الشرفي لـ"ذوات": خلط الإسلام بالأيديولوجيا انحدار به لا ارتقاء
05 نوفمبر 2014 | 1 تعليق

الدكتور التونسي عبد المجيد الشرفي - (ذوات)
ذوات - حاورها: عيسى جابلي

قال الدكتور التونسي عبد المجيد الشرفي إن الاسلام قد انحدر ليصبح أيديولوجيا، مشدداً على أن ما يميز الإسلام هو مزجه بين الحرية الذاتية والمسؤولية الشخصية، داعياً إلى ضرورة القيام بمراجعات نقدية عميقة تمس الممارسات التاريخية للإسلام ويقوم بها "المؤمنون الصادقون" من خارج المؤسسة الدينية، على حد تعبيره.

وذكر الدكتور الشرفي، في حديث مع "ذوات" بمكتبه بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس العاصمة، أن الدين يتحول إلى أيديولوجيا عندما يكون هناك فراغ سياسي سرعان ما يتقدم الدين لملئه، مضيفاً سبباً تاريخياً يتمثل في تحجر الإسلام منذ قرون.

كما أكد أن تحول الإسلام إلى أيديولوجيا مرتهن أيضاً بحالة الضعف والشتات التي يرزح تحتها العالم العربي الإسلامي المتكون من دول بحدود "صناعية" سطرها الاستعمار وعمل على تجزئتها وتغذية الطائفية فيها كي يسهل زرع الكيان الصهيوني بينها دون أن يكون "نشازاً" على المنطقة حسب قوله.

ودعا د. الشرفي إلى ضرورة مساعدة المسلم "العادي" على استقلالية شخصيته وترسيخ وعيه بشخصيته وانسجامه مع نفسه ومسؤوليته عن اختياراته، وذلك عبر نظم التعليم ووسائل الإعلام المختلفة، وعمل منظمات المجتمع المدني ورجال السياسة.

والدكتور عبد المجيد الشرفي أستاذ التعليم العالي، له كتب عديدة من أهمها، كتاب "الفكر الإسلامي في الرد على النصارى"، وهو في الأصل أطروحة دكتوراه دولة، ومن مؤلفاته كذلك "الإسلام والحداثة" و"لبنات"،  و"الثورة والحداثة والإسلام".  وقد أشرف أيضاً على عدد كبير من الرسائل الجامعية، سواء في مستوى الكفاءة في البحث، أو الماجستير، أو دكتوراه المرحلة الثالثة، أو دكتوراه الدولة؛ مما جعله يرأس مدرسة متخصصة في دراسة الفكر الإسلامي. بالإضافة إلى إسهامه في إصدار سلسلة كتب "الإسلام واحداً ومتعدداً" التي ألفها أساتذة باحثون في الجامعة التونسية، التي أثارت الكثير من القضايا المتصلة بالفكر الإسلامي بواسطة مناهج تاريخية ومقارنية ونقدية.

وفي ما يلي نص الحوار كاملا:

*يرى ملاحظون بأن الإسلام قد تحول من قوة روحية ودين هدفه السمو الأخلاقي والروحي، إلى أيديولوجيا، ما تقييمكم لهذه الأطروحة؟ وما انعكاسات ذلك على الإسلام والمسلمين في العالم العربي؟

-لقد أصبح واقعاً بأن الدين عموماً والإسلام خصوصاً، اتجه ليصبح في طرحه أيديولوجيا. وهذا التوجه هو في حقيقته انحدار بالدين وليس ارتقاء به. وانحدار الدين إلى أيديولوجيا - ليست أيديولوجيا تحررية، بل أيديولوجيا محافظة وشمولية أو كليانية (Totalitaire)-، يؤدي حتما إلى اكتساء بعض المظاهر الخارجية والطقوسية، قيمة أكثر مما تستحق بالنسبة إلى واقع التدين، الذي يخلّص المسلم من التبعية للزعيم أو للمرشد أو للإمام أو للمفتي أو للخليفة أو للسلطان، وهذه الأيديولوجيا الشمولية من ناحية، ومعها التشبث ببعض المظاهر الشكلية من ناحية ثانية، يساهمان في تفقير الدين. ومعها تفقير الشعور الديني الصادق. وعندما لا يكون هذا الشعور في انسجام مع العصر، فإن النتيجة المترتبة على هذا الوضع تصبح مجرد بحث للمتدين عن ما يمكن أن يستعمله لبلوغ غايات قريبة، عوض البحث عن شخصيته الفردية المستقلة والمتميزة.

الشرفي: الدين لا يتحول إلى أيديولوجيا إلا عندما يكون هناك فراغ في الحياة السياسية. والدين يملأ ذلك الفراغ، فيصبح هو بدوره أيديولوجيا.

لقد ربطتُ بين الحرية الذاتية والمسؤولية الفردية، لأنني أعتبر أن جوهر الدين الإسلامي يقع في المزج بين الحرية الفردية والمسؤولية الشخصية، بينما تبقى تلك الاعتبارات الجماعية، مجرد أمور فرضتها ظروف تاريخية كان الدين فيها أهم وسيلة، لشرعنة المؤسسات القائمة، وتبرير القيم المجتمعية السائدة. ولذلك وبالاعتماد على هذا الأساس، لا بد لنا من أن نقوم بنقد للممارسات الإسلامية التاريخية، حتى نخلّص الدين من طبقات التأويلات المتراكمة، المتأثرة بقيم وأوضاع تجاوزها الزمن. ويبدو أن القائمين على الشؤون الدينية الرسمية غير قادرين لحد الآن على القيام بهذا الدور، ما يقتضي بالضرورة فتح المجال أمام العاملين في هذا المجال من خارج المؤسسة الرسمية، أي أولئك المؤمنين الصادقين الذين لا يتنكرون للدين، ولا يتنكرون لتاريخهم، كونهم يخضعون التدين والممارسة التاريخية للنقد وللتمحيص. خصوصا وأن هذا العمل يحتاج لكثير من الجهد الكبير والوقت الوفير، بالإضافة إلى حاجته لمناخ جيد من الحرية، وذلك حتى لا يُنعت الذين يقومون بهذا العمل الجبار، الذي يمثل نموذج نقد أشكال التدين ونقد الممارسة التاريخية، بالانسلاخ عن الإسلام، أو العداء للدين، أو الكفر أو النفاق أو الإلحاد.

ومادام مناخ الحرية في المسائل الدينية غير متاح في مجتمعاتنا، ليس بسبب الأنظمة الحاكمة فقط، ولكن أيضا بسبب عدم تعود المجتمعات الإسلامية نفسها على قبول الرأي المخالف، وكذا عدم تعودها على قبول أي نظرة أخرى إلى التدين وإلى الممارسة التاريخية. بالتلي فإن هذه العملية هي الكفيلة بأن تخلّص الدين من الأدران التي علقت به عبر التاريخ، والتي انزاحت به عن مقاصده الأساسية.

*لنتحدث عن الدين بصفة عامة الآن: ما هي الشروط – أو الأسباب – التي تحول دينا ما إلى أيديولوجيا؟

الشرفي: زرع الكيان الصهيوني في هذا الجسم العربي كان من أهم الأسباب التي دعمت التشتت الذي نعيشه.

