عبد الله العروي: رمز المثقف العربي الحديث
30 ديسمبر 2014 | 0 تعليق
المفكر المغربي عبد الله العروي -(أرشيفية)
من كان يظن يوماً أن الكاتب الذي بدأ نشر أعماله باسم مستعار "عبد الله الرافضي"، وحملت كنيته معنى الرفض، وكأنها تنادي لمراجعة الماضي وترفض ما تراه من واقع حولها، سيصبح من أهم المفكرين وأكثرهم شهرة ليس فقط في العالم العربي، بل في العالم بأسره، وسينقش اسمه في التاريخ مانحاً له معنى جديداً في الفكر العربي المعاصر، وسينتج مشروعاً جديداً يسعى للانخراط في صلب الواقع العربي، ويسهم في نقد الفكر السائد، ويقترح فكرا بديلا يسهم في توجيه الفعل، بغية تحقيق شروط النهوض، إنه عبد الله العروي داعية الحداثة ورمز المثقف العربي الحديث.
ولد المفكر المغربي عبد الله العروي بمدينة أزمور، الفضاء الذي أنتج أشهر الكتاب والروائيين والفنانيين عبر العالم، والمدينة التي عرفت ازدهاراً علمياً ودينياً أوائل العصر المرابطي، ونافست في ذلك أكبر المدن، والمدينة التي تتوفر على مآثر تاريخية وعمرانية لا مثيل لنقوشها وزخرفتها وهندستها، فزائر المدينة لايمكنه المرور من أزقتها وفضاءاتها من دون الانبهار بالمدينة العتيقة والقصبة وأبراجها وأبوابها وزواياها ومساجدها، وكلها مميزات ساعدت عبد الله العروي وآخرون من تحقيق نسق متميز في كتاباته.
بعد أن تابع عبد الله العروي تعليمه بالرباط توجه إلى فرنسا لاستكمال دراسته بجامعة السوربون وبمعهد الدراسات السياسية بباريس، حيث حصل على شهادة العلوم السياسية سنة 1956 وعلى شهادة الدراسات العليا في التاريخ سنة 1958 ثم على شهادة التبريز في الإسلاميات عام 1963. وفي سنة 1976 قدم أطروحة بعنوان "الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية: 1830-1912" وذلك لنيل دكتوراه الدولة من السوربون.
نشر عبد الله العروي في بداياته باسم مستعار سنة 1964 نصاً مسرحياً تحت عنوان "رجل الذكرى" بالعدد الأول من مجلة "أقلام"، وقد تمكن بعد سنوات من التراكم المعرفي من تقديم إنتاجات فكرية وإبداعية متميزة في النقد الأيديولوجي وفي تاريخ الأفكار والأنظمة ونصوصاً روائية، غير أن سنة 1967شكلت علامة فارقة في فكر العروي وفي الفكر المغربي عموماً، حيث أخرج فيها العروي للوجود كتابه"الأيديولوجية العربية المعاصرة" بالفرنسية (دار ماسبيرو)، والذي يعتبر المرجع الرئيس لمشروعه الفكري، والذي شكل نقطة تحول أساسية نقشت اسم عبد الله العروي في الساحة الثقافية العربية.
بعد أن انكب العروي على دراسة ما أنتجه كبار مفكري القاهرة، أمثال محمد عبده، علي عبد الرازق ورفاعة الطهطاوي، وقاسم أمين، وجمال الدين الأفغاني، ولطفي السيد، وسلامة موسى، وطه حسين، وبعد أن تأثر بكتابات كبار المفكرين الغربيين، وبعد أن غاص في تاريخ بلده المغرب وألم بأدبيات الحركة الوطنية المغربية عن طريق كتابات علال الفاسي ومحمد حسن، أنتج العروي بحسه النقدي مشروعاً نقديا شاملاً، استطاع فيه تحليل الواقع العربي في امتداداته الفكرية والسياسية والثقافية، وتمكن فيه من تعرية مكامن الخلل، حيث لم يكتف فقط بتعرية الحقائق، بل أيضاً اقتراح حلول عقلانية، تمكن من تمديد معالمها ومعالم مشروعه في كتابه "العرب والفكر التاريخي" الذي صدر عام 1973، وكتابه"أزمة المثقفين العرب" الذي صدر باللغة الفرنسية عام 1974.
يمكن أن نعتبر موقف عبد الله العروي داعية الحداثة، استمرارا وتتويجاً لمسار كوكبة من المثقفين المغاربة الذين تبنوا الحداثة، ودافعوا عنها واعتبروها طريق المغرب إلى الاندماج في العالم المعاصر .
ويحمل عبد الله العروي مشروع أسماه "مشروع التحديث التاريخي"، حيث عمل على بلورة ملامحه ومراميه الأساسية، عبر سلسلة كتبه التي واصل إصدارها خلال العقود الثلاثة الأخيرة . يقول العروي: "إن ما كتبته إلى الآن يشكل فصولا من مؤلف واحد مفهوم الحداثة". ويهدف هذا المشروع إلى نقد أشكال معينة من النزعات التراثية (النصية، الدوغمائية، نزعات الارتداد )؛ فالرجوع إلى الماضي حسب العروي يشكل آلية سيكولوجية تعويضية وحنينا رومانسيا .
اعتمد العروي في مشروعه على مفهوم التاريخانية، وقد تمكن المفكر المغربي محمد سبيلا من تلخيصها في كون التاريخانية تقوم بالاهتمام بالممارسة وبمنطق العمل والفعل لا بمنطق الخطاب والتفكير والتعبير والنظر والأمل ومن ثمة أولوية رجل الفعل والممارسة على رجل النظر والتعبير . وغالبا ما يقيم العروي تعارضاً بين منطق الفعل (الذي يدعوه عقل الفعل) ومنطق الخطاب (الذي يدعوه عقل الاسم)، كما أنه يمكن اعتبار أن التاريخ خاضع لقوانين؛ أي لحتميات محددة ، وخاضع لإيقاع معين؛ أي لقوانين احتمالية أو ميلية، وليس مسارا جزافيا خاضعا للنزوات والصدف والإيحاءات. وبالتالي، فليس للتاريخ إلا اتجاه واحد، مما يجعل قوانين التطور التاريخي تتسم بقدر من الثبات، وتفرض نوعا من حتمية المراحل، إضافة إلى أن للتاريخانية سمة، وهي النسبوية بمعنى أن الحقيقة نسبية، وليست مطلقة لأنها مشروطة بظروف إنتاجها وظهورها وأكبر عدو للفكر التاريخاني هو الحقائق الجاهزة والمطلقة الصالحة لكل زمان ومكان . فالتاريخ هو الذي ينتج الحقائق، وهو الذي يضيف عليها طابعاً نسبياً ويجعلها خاضعة لصيرورة المجتمعات نفسها، كما أن الوجه الآخر لنسبية الحقائق هو تطليق الأحكام المطلقة، واعتبار أن العلم ليس مجرد قراءة وتأويل لأقوال العارفين، وأن السياسة جهد إنساني وتوافق بين ذهنيات ومصالح عن طريق النقاش الموضوعي والتجريب المستمر؛ فالحداثة ذاتها لا تدعي الإطلاقية والأحكام النهائية، إذ لاشيء فيها كلي ونهائي ، فلا الديمقراطية ولا العلم ولا التقنية ولا حتى الأيديولوجيات التي تفسر هذه التجارب (النزعة الاقتصادية ، النزعة الوضعية ، الليبرالية ، الماركسية ...) لا أحد منها يدعي أنه حكم مطلق وقيمة مطلقة.
كما أضاف محمد سبيلا في تلخيصه للتاريخانية أنها دور النخب السياسية والثقافية في عملية التطور التاريخي؛ فالنخبة تستطيع بوعيها التاريخي والتاريخاني أن تخفف من غلواء الحتمية التاريخية، وتجعل المجتمع يعيش نوعا من الطفرة واقتصاد الزمن. ذالك لأن التاريخ يصنع بالجهد الإنساني ضمن الشروط المعطاة كما أنه محط إبداع مستمر يجعل النموذج الإنساني قائما في الأمام لا في الخلف، في المستقبل لا في الماضي، مثلما أن التقدم ليس تجسيدا لأشباح الماضي، وهي أيضاً نفي أي تدخل خارجي في التاريخ وفي تسبب الأحداث، حيث يكون التاريخ هو سبب وخالق ومبدع كل ما روى و يروي عن الموجودات أو بمعنى آخر كل ما يقع في المجتمع البشري هو نتيجة تفاعل اجتماعي، وأن للأحداث أسبابا عينية يتعين على البحث التاريخي تشخيصها، وإيجاد العلاقات بينها والبحث في مظاهر انتظاميتها وحتميتها.
