العولمة وخصخصة القيم في الإعلام الجديد
03 فبراير 2015 | 0 تعليق

من رموز الثورة الإعلامية المعاصرة -(أرشيفية)
ذوات

ما آثار الفورة الإعلامية التي يعيشها العالم العربي على سؤال القيم؟ سؤال اشتغل عليه الباحث المغربي محمد مصباح، كما جاء في دراسته التي نشرت في موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، تحت عنوان "الإعلام الجديد، العولمة وتحدي "خصخصة" القيم".

ويرى الباحث أن التطور الإعلامي السائد حالياً في الوطن العربي أسهم في منافسة المؤسسات الاجتماعية التقليدية في التأطير الفكري والثقافي داخل المجتمع، عبر توسيع دائرة الخيارات ومصادر تلقي المعرفة وبناء التصورات الفكرية والقيمية. وأضاف الباحث أن هذه التعددية في مصادر إنتاج القيم، والتي قام الإعلام بدور محفز في تكريسها كانت لها انعكاسات على منظومة القيم الدينية والثقافية، أسهمت في بروز أنماط جديدة من العلاقة مع المرجعية والهوية؛ وهو ما دفع بعض الباحثين إلى الحديث عن ظاهرة التدين الجديد الذي من أعراضه ظهور ممارسات جديدة، مثل حجاب الموضة والفن الديني العصري، وهي محاولة لـ"أسلمة الحداثة" بعدما اكتسحت منتجات الحداثة عددًا من البلدان العربية، والأسلمة هنا نسبة إلى الإسلاميين، من إخوان وسلفيين.

وتابع الباحث أن نمط التدين الجديد يتميز بتضمنه قيمًا ترتكز على الفردانية والعقلانية والتوفيقية؛ وهو ما يقتضي البحث عن صيغ توافقية وتصالحية بين قيم الحداثة والقيم الدينية، والتعاطي بمرونة مع الممارسات الاجتماعية المستحدثة، والحفاظ في الوقت نفسه على تمثل القيم الدينية الأساسية، معتبراً أن مشروع "أسلمة الحداثة" أو ما يسمّيه الإسلاميون بـ"الرجوع إلى الإسلام" مرتبط بتأثير بارز للإعلام على الخطاب المسلم. ويشير مصباح، في الدراسة ذاتها، إلى حدوث انفتاح إعلامي أسهم في إنتاج حالة من السيولة في الخطاب الديني، أنهى زمن إنتاجه محليًا إلى مرحلة جديدة تتميز بخطاب ديني معولم تبثه الفضائيات الدينية والمواقع الإلكترونية، وأصبحت صناعة نجوم الدعوة صناعة قائمة الذات، تمتلك إمكانات مادية وتسويقية هائلة تشبه إلى حد ما الصناعات الإعلامية العاملية التي لها قدرة على صناعة نجوم السينما والفن، وما يعنيه ذلك من وجود معجبين ومتابعين متأثرين بسحر الصورة في زمن بات يُنعت بزمن الصورة.

تنامي وسائل الإعلام الحديثة والفضائيات والمواقع الإلكترونية كان له تأثير على مستوى تعدد مرجعيات استقبال المعلومة؛ وهو ما كان له انعكاس على مستوى السلوكات الاجتماعية وتغيير أنماط السلوك

ويرى الباحث أن تنامي وسائل الإعلام الحديثة والفضائيات والمواقع الإلكترونية كان له تأثير على مستوى تعدد مرجعيات استقبال المعلومة؛ وهو ما كان له انعكاس على مستوى السلوكات الاجتماعية وتغيير أنماط السلوك. وإن الإعلام لا يهدف إلى صياغة العواطف والتأثير على المعارف فحسب، بل لديه رغبة في التأثير على السلوك؛ فظهور اللباس الأفغاني أو جماعات "الإيمو" واللباس الأسود الذي يميز جماعات موسيقية شبابية تسمى بـ"الهارد روك" تعد من تمظهرات التأثير الذي أحدثه الإعلام، وهو ما يتم عبر تقديم نموذج متجانس للمنتجات الثقافية والرمزية المقدمة وإدخالها إلى مجال المنافسة، يتفاعل معها متلقون من مرجعيات ثقافية متنوعة تقوم بعملية اختيار وتفضيل بين "القيم" المعروضة في السوق وتعمل وسائل الإعلام وسائطَ أساسية في عملية النقل، وهو ما يؤدي إلى ما يسمّيه الباحث بـ "خصخصة" القيم التي تتسم بالانتقائية والتوفيقية. وهنا، يسوق الباحث مثال البحث الوطني حول القيم، الذي خلص إلى أن استقبال المعلومات الدينية بات يعرف تعددية مهمة، حيث لم يعد المسجد والأسرة المصدرين الأساسيين في إنتاج المعرفة والقيم الدينية، كما كان في السابق؛ بل أصبح مُنافَسًا من لدن التلفاز أولاً، ثم المواقع الإلكترونية والكتب الدينية والأشرطة المدمجة بدرجة أقل.

كما طالب الباحث بضرورة التمييز بين ثلاثة تحديات يتصور عدد من الحكومات في العالم العربي أنها تهدد نسيجها المجتمعي: التحدي الأول مرتبط بالغلو الديني؛ والتحدي الثاني مرتبط بالبعد العقدي والتحول الديني والمذهبي؛ أما التحدي الثالث فيرتبط بالإباحية.

وخلُصَ الباحث إلى أنه من الصعب الجزم بالقول إن الاستجابة المؤسساتية للتحديات التي بات يفرضها الانفتاح الإعلامي غير المسبوق في العالم العربي قادرة على صد أو تأخير حدوث تغيرات في منظومة القيم وتمثلات الهوية في المجتمع؛ فمن المؤكد أن حضور وسائل الإعلام الجديد في العالم العربي بات بارزًا، وأن فئات واسعة تستعمله استعمالا متناميا مع تطور في معدلات التعلم وتنام في البنية التحتية الإعلامية وانخراط معظم الدول العربية في منظومة الحداثة.

لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق