روكس العزيزي: معْلَمة التراث الأردني
28 يناير 2015 | 0 تعليق

صورة تجمع روكس العزيزي مع الملك الحسين – (أرشيفية)
ذوات

حين كان روكس بن زائد بن سلمان العزيزي ابن عشر سنوات، أحضر أبوه له مدرسين يعلمونه الفرنسية والإنجليزية بعد أن اشتعلت الحرب العالمية الأولى، وتوقف عن الالتحاق بمدرسة اللاتين بعدما استولت الدولة العثمانية على المدرسة وحولتها مدرسة حكومة تعلم الدروس بالتركية. وكان ذلك الحدث فريداً من نوعه في بلاد كان الالتحاق بالمدارس فيها والوصول إليها أمراً دونه مشاق كثيرة وعقبات كأداء.

بعد اتقانه هاتين اللغتين، شرع يدرس العربية حتى أصبح مدرّساً لها في مدارس اللاتين في مأدبا، مسقط رأسه في الأردن عام 1903. ثم التحق بتدريس الأدب العربي في تراسنطه القدس ثم عاد لمأدبا وأصدر (80) كتاباً في الأدب وتاريخ العشائر والصحراء، بالإضافة الى أعمال تم إنتاجها درامياً بإخراج صلاح أبو هنّود.

ومن أهم ما تركه العزيزي، الذي ارتحل بعدما نيّف بعام عن المائة، كتابه "مَعْلمة التراث الأردني" الذي يصفه الدكتور عميش عميش بأنه كان "عملاً مميزاً وغير مسبوق وسجلاً عظيماً لتاريخ وإرث الوطن وتراثاً ناصعاً سجله في خمسة أجزاء مجموع صفحاته (2869)، وستظل مرجعاً لكل باحث متعطش للمعرفة، وكنزاً لنا وللأجيال القادمة".

وكان اشتغال العزيزي بالتراث، وبخاصة التراث الأردني، نابعاً، كما يقول، من أن "التراث هو طفولة المجتمع، وهو صوت الماضي، وهو عند التحقيق صوت الحاضر المدوّي، وإن تسجيل التراث يقربنا من ذوبان الفروق الاجتماعية ويدعو إلى توحيد الشعب، ويضع بين أيدينا أمورا أهملها التاريخ والمعاجم". وعن تسمية كتابه "معْلَمة" وليس "موسوعة" يعترف العزيزي بفضل أستاذه العلامة انستاس ماري الكرملي الذي يقول عنه بأنه صاحب اصطلاح "معلمة". وقد تشارك الطالب والمعلم في كتب كثيرة أنجزاها وحققاها معاً، مثل نخب الذخائر، 1939، وعلم النميات (لغة) وتاريخ اليمن.

وللعزيزي كذلك "المنهل في تاريخ الأدب العربي"، و"سدنة التراث القومي" و"الخلافة التاريخية"، و"أبناء الغساسنة"، و"أزاهير الصحراء" و"الأرض أولاً". وله من الكتب أيضاً "مقدمة لترجمة رباعيات الخيام"، و"تطور حقوق الإنسان"، و"قاموس العادات واللهجات والأوابد الأردنية" (3 أجزاء) و"الطفل في الأدب العربي"، و"الإمام علي أسد الإسلام وقديسه"، و"مقدمة جمهرة أنساب العرب"، و"نمر العدوان شاعر الحب والوفاء"، وكثير غيرها من المصنّفات التي بوأت هذا العلّامة موقعاً رائداً في الذاكرة الأردنية، ما نال بفضلها عضوية شرف في مجمع اللغة العربية الأردني، كما حصل على وسام التربية والتعليم، ومنحه الملك الراحل الحسين بن طلال شهادة اليوبيل الفضية التكريمية في الأدب عام 1977، كما حاز جائزة الدولة التقديرية في مجال الآداب، ووسام الحسين للعطاء المتميز.

أسهم العزيزي، الذي ترأس رابطة الكتاب الأردنيين 1976، في الكتابة في حقول متعددة أدباً وسيرة وترجمة وتأريخاً للتراث، وكتابة في الدراما التلفزيونية والمسرحية، بحيث يعد من أندر الأدباء الأردنيين في هذه الإحاطة الموسوعية

وأسهم العزيزي، الذي ترأس رابطة الكتاب الأردنيين 1976، في الكتابة في حقول متعددة أدباً وسيرة وترجمة وتأريخاً للتراث، وكتابة في الدراما التلفزيونية والمسرحية، بحيث يعد من أندر الأدباء الأردنيين في هذه الإحاطة الموسوعية، ما جعل جوليا الربضي تعد أطروحة ماجستير في الجامعة اللبنانية عن "روكس بن زائد العزيزي حياته وآثاره" سنة 1993، فيما أعد د. عبد الله رشيد رسالة دكتوراه من الجامعة اليسوعية، حملت العنوان نفسه.

وفي الجانب الإنساني من حياة العزيزي، يروي عندما توفيت زوجته هيلانة بنت سليم باشا مرار، بعد زواج دام أكثر من خمسين سنة "لم نتعاتب يوماً حتى تعجب الناس كيف يمكن أن نعيش هذه المدة الطويلة من غير أن نتعاتب يوماً".

ويضيف، بحسب ما يذكر الباحث الدكتور أسامة شهاب: قبل أن يمر على موت زوجتي أربعون يوماً جاء أحد اشقائها وقال لي "أنت رجل معروف ولا يجب أن تبقى بدون زواج" فقلت له: أنا رجل معروف حقاً، ويجب أن أبقى بدون زواج، لأن البيت الذي نعمت به معها لا أسمح أن تدخله زوجة غيرها.

وقد أوجعه رحيل زوجته كثيراً، حيث كتب لها كتاباً خاصاً عنوانه (جَمَد الدمع) قال في مقدمته: "أجل، وضعته تخليداً للمرأة الفضلى أم عادل رداً لتحيتها التي كانت تخصني بها كل صباح، وهي تقدم لي فنجاناً من القهوة، كانت تحرص كل الحرص على أن تصنعه هي بنفسها! يسعد صباحك، يطلق جناحك، يجعل الخير هو كله استفتاحك! مع ابتسامة مشرقة ما فارقت ثغرها إلى أن جفت الابتسامة العذبة على شفتيها وهي تواجه ربها راضية مرضية". ويضيف "أنت في السماء تنعمين في جنات نعيم، وأنا هنا وحيد كالتائه في الصحراء المخوفة بلا سلاح ولا دليل ورفيق ولا مؤنس لي، غير أنّات أرددها لأني أخشى الشامتين:

كل المصائب قد تمر على الفتى، فتهون غير شماتة الأعداء".

وظل العزيزي حتى أخريات أيامه يكتب ويقرأ ويشارك في الحياة العامة ناشطاً ومؤلفاً: "أبدأ نهاري من الساعة السابعة بعد الاستحمام والحلاقة بتناول الفطور وأدخل مكتبي أقرأ فعلاً من الإنجيل وسورة من القرآن الكريم وأقرأ التوراة باعتبارها تاريخاً، لأنها تاريخ اليهود الذي رفعوه ببراعة إلى مرتبة القداسة".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق