الأحوال الوجدانية عند فيلسوف "الماهية" مارتن هايدغر
02 فبراير 2015 | 0 تعليق

الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر مبتسماً -(أرشيفية)
ذوات

هذه دراسة تروم إضاءة زاوية أساسية في تفكير هايدغر، ويتعلق الأمر بنشأة تيمة جديدة، وهي الأحوال الوجدانية للفينومينولوجيا التي ما فتئت تتشكل منذ نشأة الكون والزمان ويتخذ، لذلك أخذت الدراسة من تلك التيمة موضوعًا له، وقد حررها الباحث الموريتاني أحمد أبالمعالي ولد سالم فال، ونشرت في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، تحت عنوان "فينومينولوجيا الأحوال الوجدانية عند هايدغر".

ومعلوم أن تصور هايدغر للأحوال الوجدانية، منذ نصه الشهير "مقدمات في تاريخ مفهوم الزمان" إلى حدود نص "المفاهيم الأساسية للميتافيزيقا" مرورًا بالنص الأساسي "الكون والزمان" بالإضافة إلى نص "ما الميتافيزيقا؟" والنص المتأخر "ما الفلسفة؟"، بلغ نوعًا من الاكتمال، وذلك لأن كل نص من هذه النصوص يفضي إلى الآخر؛ فاللاحق يستثمر السابق ويدمجه في نسيجه، والسابق يتضمن اللاحق ويمهد له. كما أن النصوص النسقية لهايدغر تركز دروسه وتكثفها، فإن دروسه تشرح نصوصه النسقية وتوضحها. لذلك، يجد قارئ هايدغر نفسه أمام معالجة خطية حينًا وتحليل أفقي حينًا آخر. وهذا ما يبدو بارزًا في تحليل هايدغر للأحوال الوجدانية التي بمقتضى ماهيتها تتطلب نوعًا من المرونة والصرامة في الوقت نفسه.

ويرى الباحث أن فينومينولوجيا الأحوال الوجدانية ترتكز على تشبث هايدغر بتوسيع هوسرل للتحول النقدي الترنسندنتالي الذي دشنه كانط في الفلسفة الحديثة من خلال مؤلفه "نقد العقل المحض"، حيث سيعمل هايدغر، في ضوء هذا التشبث، على إبراز الحوافز والكيفيات التي تسمح للحال الوجداني أن يظهر بصفته مستقلاً، وتسمح بتحديد الواقعية المباشرة للحال الوجداني.

كما يتمثل رهان الفينومينولوجيا التأويلية في إبراز التجارب الأولية والبنيات الأصلية للكينونة التي من خلالها يتم الإنجاز الواقعي للحياة، وبالتالي إبراز الأحوال الوجدانية، باعتبارها تجربة أولية وبنية أصلية لكوننا في العالم. على هذا الأساس كان مدار اهتمام الباحث منصبًا، في البداية، على إبراز التحديدات الأساسية التي رسمت الأفق الذي في ضوئه عالج هايدغر الأحوال الوجدانية. هذا الأفق: تحليل الكينونة، هو الذي سيسمح برؤية الكينونة في إنجازها اليومي لكونها. فإذا كانت حالة الانحدار والسقوط أدت بالأنطولوجيا التقليدية إلى تحديد الإنسان انطلاقًا من مقولات مستمدة من الكائن القائم أمامنا، فإن التحليل الفينومينوجي يعترض على بداهة هذا الادعاء، حيث سيبين أنه لا ينبغي تعميم تلك المقولات. لذلك، سيحاول هايدغر الوقوف عند التجارب الأولية المتمثلة في إنجاز الإنسان اليومي لكونه.

على صعيد آخر، توقف الباحث عند مقتضى تأسيس هايدغر للأحوال الوجدانية، وهو التأسيس الذي يرفع تلك الأحوال الوجدانية إلى مرتبة المحدد الأنطولوجي للإنسان بصفته كينونة. لذا، يعتبر [هايدغر] أن الأحوال الوجدانية ليست مجرد معيشات ذاتية تنشأ في مجالنا الداخلي، بل إن لها بعدًا أنطولوجيًا يتمثل في أنها شكل لكوننا في العالم. ومن هنا يجب، في البداية، استبعاد التأسيس السيكولوجي للأحوال الوجدانية، لأنه ليس تأسيسًا أخيرًا.

وفي الأخير، تطرق الباحث إلى مسار تحليل هايدغر المشخص لأحوال الخوف والقلق والملل على اعتبار أن هذه التجارب، يمكن أن تعطينا نظرة إجمالية حول نظرة هايدغر للأحوال الوجدانية بكيفية عامة من جهة، كما أن لها دلالة عميقة فيما يخص تحليل الكينونة وتاريخ الكون من جهة أخرى، مع استحضار أن هذه الأحوال الوجدانية تكشف لنا شيئًا ما، تدلي لنا بشيء ما كالخوف: الكائن داخل العالم، والقلق: العدم، والملل: الكائن في كليته، وتفتحنا على إمكانياتنا وعلى العالم. وسيتخلل بسط هذه التجارب إبراز التناظرات والتقابلات القائمة بينها.

يرفض هايدغر التأسيس السيكولوجي للأحوال الوجدانية، حيث إن السيكولوجيا تعتبر أن الأحوال الوجدانية مجرد معيشات ذاتية تنشأ في مجال وعينا الداخلي، مستندة في تأسيسها للأحوال الوجدانية إلى التحديد الميتافيزيقي التقليدي للإنسان

وخلُصَ الباحث في خاتمة الدراسة إلى المكانة المتميزة التي تبوأتها الأحوال الوجدانية في تحليل الكينونة ضمن تفكير هايدغر، ويتعلق الأمر هنا برد الاعتبار لهذا الجانب من الإنسان، من منطلق أن الأحوال الوجدانية بنية أصلية وكيفية أولية من كيفيات الانفتاح، فليست الأحول الوجدانية ظواهر عابرة تطفو حينًا وتغيب حينًا آخر؛ وليست بالأحرى معيشات ذاتية محضة، إنما هي متجذرة في الكينونة. ولا يمكن بحال من الأحوال أن تكون الكينونة دون أن توجد في هذا الحال الوجداني أو ذاك، وفي ضوء ذلك، يأتي تأكيد هايدغر على الأحوال الوجدانية باعتبارها طابعًا أساسيًا لوجودنا.

ويخصل الباحث أيضاً إلى أن هايدغر يرفض التأسيس السيكولوجي للأحوال الوجدانية، حيث إن السيكولوجيا تعتبر أن الأحوال الوجدانية مجرد معيشات ذاتية تنشأ في مجال وعينا الداخلي، مستندة في تأسيسها للأحوال الوجدانية إلى التحديد الميتافيزيقي التقليدي للإنسان. ولا يرفض هايدغر النتائج المهمة التي توصلت إليها السيكولوجيا، وإنما يعتبر أن تأسيسها للأحوال الوجدانية ليس هو التأسيس الأخير كما تدعي؛ فالأحوال الوجدانية لا تتحدد سيكولوجيًا، بل إنها تتحدد أنطولوجيًا، وذلك لأنها سابقة على السيكولوجيا. وإذا كان هايدغر يعتبر في فترة "الكون والزمان" أن تحليل الكينونة هو المنفذ إلى معنى الكون، فإنه بعد التحول الحاسم (الانعطاف) في مساره الفكري سيعتبر أن تحليل تاريخ وبنيات الكون هو المنفذ إلى الكينونة ذاتها. وسيرافق هذا الانعطاف تحولاً موازيًا، إذ يصبح الحال الوجداني، في نظر هايدغر، هو ما يفتتح عصرًا تاريخيًا؛ أي كل حقبة تاريخية محمولة من قبل حال وجداني أساسي. لقد تلمسنا بدايات هذا الانعطاف في تحليل هايدغر للملل الأصلي أو العميق.

وختاماً، إذا كان الإغريق قد أدركوا كون الكائن بزوغًا وظهورًا وخروجًا من الخفاء وقدومًا إلى اللاخفاء، إذْ كانت كل تحديدات الكائن لديهم كانت تصب في اللاخفاء، فإن اللاخفاء ذاته بقي بالنسبة لهم خارج دائرة السؤال. لم يوجهوا اهتمامهم للإخفاء، لأنه كان بالنسبة لهم بديهيًا وتلقائيًا باعتبار أنه المجال الذي يقوم فيه الكائن الذي كان هو وحده مدار اهتمامهم، لذلك لابد من استعادة البدء الأول، ليس بمعنى إحياءه وبعثه من جديد، وإنما تفكير بدءٍ آخر لا يمكن أن يتجاهل ما تم إنجازه، فكل تفكير بدئي أصيل يستجيب لضرورة تاريخية، كما ينشأ عن حال وجداني أساسي.

 

لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق