الظاهرة الداعشية: الأسباب والمخارج
15 يناير 2015 | 0 تعليق
الظاهرة الداعشية: الأسباب والمخارج
منذ سنة ونيف، أسهم تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (المعروفة اختصاراً بتنظيم "داعش") في تصاعد، إلى درجة أصبحت ظاهرة كونية في التداول، وليست متعلقة فقط بأحداث "الحراك العربي"، أو تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط.
كان الحديث عن التنظيم، بداية، لا يتجاوز قلاقل علاقتها بباقي الحركات الإسلامية "الجهادية"، والتي رفعت السلاح ضد النظام السوري، قبل أن تتطور الأمور ليبرز التنظيم، باعتباره صانع الحدث الديني والأمني والسياسي في المنطقة، ويُصبح حديث الساعة عند "الأصدقاء" و"الأعداء"، ليتسبب في خلط الأوراق الاستراتيجية لدى صناع القرار، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي.
بالنسبة لأبناء المنطقة، صدرت قراءات عدة عن الدوافع السياسية والدينية والاجتماعية التي تقف بشكل أو بآخر وراء هذا المد المريب، والذي يطرح علامات استفهام مؤرقة أكثر، مما يُقدم أجوبة صريحة.
في هذا السياق، يأتي هذا الملف، ضمن ملفات أخرى، صدرت هنا أو هناك، في الشرق والغرب، حول "الظاهرة الداعشية"، مساهمة منّا في تفسير ما يمكن تفسيره، انطلاقاً من زوايا متعددة، خاصة أن الظاهرة تعقدت إلى درجة، تجاوزنا فيها مرتبة/ مقام أن نكون مع "داعش" أو ضده، بتعبير الباحثة الإصلاحية المصرية هبة رؤوف عزت.
تتمحور مواد هذا الملف حول حصر أهم الأسباب التي قد تفسر تصاعد أسهم التنظيم، في بورصة الحسابات الأمنية والاستراتيجية لدول المنطقة؛ مع التوقف في آن، عند أهم المخارج النظرية الكفيلة بالتصدي للظاهرة، وهي المخارج التي تتشابك فيها عوامل دينية وسياسية اجتماعية أساساً.
وهكذا توقف الباحث سمير الحمادي، وهو أحد أبرز المتخصصين في الحركات الإسلامية "الجهادية"، عند أهم المحددات التي تقف وراء الظاهرة، معتبراً بالرغم من ذلك أن "العامل العقدي (الجهادي)، على أهميته، ليس كافياً وحده لشرح صعود "داعش" على هذا النحو الكاسح، الذي جعلها تسيطر على مناطق واسعة في العراق وسورية، وتمحو الحدود بين البلدين لأول مرة في التاريخ العربي الحديث والمعاصر.
وميّز الحمادي بين مستويين؛ أولاً: العوامل التي تخص "بيئة العمليات"، وهنا يشير إلى نقطة مهمة، وهي أن التنظيمات الجهادية تتميز بقدرة جيدة على التقاط فرص "فراغات السلطة" التي يخلّفها انهيار الأنظمة، أو تلك التي تخلقها التوترات والنزاعات السياسية والطائفية الحادة، والتمدد في مساحاتها.
ويتعلق المحدد الثاني بالعوامل التي تخص التنظيم نفسه في تركيبته وقدراته، وتتلخص في الجانب الديني المتشدد سالف الذكر، وهو دافع مهم لا يمكن تجاهل تأثيره الميداني / العملياتي (عبر تفعيل مفاهيم "الجهاد" و"الشهادة")، بالإضافة إلى إمكانياته المادية واللوجستية الكبيرة والخبرات العسكرية العالية لقياداته (منهم ضباط سابقون في الجيش العراقي) التي جعلت التنظيم قوة ضاربة.
أما عبد اللطيف الحناشي، أستاذ التاريخ المعاصر في تونس، وإن أكد على صعوبة تحديد مخارج نهائية وكاملة للتصدي لهذه الظاهرة المركبة والمعقدة؛ فيضيف مع ذلك أن الأمر يتطلّب تضافر مقاربات متعددة الأبعاد والمستويات يتداخل فيها الثقافي بالاجتماعي والتربوي بالتعليمي والعائلي، والإعلامي بالأمني والحسم العسكري، باعتبار الطبيعة العنيفة لهذه الظاهرة. وقد توقف عند بعض المخارج الفكرية والثقافية إلى جانب مخارج عملية، منها ما هو سياسي وأمني واستخباراتي، ومنها ما هو فكري وديني.
بالنسبة للباحث عادل الطاهري، فإن "داعش صناعة داخلية بالأساس"، مؤكداً أن "المزج في نسق تكاملي بين العوامل المادية والفكرية جدير بتقديم تفسير للخلفيات الثاوية وراءها"، مضيفاُ أنه "لا يخلو التراث من شواهد تعزز هذه الرؤية، فلئن كان التراثيون في الغالب يتمسحون بالفكر الخارجي، لتفسير جذور العنف داخل النسق الإسلامي، وبالضبط ينطلقون من شخصية "ذو الخويصرة" الذي أعلن تمرداً على النبي، عندما كان بصدد تقسيم الغنائم، فإن هذه الحادثة غنية بالدلالات؛ فالتمرد على قرار نبوي هنا يرجع إلى مظنة غياب العدالة الاجتماعية والتقسيم العادل للغنائم، إنه حتماً ليس سبباً دينيا محضاً هو الذي نبه في "ذو الخويصرة" النزعة التطرفية، بل عوامل اقتصادية اجتماعية، من هنا فالطرح الذي يجعل من "داعش" إفرازاً اجتماعياً لوضع سياسي موبوء، تغيب فيه أدنى مؤشرات العدل والمساواة، له وجاهة معتبرة".
وتحت عنوان "داعش: دولة الكفر أم دولة الإسلام"، يتساءل الباحث المصري محمد الدويك عن ماهية هذا التنظيم،ويقول إنه يحمل عقيدة داخلية هشة لا تقوم على شيء، لكن أهم ما فيها أنها تخاطب أسوأ ما في العقل الباطن للبشرية، وتحيي نزعات القتل والانتقام وشهوة السلب والسفك، وتغذية كافة الغرائز المنحطة للجزء السفلي من المخ. تماماً مثل تنظيمات المافيا في العالم الغربي، والتي تملك عقيدة داخلية وبناء هرميا وتسليحا قويا وشبكات مصالح وعلاقات تجارية، والتي تتصدى لها نظم العالم كلها بالتعاون القانوني والأمني، وتقوية الجبهات الداخلية من اقتصاد وإدارة واستقرار سياسي... لكن الفارق أن داعش، كتنظيم إجرامي، يعمد إلى قتل ضمير تابعيه بتبرير تلك الهمجية وهذا الشر، بأنها أفعال أو تكاليف مقدسة جاءت بها وصايا وأسفار الأنبياء والرسالات؛ فهنا يصير القتل عملاً مجيداً يكتسب صبغة دينية، بدلاً من كونه فعلاً شنيعاً يستوجب العقاب والاحتقار.
وفي ما يتعلق بالشق السياسي للظاهرة، يرى الكاتب والإعلامي ياسر أوروين، أنه "لا التفسير الاجتماعي السياسي، ولا التفسير العقائدي الديني قادران وحدهما على استجلاء معالم الظاهرة أو الإجابة عن عديد الأسئلة المرتبطة بهذا التنظيم، خصوصاً في ظل تزايد قوته المالية والإعلامية وكذا تزايد أعداد المنتمين إليه"، موضحاً أنه "يقع كل من يحاول الإجابة عن هذا السؤال في موقع "الرامي" من جهة، ومن جهة أخرى المدافع عن تكتل معين، باعتبار أن وجود طرف سياسي، دول على وجه الخصوص، أنشأ هذا التنظيم، للاستفادة منه في إفشال مشروع الخصوم، بات أمراً مُسلّماً به، وخارج دائرة التفكير والاختبار، فيما هو لا يعدو أن يكون تكراراً لما جرى كثيراً في التاريخ السياسي الحديث، من ناحية استثمار كل طرف ما هو متاح لتبشيع الخصم السياسي وشيطنته، واعتباره مصدراً لكل الشرور والموبقات"، مؤسساً مقاله على دراسة للباحث السعودي نواف القديمي، والتي اشتغلت على أهم الأسباب السياسية التي تقف وراء صعود الظاهرة.
* مقال تقديمي لملف العدد الأول لمجلة ذوات الثقافية الإلكترونية
لتصفح ملف العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":
http://goo.gl/0RHFu6
لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":
http://goo.gl/XvevRU
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


