العقائد المسيحية في التفاسير القرآنية: من الفكر النقدي إلى الأسلمة
20 اكتوبر (تشرين الأول) 2014 11:13 | 0 تعليق
نور على نور -(ذوات)
خلص الباحث التونسي نجم الدين النفاتي إلى أن العقائد المسيحية في تفسير "التحرير والتنوير" لمحمد الطاهر بن عاشور قد خضعت إلى عملية أسلمة "فغاب الفكر النقدي الحر وحضر الفكر الديني بكامل حلته".
وركز الباحث اهتمامه في بحثه المنشور على موقع "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" على نماذج من العقائد والطقوس المسيحية، مثل مسألة الصلب والقيامة والأسرار والتثليث، فرصد نظرة ابن عاشور إليها ولاحظ أن "رجل الدين المسلم ينطلق في حكمه على مسألة الصلب من كتابه المقدس" أي القرآن الكريم، فيتقيد به وينفي كل رواية من خارجه. فلئن اعترف ابن عاشور بوقوع حادثة الصلب، فإن المصلوب اختلف إذ لم يكن المسيح نفسه، وإنما "ذات يعتقدونها ذات المسيح" على حد عبارة ابن عاشور. فاستنتج الباحث أن "رجل الدين يحاول دائماً تطويع الحقائق الأخرى وليّ أعناقها لتكون خادمة ذلولا للحقيقة التي يؤمن بها".
وأكد الباحث أن لنفي حادثة الصلب ما يبرره داخل المنظومة العقدية الإسلامية "ولذلك، فإن ابن عاشور حين أقر نفيها خضع في واقع الأمر لإملاءات واقع معرفي له أسسه المعرفية وقواعده التي لا يمكن إلا التفكير تحت غطائها والانضواء ضمن سلطتها"، وهي منظومة "تعرف بخضوعها الدائم لسلطة التقليد والاشتغال في فلك النص وعدم المراهنة على فرصة التجاوز والهدم وإعادة التأسيس" على حد عبارة الباحث.
أما إشكالية التثليث، فيرى الباحث أنها من "أبرز نقاط الخلاف والاختلاف بين أصحاب الديانتين المسيحية والإسلام". ولئن كان ابن عاشور مدركاً لطبيعة "تصور المسيحيين للألوهية ومفهوم التوحيد"، فإنه حسب الباحث، ظلّ "حبيس الموقف الإسلامي العام الذي يرى في هذا الثالوث شركاً"، وهو ما جعل "فكره استسلامياً مقيداً، مقابل ما يجب أن يكون عليه الفكر الحر الإيجابي الذي يتصدى للحقائق بالتحليل والتفسير والتقويم ويسعى إلى مساندة كل بديل معرفي وعلمي ومحاربة الجمود والخمول".
وينظر الباحث في عقيدة التثليث من داخل الإيمان المسيحي، فيؤكد أنها "عقيدة طارئة" لأنها "لم تتبلور تاريخياً إلا في القرن الرابع الميلادي؛ أي مع مجمع نيقية"، ويؤكد أنها ليست حكراً على المسيحية، فالتثليث موجود في كتب أفلاطون قبل المسيح بأربعة قرون، وهي موجودة في الديانات القديمة وضرب لذلك مثالا بالثالوث المصري أوزيريس وأيزيس وحورس التي تمثل على التوالي: الأب والأم والابن.
واهتم الباحث بعقيدة القيامة، فتتبع حضورها في الأناجيل الأربعة (متى ومرقس ولوقا ويوحنا)، ولاحظ أن ابن عاشور لم يذكرها في تعرضه للعقائد المسيحية، وفسر الباحث ذلك بأن "إقصاء عقيدة الصلب تتبعه آليا عملية إقصاء معتقد القيامة"، وهو ما جعله يصف رؤية ابن عاشور بـ"القاصرة" التي "تعيق فهم الآخر أكثر مما تساعد على فهمه وفهم معتقده".
صورة العقائد والطقوس المسيحية "لا تتقاطع والأصل إلا في مستوى الاسم"، فلا يمكن الحديث عن طقوس مسيحية، وإنما عن "عملية أسلمة للديانة المسيحية"، وانتهى إلى أن الفكر النقدي الحر كان غائباً ليحضر محله الفكر الديني
ونظر الباحث في فقرة أخيرة في الأسرار المسيحية مثل العماد، وهو طقس رمزي يفسر نظرة المسيحي الذي يرى أن الإنسان "ميت في الخطايا وفي غلف الجسم، وعبر العماد تقع قيامته على غرار قيامة المسيح ليحيا في الحق ويدخل في ملكوت الله بفضل هبة الروح". وهو طقس أهمله ابن عاشور أيضا لأسباب يذكر منها الباحث أن مسألة المعمودية ليست من المسائل الجدلية بين الإسلام والمسيحية شأن التثليث والصلب؛ وأن القرآن الكريم لم يرد فيه ذكر المسألة.
وكذا الأمر بالنسبة إلى العشاء الرباني الغائب ذكره في تفسير ابن عاشور. يعرفه الباحث بأنه "سر يدل على موت المسيح بإعطاء خبز وخمر وقبولهما حسب رسم المسيح، والقابلون باستحقاق يتناولون جسده ودمه مع جميع فوائده ليس تناولاً جسمياً أو جسدياً، بل تناولاً روحياً بالإيمان". أما عن أسباب عدم ذكره، فيعزوها الباحث إلى الأسباب نفسها التي منعت ابن عاشور من ذكر سر العماد، ويضيف سببا ثالثاً، وهو طبيعة علاقة العشاء الرباني بمسألة موت المسيح.
يخلص الباحث من خلال هذا البحث إلى أن صورة العقائد والطقوس المسيحية "لا تتقاطع والأصل إلا في مستوى الاسم"، فلا يمكن الحديث عن طقوس مسيحية، وإنما عن "عملية أسلمة للديانة المسيحية"، وانتهى إلى أن الفكر النقدي الحر كان غائباً ليحضر محله الفكر الديني.
لقراءة المقال كاملاً على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

