محمد حسين هيكل: تشبث بالتراث ودعا إلى النظر إليه بانفتاح
09 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

المفكر المصري محمد حسين هيكل - (أرشيفية)
ذوات - المهدي حميش

لا بد أن الدور الكبير الذي لعبه المفكر محمد حسين هيكل في الترويج للتيار التنويري في الفكر العربي المعاصر، دور جوهري لا يكمن إغفاله أو تجاوزه، هذا إذا ما أراد الباحث والدارس النظر بنظرة موضوعية منصفة إلى الكتب والمقالات والدراسات التي خلفها الراحل هيكل. لقد دعا حسين هيكل إلى فتح النوافذ على أفكار الأمم الأخرى، لذلك نجده قد وضع كتابا عن الفيلسوف جان جاك روسو، بالإضافة إلى تناوله بالتحليل أفكار مجموعة من الشخصيات الغربية في كتابه  الشهير "تراجم مصرية وغربية"، ولا حتى عندما قام بدراسة موضوع الإيمان والمعرفة والفلسفة، ولذلك فإن إيمانه بضرورة فتح النوافذ على كل التيارات والآراء والأفكار، وعدم اقتصارها على ثقافتنا الداخلية المحدودة، كان ديدنه الدائم.

تعتبر علاقة الدكتور محمد حسين هيكل بالتراث العربي الإسلامي، وتشبثه العادل به، إدراكا حقيقيا منه بأن التنوير لا يمكن أن يتحقق إذا ما تم تجاوز التراث، بل بالاهتمام به شرط أن ينظر إليه نظرة متفتحة..

حرص الدكتور هيكل الشديد على عدم الوقوف عند الأسباب الظاهرة، وتجاوزه للظاهر، بحثا وراء الأسباب الحقيقيةّ، كان ظاهرا بجلاء. لذلك، تجده مثلا، عن مسألة الخصومة بين الدين والعلم، التي أقرها الواقع، يحللها بطريقته الخاصة، فيرجع هذه الخصومة إلى أسباب لا تدخل في حقيقة العلم في حد ذاته، ولا الدين في جوهره وأساسه، بل يقول: "الخصومة بين رجال الدين ورجال العلم خصومة قديمة، لأنها خصومة على الاستئثار بالسلطة وبنظام الحكم، وأما الدين والعلم، فلم تكن بينهما خصومة، ولن تكون بينهما خصومة، لأن الدين يقرر المثل الأعلى لقواعد الإيمان التي يجب أن يأخذ الناس بها حياتهم، والعلم يقرر الواقع في حياة الوجود ويترسم تطور الحياة في سبيل سيرها نحو ما يظن الكمال، والواجب شيء والواقع شيء آخر"، وهذا المنحى الوسط في تناول مثل هذه القضايا قلما تجد له مثيلا عند المشتغلين بالفكر الواقعي.

تعتبر علاقة الدكتور محمد حسين هيكل بالتراث العربي الإسلامي، وتشبثه العادل به، إدراكا حقيقيا منه بأن التنوير لا يمكن أن يتحقق إذا ما تم تجاوز التراث، بل بالاهتمام به شرط أن ينظر إليه نظرة متفتحة، نظرة تعتمد على ضرورة التعرف على أفكار واتجاهات مفكري الشعوب الأخرىّ، وهذا ما بوأه ربما مكانة محترمة لدى الفريقين المختصمين في العقل العربي، وحيادها هذا قاده لأن يكتب في التراث الديني كتبا تتسم بالموضوعية والحياد ربما، ومنها مثلا كتابه "حياة محمد"، وكتاب "في منزلة الوحي"، وكتاب "أبو بكر الصديق"، وأيضا ما كتبه بعنوان "الفاروق عمر"، و"الحكومة الإسلامية" وغيرها من الكتب، هذا بالإضافة إلى موازنته   التي كان يكدها دوما بدراسة وتقديم جوانب كثيرة تمثل الفكر الأوروبي بوجه عام.

إن النموذج الأدبي كذلك، والذي خلفه الراحل محمد حسين هيكل، سواء عن أدباء عرب، أو أدباء الغرب، لم يكن أبدا أدبا للتعبير، بل شكل حلولا للعديد من المشكلات السياسية والاجتماعية..

قد يرى البعض بأن محمد حسين هيكل لم يقدم مشروعا تنويريا محددا، لكنه في الوقت ذاته خلف من الأفكار التي تساعد المجتمعات العربية كثيرا على التقدم نحو حياة النور والتنوير. ومنها بعده النقدي في قصصه ورواياته، وخير مثال ربما قصة زينب، التي يعرض فيها شكل حياة القرية من خلال منظور نقدي للعديد من العادات والتقاليد السائدة هناك.  وكذلك، عندما نقرأ مذكراته السياسية المصرية، يمكننا بسهولة أن نستشف جانبه التنويري السياسي الذي تميز عنده بالتحليل والنقد والمقارنة والموازنة بين العديد من الأفكار، إنه كما يصف العديدون ممن عرفوه ينقد من أجل البناء، ولا يشك لمجرد الشك، بل كنت تراه يقدم الحلول للعديد من المشكلات السياسية والاجتماعية بعمق كبير.

ولا بد هنا أن يقرأ الباحث في سيرته، ما خطه في مذكراته، التي يقول فيها: "أرجو أن تتحقق هذه المذكرات ما قصدت إليه منها، فتكون عونا للمؤرخ الذي يريد أن يصور هذه الحقبة من تاريخ مصر، عونا لأبنائنا، وللجيل الذي يلي الأمر في بلادنا اليوم وغدا، على تخطي طور التقليد والارتجال في سياستنا، وعلى رسم سياسة شابة مستمدة من التجارب التي مرت بنا، كما أرجو أن تكون كذلك عونا للبلاد العربية وللبلاد الشرقية على أن تعتبر بما أصابنا من خير وشر في أثناء جهادنا، ولو أنها أدت هذه الغاية أو بعضها، لكان ذلك خير جزاء لي عن تدوينها".

إن النموذج الأدبي كذلك، والذي خلفه الراحل محمد حسين هيكل، سواء عن أدباء عرب، أو أدباء الغرب، لم يكن أبدا أدبا للتعبير، بل شكل حلولا للعديد من المشكلات السياسية والاجتماعية. لذلك، فإنه يعتبر في هذا معبرا عن أدب التفسير، وليس عن أدب التعبير. وفي مؤلفاته "الأدب والحياة المصرية"، و"ثورة الأدب"، و"ولدي"، و"جان جاك روسو"، و"زينب"، وغيرها الشيء الكثير للاستزادة والإمتاع.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق