أهم ما كتبه "فولتير" و"روسو" و"مونتسكيو" و"بنتام" و"سبنسر"، و"نوليه"، و"تين"، و"رنان"، و"سيمون". وتدارست المجلات الفلسفية والاجتماعية والتاريخية والأدبية باللغة الإفرنجية، وجريت منذ نشأت على قاعدة مطردة لم أتخلف عنها قيد شبر، وهي أن أقرأ أكثر مما أكتب، وقلّما دونت موضوعاً لم أدرسه، في الجملة ولم تتشرّبه نفسي".
أول صحيفة في سوريا
أحب الصحافة والمجلات، وافتتن بعالمها، فأتقن كتابة الأخبار والمقالات في سن مبكرة، إذ بدأ نشر ما يكتبه في سن السادسة عشرة. يقول: "وما بلغت السادسة عشرة، حتى أخذت أكتب أخباراً ومقالات في الجرائد. وما كنت أظن أن هذه البداءة تنتهي بي إلى الغرام بالصحافة، ويبلغ بي الحال أن أحرر أول جريدة ظهرت في دمشق". وكانت بدايته مع جريدة "الشام" التي خطا فيها أولى خطواته في مجال الصحافة. ولكن شهرته الواسعة تحققت مع مجلة "المقتطف" التي بدأ ينشر فيها مقالاته، وهو في الثالثة والعشرين. ولما تأكدت موهبته أنشأ مطبعة وأصدر "المقتبس" اليومي والسياسي مع "المقتبس" الشهري العلمي. "وكان المقتبس السياسي أول جريدة يومية صدرت في دمشق" على حد عبارته.
أبو المجامع
تنقل محمد كرد علي بين بلدان ومدن كثيرة كفرنسا وسويسرا وإيطاليا والمجر وأثينا والأستانة وغيرها من المدن التي تحدث عنها في كتابه "خطط الشام". ولا شك في أن هذه الرحلات قد أثرت فيه إيجابياً، ومكنته من الوقوف مباشرة على أسباب الحضارة الغربية وعوامل صعودها وتقدم أهلها، ولئن تعددت الأسباب والعوامل، فإن أبرزها دائماً هو الاهتمام بالعلوم والدراسات والبحوث. والمرجح أن ذلك كان سبباً رئيساً وراء بعث محمد كرد علي لأول مجمع علمي عربي في تاريخ العرب، وهو حلم من أبرز أحلامه. كان ذلك في الثامن من يونيو (حزيران) سنة 1919.
يروي محمد كرد علي خبر عودته من الأستانة خلال هدنة الحرب العالمية الأولى (سنة 1918)، وأنه قد طلب إليه تولي رئاسة "مجلس المعارف"، واشترط "أن ينقلب هذا المجلس برئيسه وأعضائه مجمعاً علمياً مرتبطاً بالحاكم العام مباشرة"، فقبل الطلب، وأخذ المجمع على نفسه إصلاح اللغة، ووضع مصطلحات للمستحدثات العصرية، وتنقيح الكتب، وإحياء المهم من الكتب التراثية، والتشجيع على التأليف والترجمة. وتألف المجمع من ثمانية أعضاء كان من بينهم سعيد الكرمي وأنيس سلوم وعبد القادر المغربي وعيسى إسكندر المعلوف والشيخ طاهر الجزائري، الذين انتخبوا محمد كرد علي بالإجماع لرئاسة المجمع، الكرسي الذي حافظ عليه إلى آخر يوم في حياته.
كما أسس مجلة خاصة بالمجمع ظهر عددها الأول في 2 يناير (كانون الثاني) 1921. وقد نشر فيها واحداً وأربعين مقالاً علمياً في الأدب والتاريخ. وفتح أبواب المجمع للجمهور العربي الواسع ليواكب عن كثب الحركة الفكرية والثقافية والعلمية من خلال حضور المحاضرات والندوات العلمية التي كان ينظمها المجمع. وكان محمد كرد علي من أبرز المحاضرين في المجمع باثنين وستين محاضرة.
محمد كرد علي والسياسة
كان لمحمد كرد علي موقف سلبي من السياسة والسياسيين تبناه طيلة حياته، رغم أنه انخرط في بعض الوظائف الحكومية والمسؤوليات الجسيمة في سوريا. وقد أعلن عن موقفه هذا صراحة قائلاً: "وقد ثبت لي أنه ما أفلح في هذه الأرض حزب ولا جمعية، اللهم إلا إذا كان من بعض الشياطين أن اتخذوا من حزب مطية لأغراضهم الخاصة، يصلون على متنها إلى المراتب والمكاسب. والمغفلون من يخدمون معهم في هذه المناحي على العمياء، وبدون إعمال الروية، يرفسهم الكبار بأرجلهم من غير حياء في اليوم الذي تتحقق فيه مآربهم". ويرى الباحث التونسي الأستاذ محمد الناصر النفزاوي، في كتابه "محمد كرد علي: المثقف وقضية الولاء السياسي"، أن "نظرته هذه تصدر عن سوء ظن بالإنسان الذي تكشفت له حقيقته الأصل، وهي الأنانية (...) كما تصدر عن اقتناع بتهافت كل الأيديولوجيات التي لا يتمكن من أن يرى فيها غير وسيلة يستخدمها أكثر الناس ذكاء على أقلهم دراية".
مؤلفاته
ترك محمد كرد علي أكثر من مؤلفات عديدة تشهد بنبوغه في مجالات مختلفة منها التأليف والترجمة والتحقيق والمقالة. وأهم كتبه: (خطط الشام) ستة أجزاء؛ و(الإسلام والحضارة العربية) مجلدان؛ و(تاريخ الحضارة) جزآن، ترجمه عن الفرنسية؛ و(غرائب الغرب) مجلدان؛ و(أقوالنا وأفعالنا)؛ و(دمشق مدينة السحر والشعر)؛ و(غابر الأندلس وحاضرها)؛ و(أمراء البيان) جزآن؛ و(القديم والحديث) وهو مختارات من مقالاته؛ و(كنوز الأجداد) الذي ضمنه سير بعض الأعلام؛ و(الإدارة الإسلامية في عز العرب)؛ و(المذكرات) أربعة أجزاء..
وفاته
في الثاني من أبريل (نيسان) 1953، شيعت دمشق مصلحاً كبيراً سيكون لآثاره الفكرية تأثير واضح في الأجيال اللاحقة، ووري الثرى بجوار قبر معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