يسعى العروي من خلال مشروعه هذا إلى دحض ونقد التوظيف السياسي للتراث؛ فهو أكبر دعاة الحداثة السياسية في الفكر المغربي والعربي المعاصر، والانخراط في استيعاب مكاسب الحداثة. فالحداثة هي سيرورة تاريخية لا مفر منها، سواء كنا معها كأنصار للتحديث أو ضدها كأنصار للتقليد يقول العروي في هذا الصدد: "هي بطبيعتها تسير وفق حركة جدلية؛ إنها في الوقت نفسه حركة تغيير كونية واختلافية داخل كل مجتمع ،وبالمقارنة مع الخارج".
أكد العروي أنه يجب عدم الخلط بين الحداثة، باعتبارها سيرورة تاريخية، والحداثة كأيديولوجيا بين الحركة الاجتماعية نفسها، وعمل أولئك الذين يمتلكون وعياً بها. وبين الذين يقومون بتحليلها من أجل نقدها وإيقاف حركتيها كما يفعل أنصار التقليد، أو من أجل تسريع حركتيها وامتدادها كما يفعل أنصار التحديث، إن الحداثة حسب العروي لا تعني شيئا آخر سوى كون أن جماعات بشرية عبر الزمان والمكان تريد تعميم نماذج من الأحداث والمكاسب التي وقعت في زمان ومكان معينين. فداخل كل بلدان أوربا، كانت الحداثة شأنها في ذلك مثل الديانات التوحيدية في السابق، والأنظمة الاجتماعية الأبوية قد تم فرضها على الأغلبية من الساكنة من طرف جماعة محدودة ، وهنا نجد ذلك الشعاع الاجتماعي للتغيير؛ أي فئة المثقفين أو ما يعرف بالأنتلجنسيا التي توحي أو تقود وتوجه، سواء كانت هده الفئة سياسية أو عسكرية أو دينية.
كما أن حركة التحديث تتولد عن عاملي التنافس والصراع؛ فكل بلد أوربي تم تحديثه وتطويره تحت تهديد بلد جار، لأنه أضحى في وقت معين يواجه اختيارا صعبا : إما التغيير أو الموت.
وعن واقع الحداثة في بلدنا يقول عبد الله العروي: "إن ما نراه اليوم في بلدنا ، إذا ما أولناه كرفض أو خوف من الحداثة، فليس ذلك أبداً من قبيل ما لا يمكن توقعه ، بل هذا هو نفسه ما يشبه الكثير من التجارب التاريخية في الماضي، بل يكاد يشكل قانوناً عاماً. فحيثما نجد حركة تحديث عقلانية على مستوى الاقتصاد، تكون مرفوقة بدعوات اللاعقلانية على مستوى المشاعر والأفكار، فحركة التحديث الكونية لا يمكنها أن تتقدم دون أن تعمق في الوقت نفسه الإحساس بالاختلاف والتمييز".
وعن الفئة التي لها القدرة على بلورة وتحقيق مشروع الحداثة، يقول العروي: "فليس المجتمع في كليته من يصبح قادراً وبشكل مفاجئ على القيام بعملية تحليل لأوضاعه، وبعملية نقد ذاتي. إنها فقط فئة أو جماعة تضيق كثيراً أو قليلا من أن تقوم بهذه المهمة، مع احتمال أن تساعد آخرين على اقتفاء أثرها من خلال العمل الثقافي الذي تمارسه".
في كل كتاباته بيّن عبد الله العروي أنه من أجل تجاوز واستدراك تراجعنا التاريخي، لابد من تملك روح الحداثة وفكر الحداثة انطلاقا من نموذج الحداثة الأوربية وخاصة عقلانية القرن التاسع عشر وفلسفة الأنوار ومن ثمة؛ فهو يدعو إلى استيعاب مقومات ومكاسب العقل الحديث من عقلانية وتاريخانية ونسبية وفردانية والتمييز بين أيديولوجيا وسياسة الغرب الحالي وبين الفكر الأوربي العقلاني الحديث ذاته؛ أي بين المنهج والأيديولوجيا .
