القاضي عبد الجبار إمام المعتزلة ورائد الصحوة العقلية في الإسلام
26 يناير 2015 | 0 تعليق
رسم تخيلي للقاضي عبد الجبار المعتزلي - (أرشيفية)
اعتبره الصاحب بن عباد "أفضل أهل الأرض وأعلم أهل الأرض"، وقيل عنه إنه لا تحضر المتحدثَ عبارةٌ "تنبئ عن محله في الفضل وعلو منزلته في العلم، فإنه الذي تفوق في الكلام ووضع الكتب الجليلة التي سارت بها الركبان، والتي أصبحت ذكراً شائعاً بين الأصوليين والمشتغلين في العلوم الكلامية والفقهية ما لم يتفق لأحد قبله بعد أن بلغت كتاباته الشرق والغرب وذاع صيته، ورحل إليه طلاب المعرفة حتى طبق الأرض بكتبه وأصحابه، مع استمرار مواظبته علي التدريس والإملاء".
إنه قاضي القضاة عبد الجبار أحمد بن خليل بن عبد الله الهمذاني (359 – 415هـ ، 969 – 1025م) أحد أهم أئمة المعتزلة وشيوخهم، حيث أجمع الذين أرخوا له على علو كعبه في الاعتزال، وقد عاش في القرن الرابع الهجري، وورث تراثا أنضجته عدة قرون من الجدل المدرسي بين أصحاب المذهب والمنفصلين عنهم كالأشعري مؤسس المذهب المعروف باسمه، وابن الراوندي الملحد.
وللقاضي عبد الجبار النصيب الأوفى في فكر الاعتزال وبالرغم من ذلك فإنه لم يكتف بالتعمق في دراسة هذا الجانب وحده، فقد تناول في دراساته سائر أنواع العلوم الإسلامية من فقه وحديث وتفسير وعلم وجدل وغيرها وأجمع من ترجم له على كثرة تآليفه.
وعنه يتحدث الدكتور محمد عمارة، فيقول إن القاضي عبد الجبار ولد بمدينة أسد آباد الفارسية في العقد الثالث من القرن الرابع الهجري وفيها وفي قزوين بدأ تلقي دروسه الأولى في الفقه والأصول والكلام والحديث على أبرز العلماء، ثم رحل إلى همذان والى أصفهان فأخذ عن أعلام العلم وكان أشعرياً في المذهب الكلامي شافعياً في المذهب الفقهي، وغادر القاضي عبد الجبار في سنة 346 هـ/ 957 م أصفهان إلى البصرة وكانت مركز الفكر المعتزلي فتتلمذ على شيخ المعتزلة فيها أبي إسحاق إبراهيم بن عياش وتحول إلى مذهب المعتزلة. ومن البصرة سافر إلى بغداد فواصل دراسة الاعتزال على الشيخ أبي عبد الله بن الحسين بن علي البصري حتى أصبح من علماء المعتزلة وأعلامها.
وفي أوائل عام 369 هجرياً غادر عبد الجبار بغداد إلى مدينة "رامهرمز" بنواحي خوزستان وكانت من معاقل المعتزلة، وفيها شرع يلقي دروسه بأحد مساجدها وهناك أملى كتابه الجامع "المغني في أبواب التوحيد والعدل" الذي يعد أكبر موسوعات الفكر الاعتزالي على الإطلاق، وأيضاً في العقائد الإسلامية.
ودعا الصاحب بن عباد أبرز وزراء الدولة البويهية القاضي عبدالجبار إلى الري عام 326 هجرياً حيث تولى منصب قاضي القضاة فيها وواصل حياة التدريس والتأليف والإملاء مع رحلات للعلم والحج والقضاء كان يعود بعدها إلى الري. وقال عنه الإمام تاج الدين السبكي: "وهو الذي تلقبه المعتزلة بقاضي القضاة ولا يطلقون هذا اللقب على سواه ولا يعنون به عند الإطلاق غيره، وكان إمام المعتزلة في زمانه".
ويدل "المغني" في أجزائه العشرين على مدى تنبه القاضي عبد الجبار إلى الطبيعة المركبة للفعل، كما تنم قراءة تلك الأجزاء عن احتكام مستمر إلى قضاء العقل والثقة المطلقة بذلك القضاء، ويمكن القول إن هذا الكتاب يعد أكبر كتبه في علم أصول الدين، ومن خلال عنوانه يمكن إدراك أن القاضي عبدالجبار يقول بوجود أصلين فقط هما التوحيد والعدل. وقد فصل القول فيهما مؤلفه هذا حيث تحدث عن النظر والتولد والنبوة واللطف والإمامة وغيرها من قضايا الفكر الإسلامي التي كانت مثار جدل كبير آنذاك.
وفي نظر محمد عمارة، فإن القاضي عبد الجبار يمثل صحوة الفكر الاعتزالي بعد المحنة التي أصابته في عهد المتوكل العباسي 206 هجرياً، وتعد كتبه ورسائله التي قاربت على السبعين ومنها "المغني" أبرز ما بقى في المكتبة الإسلامية من تراث المعتزلة، وإلى جانب تأليفه، فلقد نبغ على يديه كوكبة من العلماء الأعلام الذين واصلوا الحفظ والتطوير والنشر للفكر الاعتزالي الأمر الذي جعل من القاضي عبد الجبار مدرسة فكرية وليس مجرد عالم من أكابر العلماء.
ولبعض الكتب سير وحيوات مثل البشر، وأقدار تترصدها. فقد تختفي في حوادث تاريخية مشهودة وتظهر في صدف عادية لتعود من جديد شاهدة على حيوية الفكر. ومن هذا القبيل كتاب "المُغني في أبواب التوحيد والعدل" الذي أعادت منشورات بيضون طبعه (دار الكتب العلمية، 2012) بعناية خضر نبها، الذي سبق له وضع "موسوعة تفاسير المعتزلة" (2007) في ستة أجزاء (بتقديم من د. رضوان السيد).
ومعروف، كما يقول عفيف عثمان، أن النص المتداول قد نُشر في القاهرة بدءاً من ستينات القرن المنصرم بإشراف طه حسين. وحافظ المحقق اللبناني على الصيغة الأصلية للكتاب وأضاف إليه شروحاً تتعلق بالمصطلحات الكلامية والفلسفية والفقهية والأعلام والفرق والمذاهب والبلدان، وأثبتها في فهارس، والأمر نفسه بالنسبة للآيات القرآنية والأحاديث، مثابة كشاف يسهل الإبحار في "المُغني"، كما وضع نبها أرقاماً وعناوين للفصول، فأتى العمل الجديد في عشرة مجلدات.
يقول نبها، في المقدمة التي وضعها، إنه كاد يُقضى على فكر المعتزلة لولا بعض الزيدية الذين حملوا ما تيسر من كتبهم إلى اليمن. بدأ الأمر على يدي القاضي جعفر بن أحمد عبد السلام (ت 573 هـ)، بغرض الاستعانة والاحتجاج بها في الخلافات بين فرق الزيدية، وذلك في العام 554هـ، وبالتالي لم تعرف اليمن قبل ذلك التاريخ كتباً للمعتزلة.
رقدت إذاً بعض هذه الكتب في المنازل والمساجد مجهولة من الجمهور الكبير، إلى أن وصلت البعثة المصرية عام 1951 لتصوير مخطوطات اليمن ومن ضمنها كان "المُغني"، وقد أدرك طه حسين أهمية الكتاب، فكلف عدداً من الأساتذة المصريين المرموقين تحقيقه، فأتى في نسخته القاهرية في ستة عشر جزءاً، هي عبارة عن أربعة عشر جزءاً تم العثور عليها وبقيت ستة أجزاء مفقودة.
وتعود أهمية القاضي عبد الجبار في نظر الباحثين إلى كونه يمثل "الاعتزال الخالص" الذي يُخالف الشيعة والفرق الزيدية في مسألة الإمامة. إذ أنكر فكرة النص عليها وذهب إلى أن الإمامة بالاختيار.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