-هي دائماً أسباب تاريخية. الدين لا يتحول إلى أيديولوجيا إلا عندما يكون هناك فراغ في الحياة السياسية. والدين يملأ ذلك الفراغ، فيصبح هو بدوره أيديولوجيا. أما إذا كانت هناك حياة سياسية سليمة، فإن الدين لا ينحدر إلى المستوى الأيديولوجي، لأن السياسة لا تحتاج إليه في تلك الحالة لتبرر الاختيارات المجتمعية والاقتصادية التي يقوم بها رجال السياسة والأحزاب والمنظمات. وقد عشنا في نصف القرن الأخير هذا الوضع بصفة واضحة، لأن الأيديولوجيا التي سبقت بروز الإسلام السياسي على الساحة بكثافة، كانت هي الأيديولوجيا القومية. وقد منيت هذه الأيديولوجيا القومية بنكسات كانت سبباً في تقلصها إلى أقصى حد. ولم تكن الأيديولوجيا الوطنية بالنسبة إلى كل قطر من الأقطار كافية لتعوض الأيديولوجيا القومية، لا سيما مع ضعف الكيانات التي توجد في العالم العربي. فلو استعرضنا الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، لرأينا أن ثلاث دول منها فقط لها مقومات الدولة بالمعنى الصحيح للكلمة، إذ لها عمق تاريخي ولها مؤسسات قائمة منذ مدة، ودُخلنت تلك الدولة وذلك الحكم المركزي في شعور المواطنين. هذه الدول هي المغرب وتونس ومصر. أما سائر "الدول" الأخرى، فإنها كيانات إما وجدت لأن المستعمر هو الذي فصّل حدودها، أو لأنها كيانات هشة، قبَلية، عشائرية، إثنية، طائفية، ولا تتوفر فيها خصائص الدولة التي توجد في مصر وتونس والمغرب.

لذلك فإن لهذا الوضع الذي تعيشه البلدان العربية، دورا في تمكين الإسلام السياسي من الانتشار بهذه الطريقة، ودوراً أيضا في تمكين الأيديولوجيا الدينية من تعويض الأيديولوجيا العلمانية التي تكون في نطاق الدول القائمة. لذلك فإن هذه الأسباب إذا ما أضفناها إلى ما عرفه الفكر الإسلامي من تحجر طيلة قرون، واستعجال المصلحين للحلول العملية دون التعمق في دراسة الدين، فإننا سنصل إلى نتيجة مفادها أن تلك هي الأسباب التي أدت إلى ما نعرفه اليوم من فوضى وانحدار الدين إلى الأيديولوجيا.

*ثمة من يربط هذه الأسباب بحالة الضعف والشتات التي يعيشها العالم العربي الإسلامي. هل هذا صحيح؟

-من دون شك، لأن العالم العربي مكوّن كما قلت من كيانات ليس لها عمق تاريخي وحدودها حدود اصطناعية. فما هو الفرق مثلاً بين شمال العراق وسوريا؟ ليس هناك فرق كبير، فبادية الشام وشمال العراق تكوّن منطقة واحدة. سوريا وفلسطين ولبنان والأردن كل هذه المنطقة كانت في القديم تسمى الشام. العراق كان مقسماً إلى ولايات عثمانية، الحجاز كان تابعاً للخلافة العثمانية، دويلات الخليج النفطية الغنية، هذه كيانات عشائرية. هذا التقسيم مسؤول دون شك عن التشتت والتشرذم. ولكن لا ينبغي أن نفهم من ذلك ضرورة توحيد هذا العالم العربي بقرار فوقي. لا بد من أن تمر هذه الكيانات الهشة بالمرحلة التي ترسّخ فيها هذه الكيانات في نطاق دول أو مجموعات دول، ثم بعد ذلك عندما تكون الإرادة الحرة للمواطنين في هذه الدول دافعة إلى التوحد، فإذاك يكون مصيرها الوحدة الفيدرالية أو الكونفدرالية أو غيرها من الوحدات غير الاندماجية، لأن الوحدة الاندماجية معناها القضاء على خصائص كل قطر من تلك الأقطار، سواء في حدوده الحالية أو في حدوده التاريخية. هناك دائماً خصوصيات ينبغي مراعاتها عندما يسعى المفكرون والمسؤولون لأن يوحدوا هذه الدول أو هذه الكيانات.

الشرفي: الحل في نظري لمساعدة المسلم العادي هو عن طريق التربية والتكوين الذي يرسّخ فيه استقلالية شخصيته. وإذاك فلن يكون تابعاً لجهة معينة، لن يكون ضحية لاتجاه من الاتجاهات.

