وقفات مع مظاهر الإصلاح الديني في عصر النهضة العربية الإسلامية
01 فبراير 2015 | 0 تعليق
مؤسسة الأزهر -(أرشيفية)
عن طبيعة تعامل رواد الإصلاح والنهضة في القرن الـ19 مع مفهوم المصلحة، يشتغل الباحث التونسي فيصل سعد، كما جاء في دراسته التي نشرها موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، تحت عنوان "من مظاهر الإصلاح الديني في عصر النهضة العربية الإسلامية في القرن الـ19م: المصلحة ومقتضياتها أنموذجاً".
وتكمن أهمية الدراسة في أن الحديث عن المصلحة ومقتضياتها،يثير كيفيات إجراء هذا المفهوم في مجالات متعالقة من الاختبار ومتداخلةلدى مفكّري عصر النهضة العربيّة الإسلاميّة في القرن الـ19 م، المعروف بفكر الإصلاح أو اليقظة. ففي هذه المدارات التي نشأ فيها فكر الإصلاح وتطوّر في السياق التاريخي الحديث (منتصف القرن الـ18م، حتى الحرب العالميّة الأولى) وبتأثير من المعطيات الجغرافيّة السياسيّة، وُجد العرب والمسلمون بحذاء عالم أوربي، ما فتئ يتقدّم ويتطوّر في التمدّن والتحديث.
وفي هذا السياق، ظهر السؤال الوجودي الشهير: لماذا تقدّم الآخر وتأخّرنا؟ وظهرت معه أسئلة مصاحبة: هل مصلحتنا تقتضي التأسّي بهذا الآخر والأخذ بأسباب تقدّمه، ومن ثمّ النسج على منواله في الإصلاحات التي كان سبّاقا إليها (ق الـ16 م) أم هي في إحياء القيم الإسلاميّة العامة والمعروفة بالمقاصد والغايات، حيث تتعيّن "مصلحة الشارع من الخلق" في التعبير الأصولي؟ إذن، كيف سيجري هؤلاء المصلحون مفهوم المصلحة ومختلف المفاهيم والبراديغمات التي تجري مجراها أو تكون من لوازمها شأن المنفعة/ المنافع العموميّة/ الصلاح- المصالح في السياق الذي ذكرنا؟
قبل الخوض في مدارات الاختبار، توقف الباحث بداية عند دلالات المصلحة ومعانيها، كما توقف عند معالم شق نظريّة المصلحة طريقها إلى فكر الإصلاح في القرن الـ19 م، بما تطلب التذكير بأهمّ التيّارات الأصوليّة حيال المصلحة، حيث ساد في المنظومة الأصوليّة التي استقرّت معالمها منذ مطلع القرن الثالث الهجري تاريخ وفاة الإمام الشافعي (تـ 204 هـ) اتّجاهان يتنازعان الوفاء للنصّ الشرعي:الاتّجاه البياني الذي ينظر إلى النصّ من منظور كونه بالدرجة الأولى بناء من الألفاظ ينبغي بيانها، وهو ما يؤدّي إلى القول بمحدوديّة النص حيال الزمن؛ الاتّجاه الثاني هو الذي يعوّل على مقاصد النصّ وأساسها المصلحة التي هي في الأصل عبارة عن جلب منفعة أو دفع مضرّة، ذلك أنّها المحافظة على مقصود الشارع.
بعد ذلك، يُعرج الباحث على السؤال المحوري في الدراسة: هل بقي الفكر الإسلامي ينتظر عصر النهضة العربيّة الإسلاميّة في القرن الـ19م، ليطوّر استخدام المصلحة في إجراء الشريعة في الواقع؟ ليجيب بأنه، بعد النتائج التي حقّقها الشاطبي في تطوير علم المقاصد، وهو الذي بدأ مجتهداً طامحاً إلى الارتقاء بالمقاصد إلى مرتبة العلم الشرعي الكلي الثابت والقطعي، لم يعرف الفكر الإسلامي أيّة خطوة حقيقيّة في تطوير هذا العلم، حتى كان عصر النهضة والإصلاح. ولأنّ علماءه راموا الإصلاح، فقد رأوا أنّ المصلحة في التشريع الإسلامي بما هي تعبير عن المقصد من الشريعة هي المدخل لهذا الإصلاح في مجالات متداخلة مترابطة، وإن بدا أنّ السياسي منها قد استأثر بالدعوة إلى النهوض اعتقادا من المفكّرين بأنّ هذا المجال يؤثّر تأثيرا بالغا في سائر المجالات عملا بمقولة: "إنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
واختبر الباحث مفهوم المصلحة في شتّى مظاهر استخدامها ومسوّغاتها الشرعيّة والتاريخيّة من خلال ثلاثة محاور كبرى، نرى أنّها تلخّص الرؤية الإصلاحيّة باستعمال المصلحة هي: المصلحة والعلاقة بالآخر؛ المصلحة العامة والتمدّن/ التقدّم؛ المصلحة والوعي التاريخي بالزمن؛ المصلحة والعلاقة بالآخر: الغيريّة (علاقة الأنا بالآخر).
وخلُصَ الباحث، في خاتمة الدراسة، إلى أن مفكّري الإصلاح، وهم ينزّلون المصلحة تنزيلا في الواقع، كانوا يفكّرون في إطار المقاصد الشرعيّة التي تجلوها الأصولُ التكميليّة التابعة بما هي اجتهادات متراكمة في الزمان والمكان، دعت إليها الحاجة إلى الخروج من أسر الأصول التاريخيّة الأولى، أصولٌ تابعةُ ظلّ العلماء يأخذون بها أحيانا، ويتركونها أخرى بحسب طبيعة المعرفة السائدة في كلّ عصر وموازين القوى السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة. ولكن عصر النهضة العربيّة الإسلاميّة تحت تأثير ما شاهده علماؤه من ارتقاء الغرب في التمدّن والعمارة كان أحوج العصور إلى تسويغ الأخذ بهذه الأصول؛ ومنها خاصة المصلحة وقد ولدت مرسلة، وإنْ أدّى الأمر أحيانا إلى الغفلة عن الحاضر والراهن في مقايسة بالماضي المجيد للأمّة أو إلى انبهار غير مسبوق بما حقّقه الآخر في مضمار التمدّن والعرفان.
والظاهر للعيان، يضيف الباحث، أنّ هذا الفكر الباحث عن أسباب اليقظة فكر غائي نفعي وتبريري تسويغي في آن، مثلما تدلّ عليه مدلولات المصلحة التي هي في بعض وجوهها ضرب من الحيل الفقهيّة تجري إلى تحصيل النتيجة (المنفعة) ولو على حساب الوسائل، ولكن لا ضير فقد تقرّر في أصول المقاصد المالكيّة أنّ "الوسائل تُعْطَى أحكام المقاصد في الاعتبار"؛ فالظاهر أنّ المصلحة ومقتضياتها كانت على صلة بالواقع المتحوّل والأزمنة المتغيّرة شأنها شأن الفقه الإسلامي أوّل نشأته شرعت أحكامه لتكون عمليّة نفعية بالأساس.
وبالعودة إلى سؤال الدراسة الرئيس: هل نجح فكر الإصلاح في استثمار المصلحة في الواقع الإسلامي المتغيّر منذ فارق المسلمون لحظة التنزيل القرآني، ودخلوا التاريخ المتقلبة أحواله وعرفوا الزمن وتصاريفه؟ يرى الباحث أن هذا الفكر في المرحلة التي ظهر فيها وفي الأطر الاجتماعيّة للمعرفة التي كيّفته كان معبّرا عن حيويّة بعد ركود وحياة بعد موت. ولكنّه كان فكرا أيديولوجياً بالأساس لا يبني تصوّرا جديدا للأصول الأولى أو التابعة (التكميلية)، وإنّما يكرّس بالمسوّغات التي عرضناها ما استقرّ من هذه الأصول والقواعد. فما حقّقه فكر الإصلاح ليس بالكثير من حيث الارتقاء بعلم الأصول، ممّا ران عليه من القواعد الجامدة، فأعاقه عن التجديد الحقيق. لكنّ المشكل اليوم في الحنين إلى هذا المرقد (التراث) وتعطيل المصالح بدعوى الوفاء الزائف للأصول. أمّا الوعي بتطوير خطاب النهضة والإصلاح والمضي به في مزيد تحقيق مصالح البلاد والعباد، فأمر موكول إلينا اليوم للاضطلاع به.
لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