في محاضرة ألقاها عبد الله العروي، حول عوائق التحديث بمقر اتحاد كتاب المغرب، حدد معالم الحداثة في ثورة اقتصادية، وإحياء التراث القديم في الفلسفة والقانون، وفي ثورة علمية مبنية على الملاحظة والتجربة، وإصلاح ديني موجه ضد الكنيسة واحتكارها التأويل للمقدس، وثورة فكرية تعتمد على العقل، وثورة سياسية موجهة ضد الفيودالية والكنيسة.
وقد اعتبر بأن هناك تكاملا وترابطا بين هذه الثورات، رغم اختلاف المؤرخين حول الثورة المتقدمة على الأخرى، لكن الأهم هو أن مفهوم الحداثة يدور حول مفاهيم، مثل: الفردانية والعقلانية والحرية والديموقراطية والعلمانية(بمعنى العلم الحديث). ثم انتقل إلى طرح سؤال منهجي مهم هو: لكي نفكر في الحداثة هل ننطلق من الواقع، وبالتالي نستمع أولا وقبل كل شيء للمؤرخين، أم ننطلق من المفهوم وبواسطته نحكم على الواقع بمقاييس خارجية.
كلنا نعلم أن الواقع سابق على المفهوم، فلو لم تحصل الحداثة في بقعة من الأرض لما تبلور المفهوم، هذا أمر لا نقاش فيه، لكن هذا الواقع نطلع عليه من خلال مايقوله المؤرخون، والذين يستعملون بدروهم مفاهيم لذلك ينبغي الاحتراس دائما من الاندفاع وراء التعميمات والحكم المسبق قبل الاستماع إلى المؤرخ الذي يسجل بأنها تمت على مراحل وتشكلت كثورة مستمرة.
كما بيّن بأن شروع الحداثة قد اصطدم مع مطلع القرن العشرين بمجموعة من التناقضات الذاتية منها الاستعمار الذي أبرز تهافت معنى الفرد والديمقراطية والحرية، ولم ينج من النقد إلا العلم التجريبي الذي قدم منافع للناس في ميادين الطب والمواصلات وتحسين الإنتاج، وكذلك العقل الذي ساعد على تخطيط السياسة الاستعمارية ونجاحها، والحروب: إن الحروب التي انطلقت منذ القرن التاسع عشر أبرزت تهافت مفهومي العقل والعلم، إذ عوض أن يخدما السلم والتعاون بين الشعوب، عملا على تأجيج حوافز العداوة والمنافسة، والثورة الشاملة: إن فكرة الثورة بدورها بينت تهافت الفردانية والحرية والعقلانية باستثناء مفهوم الديمقراطية الذي كان هدف الثورة ولو كان ذلك في المستقبل البعيد.
يرى العروي بخصوص العالم العربي بأن النموذج الوحيد الذي ينبغي أن يحتدى به هو هذه الحداثة الغربية التي حققت الكثير للمجتمعات الإنسانية وحتى إذا أردنا تجاوزها، فينبغي استيعابها أولا، كما تمكن من رصد أهم الموعقات التي تقف عندها الحداثة في العالم العربي وأهمها على سبيل الحصر لا التمييز، القول بأن الحداثة كانت تنطعاً ومروقاً وجهالة ندم عليها أهلها وتابوا عنها، كما أنه ليست هناك حداثة مادام هناك ما يعوق تحرير الفرد سياسيا واجتماعيا وعائليا وعشائريا وفكريا، وما يعوق الحريات المدنية والسياسية للفرد، وما يعوق الديمقراطية في سيادة الشعب، ومايعوق العقلانية العلمية(منطق التجريب والاستقراء) باللجوء إلى الغيبيات في الحياة وفي السلوك، مبرزاً بذلك أن لعوائق الحداثة أوجها سياسية واقتصادية وفكرية وعقائدية ينبغي الوعي بها وتجاوزها من استيعاب هذه الحداثة.
يعد مشروع عبد الله العروي من أهم المشاريع الفكرية التي جاءت لتنوير العقل العربي الإسلامي ولتعبيد الطريق للعقل، حتى يقوم بما أنيط له من أعمال للتدبر والإبداع والخلق والتقدم، وقد ناضل ولازال يناضل، ولو بصمت بغية جذب انتباه العالم إلى أن الثقافة مثل الثروة، لا تحمي من النسيان، وبهذا سيظل اسم العروي ساطعاً بين طيات التاريخ.
هو الآن مفكر يعمل في صمت، وأكيد أن خروجه مستقبلاً للساحة الثقافية سيكون بأعمال متميزة تبهر القارئ كما تعود.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