ونعرف جميعا أن زرع الكيان الصهيوني في هذا الجسم العربي كان من أهم الأسباب التي دعمت التشتت الذي نعيشه. والسياسة الإسرائيلية، مدعومة بالولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها الإمبريالية، متيقنة من أن مستقبل الكيان الصهيوني، إنما هو رهين بقيام كيانات على أساس طائفي أو إثني أو مذهبي، حيث لا يكون هذا الكيان الدخيل نشازاً في وسط هذه المجموعة. ولذلك، نرى أن الأسباب هي أولاً وبالذات أسباب داخلية ذاتية، ولكن هناك أيضاً أسباب خارجية من شأنها أن تدعم هذا الضعف الذي تعيشه هذه الدول. إذ فالسؤال هنا هو، هل ينبغي علينا أن نتوجه إلى الخارج لنطالب بحقوقنا؟ أنا لست من دعاة هذه السياسة. وأرى أن الأولى هو بناء مجتمعاتنا على أسس متينة، وهذه الأسس لا يمكن أن تكون في نطاق النظم العشائرية، ولا في نطاق النظم الاستبدادية، بل ينبغي أن تكون في نطاق النظم الديمقراطية الحديثة.

*كيف يجب على المسلم "العادي" أن يتعامل مع هذه الدعاوى، خاصة وهو يعيش ممزقاً بين من يتهمونه بالإرهاب وبين جماعات يتبرأ منها ويعرف أنه بعيد عنها أيديولوجيا ودينياً؟

-سؤالك يفترض أن هناك إملاء يمكن أن نفرضه على هذا المسلم العادي، ولا أظن أن هذا هو الحل. الحل في نظري لمساعدة المسلم العادي هو عن طريق التربية والتكوين الذي يرسّخ فيه استقلالية شخصيته. وإذاك فلن يكون تابعاً لجهة معينة، لن يكون ضحية لاتجاه من الاتجاهات. بقي فقط، أن المسلم العادي يقوم بعفوية بعملية أخذ ما يناسبه من الأيديولوجيات الموجودة في الساحة ويترك ما لا يناسبه، ولذلك فإننا نلاحظ كثيراً من التناقض في سلوكه : والمثال هنا قد تجده في رجل ملتح يلبس قميصاً أفغانياً، وهو يكذب أو يغش أو يسرق أو يهرّب أو يتاجر في المخدرات، وتجد امرأة معصّبة الرأس، أو واضعة الخمار الشرعي في نظر الإسلامويين، ورغم ذلك فإنها تبرز مفاتنها بأنواع الألبسة والمساحيق، وقد تعثر على من تمارس البغاء وهي منقّبة. كل هذا موجود وليس نظرياً. فلا بد إذن من مساعدة هذا المسلم العادي – الذي سماه حسين أحمد أمين "المسلم الحزين" – على أن يكون واعياً باختياراته، وأن يكون منسجماً مع نفسه، صادقاً معها أوّلاً. تلك هي الخطوة الأولى. والوصول إلى هذه النتيجة يكون عبر نظم التعليم وبرامجه، ويكون كذلك عبر وسائل الإعلام الحديثة المقروءة والمسموعة والمرئية، ويكون أيضاً عبر عمل منظمات المجتمع المدني، ويكون في الآخر من مسؤولية رجال السياسة. فترى أن هذه المسؤولية مشتركة، وأنه لا ينبغي أن ننتظر حلا نمليه على هذا المسلم العادي، بل المصلحة – مصلحة المجتمعات العربية والإسلامية – تقتضي بالضرورة أن نساعد أفرادها فرداً فرداً، على أن يتخلصوا من هذا التمزق وهذا الفصام الذي تحدثنا عنه، لكي يكون سلوكهم سلوك المواطن الرشيد الذي يكون واعياً باختياراته.

التعليقات السابقة

merci iiiiiiiiiiiii

afef
10 نوفمبر 2014‎

Merci ostedh domta lil jami3a tounousia

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق