هالة فؤاد لـ"ذوات": مفهوم الإيمان متحرّك ومتجدّد يرتبط بحيوية التجربة البشرية
17 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

الدكتوره هالة فؤاد -(ذوات)
خالد محمد عبده *

يحرص الكثيرون من أهل الأديان على أن يكون كلامهم غير خارج عن (صراط السابقين)، فإن سألت أحداً عن دينه، أو ما يراه في هذا الجانب، أو كيف ينظر إلى قيمة معيّنة، أجابك بما يقوله السابقون، ففي إجابات السابقين سكنٌ وراحة، ولا قلق يصاحب الإنسان، سواء في الجواب أو السؤال، حتى أن بعضهم يخشى جوابك عمّا يقدّمه للناس على أنه من البدهيات، وبعضهم يجيبك بمنطق (ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا)، دون سؤال حول ماهية الإيمان أو مفهومه، ودون أن يخبرك عن تلك التجربة التي تستغرق جزءاً من حياته أو تستغرقها كلّها.

حاول العلماء تعريف مفهوم الإيمان، سواء من خارج الدين ذاته أو من داخل الدين، وهناك من رصد في كتاباته عن الإيمان ما تقوله النصوص الدينيّة، وخاصة ما يقوله القرآن أو ما ترويه الرجال عن النبي أو عن الصحابة والتابعين، أو ما تقوله معاجم اللغة وقواميسها التي لا تختلف في التعبير عن المصادر السابقة، حتى وإن تحدثت عن جذر الكلمة وتصاريفها، فهي لا تفارق ما تقوله النصوص، بل تعتمده. قليلٌ جداً من ينتبه إلى مفهوم الإيمان عند أهل التجارب الدينيّة من المسلمين، ويفترض أنّ كل مؤمن له تجربته الخاصة التي تعبّر عن استغراقه في موضوع إيمانه وتمثّله وحده لا شريك له.

إنّ مفهوم الإيمان هو تحديدٌ لموضوع الحوار بين رسول الإسلام ومعاصريه، كان الرسول يتحدّث لمعاصريه عن حقيقة الإيمان ويدعوهم إليه، ونحن اليوم نبحث عن موضوع ذلك الحوار ونسعى لفهمه، يقول حافظ الشيرازي:

قصّتنا البارحة كانت عن جدائلك

بقينا نتحدّث عن ذؤابات شعرك إلى كبد المساء

لو نظرنا في كلام الصوفية والعرفاء، لوجدنا أنّ الإيمان استماع خطاب واستجابة مشوّقة له، وسير حثيث وراءه، وملء المستقبل بالأمل.

الإيمانُ أمانٌ وتأمين للآخرين، فمن لا أمان معه، مهما أقسم بالأيمان إنّه مؤمن، لا نسلّم له بذلك.

من مقدّمات الإيمان: الشّك - لا - التفكير أولاً والبحث في كافة المطروح من تصورات دينية تُلقى إلينا وتُفرض علينا، باعتبارها هي عين الحق والصواب.

من مقدمات الإيمان (يتفكرون) يحاولون الوصول إلى تصوّر يخصّهم ويعبّر عنهم، ويصقل تجربتهم، حتى لا يكونوا تكراراً للآخرين، وإذا ارتضوا ديناً أو تصوّراً يشابه تصورات الآخرين، فبعد بحث مُضنِ، بعد أن يجدوا ثقباً في جدار السجن، وبعدها يتجدّد الإيمان كل لحظة وكل نفس وكل نظرة وبكل معرفة جديدة وحياة مستمرّة.

يقول محمد مجتهد شبستري: المفروغ منه أنّ صاحب التجربة الإيمانية لا يستطيع القول (أنا أذيع عباراتي العقيدية ولا أبالي أبداً بما يوجّه إليها من نقود)؛ فالواجب المعرفي للمؤمن يحتّم عليه الاهتمام للنقدِ، ومراجعة عباراته العقيدية في ضوء المؤاخذات النقدية وصياغتها بنحو ينأى بها عن الهشاشة المعرفية. على أنّ هذا الكلام لا يعني أنّ البراهين الفلسفية بوسعها إنتاج الإيمان.

الإيمان كما أفهمه نمط من ردود الفعل، والاستجابة لخطاب داخل ثقافة معينة، ولا صلة لهذا الخطاب ببراهين إثبات الصانع أو غيرها من النقاشات الميتافيزيقية، غير أنّ الذين يدّعون التصاقاً بمثل هذه الخطابات، يجب أن يسمحوا للآخرين بنقدهم، فهذا النقد من شأنه الملاءمة بين العبارات العقيدية في كل زمان وحقيقة التجربة الدينية .ولأننا لا نظفر بحديث حول الإيمان سوى أحاديث الكتب والمراجع التي تناقش المسألة بشكل عقلي أو ديني تغرق فيه في التنظير وتبتعد عن التجارب الحيّة المتجددة رأيت أن أتوجّه بأسئلتي عن الإيمان للدكتوره هالة فؤاد.
هالة فؤاد أستاذة الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، لديها اهتمام كبير بالفكر الصوفي والنصوص التراثية الفلسفية، وقد عملت بشكل خاص على نصوص التوحيدي، وبعد رحلة امتدت قرابة عقدين معه، انتهت مؤخراً من كتابها عن التوحيدي: "رحلة الوعي من الغفلة إلى الانتباه"، ومن قبل كانت قد نشرت: المثقف بين السُّلطة والعامة نموذج القرن الرابع الهجري-أبو حيان التوحيدي... كما أنّ لديها مشروعاً حول الحكي الصوفي، يتناول نماذج متعددة من الحكايات الصوفية عند جلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار، قدّمت قراءات أوليّة له فيما نشرته من بحوث ومقالات في المجلات والدوريات العلمية، ومن هنا رأينا أن نجري حواراً معها لنتعرّف على ما هو مغيّب عن ساحتنا الثقافية اليوم.

 فكان الحوار التالي:

 جرت العادة عند الكُتّاب، عند الحديث عن الإيمان أو أيّ مصطلح من مصطلحات أهل الأديان، أن يتحدثوا عن جذر الكلمة، ويحاولوا أن يستندوا إلى المعنى الذي يشيرون إليه ويتبنّونه على نصوص من الكتابات المقدّسة عند من يتوجّهون بالخطاب إليهم. هل ترى أن ما يُطرح على هذا النحو يمثّل تجربة الإيمان اليوم؟ أم أنّ الإيمان يحكي معاني لا تمثل أهلها، وتعبّر عن ميراثهم الكتابي فحسب؟ ما معنى الإيمان بالنسبة لكم؟

هل مفهوم الإيمان مفهوم ثابت ومستقر حُدّد سلفاً؟ أم أنّه مفهوم متحرّك ومتجدّد يرتبط بتجربة تتكوّن في مسار بشريّ مستمر؟

ما رأيكم في حديث الفرق الكلامية عن الإيمان؟

هل ساعد الجدلُ الإنسانَ على الوصول إلى الروحانية أم أنه غيّب الإيمان والإنسان في خلافات وسجالات لا طائل من ورائها؟

هل يمكن النظر إلى الخلافات الكلامية لمفهوم الإيمان على أنّه ثراء وتعدّد في المعنى يفتح ولا يغلق؟

ما أعنيه هنا بالوجود الحقيقي هو تحقيق الذات بحضورها الأصيل في العالم، وتحرّرها من الوجود المبتذل، حيث تستلب الذات، ويغيب وعيها عن حقيقتها بذاتها الحقة التي تمتلك حقّ السيادة المطلقة على ذاتها، لا تغترب عن مصيرها

من وجهة نظري، أرى أنّ الصوفيّة أصحاب التجارب لا الصّوفيّة الطرقيّة تساعد على تجاوز القوالب التي تسجن الإنسان في تجارب الآخرين وتجعل منه صورة مكرّرة تابعة للآخر (السلف)، فهل الفهم الصوفي يساعد إنسان العصر الحديث على التعبير عن تجربته دون قلق أو خوف، وتفتح له باباً ظنّه قد أغلق من سنين؟

 تجيب الدكتوره هاله:

ـ ربما تكمن مشكلة الإيمان في ذلك التصوّر الوهمي لدى البعض، خاصّة من يرون أنفسهم (المؤمنين) بألف ولام التعريف، في كونها مسألة محسومة وبدهية، ولا ينبغي مناقشتها بأي حال من الأحوال، ومن ثمّ، فإنني أرى أنّ السؤال الأكثر أهمية وخطورة فيما تطرحون، هو المتعلق بكون مفهوم الإيمان مفهوماً ثابتاً ومستقراً ومحدّداً سلفاً، أم أنه مفهوم متحرك ومتجدد يرتبط بتجربة تتكوّن في المسار البشري بشكل مستمر؟

وحقيقة الأمر أنّني أراه مفهوماً متحرّكاً ونسبياً ومتجدّداً يرتبط بحيوية التجربة البشرية الإبداعية والخلاقة والطازجة، بل أتجاوز، وأقول: الذاتية الفرديّة في الوقت نفسه، بل يمكنني القول: إنّ مفهوم الإيمان إذا ما تكلّس وأصبح مفهوماً ثابتاً ومستقراً ومحدّداً سلفاً، فإنّه يفقد ماهيته أو جوهره الأصيل الحقيقي، ويغدو طقسيّاً غارقاً في الشكل، فاقداً لعمق الوجود الحق، ولا أعني وجود الروح، لأنّني لا أعتقد بذلك الانفصال الكلاسيكي بين الروح والجسد بوصفهما ممثلين لثنائية الأرقى والأدنى ... إلخ.

بعبارة أخرى، فإنّ ما أعنيه هنا بالوجود الحقيقي هو تحقيق الذات بحضورها الأصيل في العالم، وتحرّرها من الوجود المبتذل، حيث تستلب الذات، ويغيب وعيها عن حقيقتها بذاتها الحقة التي تمتلك حقّ السيادة المطلقة على ذاتها، لا تغترب عن مصيرها، ولا عن كينونتها الجدلية، حيث تتفاعل مع العالم والآخر بكل مستوياته وأنماطه تفاعلاً حيوياً حوارياً خلاقاً، لا يسعى فيه طرف إلى الهيمنة السلطوية على الآخر، أو استلابه في مداراته الماكرة، سعياً إلى نفيه خارج مساحات التفاعل والتأثير، واحتكار الخطاب لحساب صوت واحد يهيمن على المشهد، ولا يسمح إلا بالآخر الصدى، والانغماس المرآوي السلبي لحضوره النرجسي الطاغي. كي تحقق الذات هذا الحضور الأصيل المتحاور مع كل ما سواها، القادر على معايشة المغايرة لحميمةِ تسمح لذاتها متعددة الوجود، ولآخرها المتنوع بالوجود والفاعلية والمبادرة، فإنها تحتاج إلى وعي تجربة الإيمان، غير أنّ تجربة الإيمان، كما أسعى لفهمها هنا، هي تجربة إشكالية لا تكتسب احتمالاتها الثرية والخصبة إلا بخروجها عن أطر اليقين والاستقرار الثابت والرتابة والتكرار ... إلخ. بعبارة أخرى، إنّ الإيمان الحقيقي، إن جاز التعبير، لا، إنّ الحقيقة هي دوماً بالقياس إلى معيار إنساني نسبي وتاريخي مرهون بظرف محدد ... إلخ. أقول إنّ الإيمان وفقاً لهذا، هو حالة إشكالية يمارس فيها الوعي دوماً انقسامه على ذاته ومساءلة ما قد يغدو بدهياً مسلّماً به وشائعاً في كثير من الأحيان. إنما التجربة لا بدّ أن تتّسم بالطزاجة، وإعادة طرح السؤال مجدّداً حول ماهيّة الإيمان، عقلانياً ووجدانياً، وموضوع الإيمان، وآلية ممارسة حالة الإيمان، وكيفية وعي هذه الممارسة، وكيفية التفاعل عبرها مع الآخر النسبي والمطلق.

نواجه ثلاثة تصورات لمسألة الإيمان: أولها: التصور التقليدي الشائع لدى تابعي الديانات السماوية، وكتبها المقدّسة، وهو مفهوم يكاد يتمحور جوهرياً حول الممارسة الطقوسية لهذه الديانات، والفهم الحرفي في الغالب لنصوصها، أو من نطلق عليهم في كل ديانة

إنّ وعي الإيمان، من وجهة نظري، وعي ينبغي ألا يكفّ عن تجديد ذاته، وإعادة طرح الأسئلة، وعدم الإستسلام لفكرة اليقين الزائف والمريح، كي لا نسقط في الشكل ونفقد الجوهر الذي لا يكفّ بدوره عن التجدد والتغير والتحول الخلاق. ربما ما أحاول أن أوضحه هنا، هو أن تتحرّر تجربة الإيمان أياً كانت، تجربة دينية أو غير دينية، من مفاهيم الوظيفية والاستخدام والتشيّؤ معرفياً وقيمياً ووجودياً.

ولكي نحدّد المسألة بدرجة ما، نتوقف عند المثال الذي طرح في ورقة الأسئلة، والتي أتمنى أن توسّع من مفهوم الإيمان، وتخرج به عن الحدود الدينية إلى مساحات أكثر إتساعاً، وتطرح إشكالية إنسانية بالمقام الأول، قد يضمّ داخل حدودها كلّ ما يتعلق بالتجربة الإنسانية الحيّة داخل هذا العالم.

عودة إلى المثال المطروح في الورقة التي نتناقش حولها، ربما يتضح لنا من هذه الورقة أننا نواجه ثلاثة تصورات لمسألة الإيمان: أولها: التصور التقليدي الشائع لدى تابعي الديانات السماوية، وكتبها المقدّسة، وهو مفهوم يكاد يتمحور جوهرياً حول الممارسة الطقوسية لهذه الديانات، والفهم الحرفي في الغالب لنصوصها، أو من نطلق عليهم في كل ديانة، "الأصوليين" الذين تتفاوت درجات تشددهم الديني ما بين البساطة والسذاجة العقائدية، والعنف المقدّس الذي يمارس باسم الإله ووفقاً لتفسيرات منغلقة على ذاتها، لا تختفي بالحوار، ولا بالاجتهاد، ولا بالتاريخ وتطوره، وتقف بالزمان عند لحظة تتصورها نموذجيّة، وكلّ ما تلاها انحدار وانهيار. وهؤلاء لا يملكون الإيمان، لكنهم يحتكرون اليقين وملكية الحقيقة بوصفها حقيقة مطلقة، لأنّها حقيقة إلهية بجدارة. ولست في حاجة إلى الحديث عمّا يعانيه هؤلاء من انفصام معرفي وأخلاقي وقيمي، ويسهل جداً استغلالهم استغلالاً مدمّراً، لا للآخرين والمجتمعات فحسب بل لذواتهم ، وتدريجياً يصبحون تجّار دين، يتلاعبون به ويقايضون عليه في صراعات المصالح وتوازنات القوة، ولعبة السلطة والمال ... إلخ. أمّا العامّة (بلغة العصور الوسيطة) من المؤمنين، فربما يسقطون في أسر الشكل ويندفعون في مسارات الخرافة، فيقدّمون نمطاً عقائدياً خالياً من نسق القيم أو المعرفة الراقية، ويصبح المشهد مدهشاً، لأنه استخدام للعقيدة من أجل الخروج والانفلات من كافة القوانين والقيم العقائدية ذاتها.

أمّا الفرق الكلامية، فأظنها سقطت في مأزق الوظيفية، ناهيك عن الجدل السوفسطائي العقيم حول ذات الله وصفاته وأسمائه ... إلخ، ممّا هو متعارف عليه. ليس الإيمان كتجربة إنسانية عميقة تعني المتكلمين، لكن الإيمان كوسيلة من وسائل الصراع على السلطة، من ناحية، وكوسيلة لمقاضاة الله نفسه على الآخرة، وربما كان الجزء الأكثر عمقاً، والذي كان ينبغي أن يتمّ العمل عليه معرفياً هو إشكالية (الاختيار الإنساني وعلاقتها بالعدل والحرية ... إلخ) غير أنّ تورّط الفرق الكلامية، وخاصّة المعتزلة، في اللعبة السياسية وصراعات الهيمنة، دمّر إمكانية التطور المعرفي لهذه المقولات، وأسلم الحضارة الإسلامية إلى أيدي أهل النقل والرواية، ومعاداة كافة التيارات التي سعت بدرجة ما إلى عقلنة تجربة الإيمان.

أمّا الصوفيّة، فقد يتبادر إلى الذهن أنهم أفسدوا المفهوم بجعله تعبيراً عن حالة فردية ذاتية محضة، وكسروا إحدى قواعد الإيمان العقائدي، ألا وهي قاعدة الجماعة المؤمنة التي لا تجتمع على باطل قط، لا نريد أن نبالغ في الانحياز إلى التجربة الصوفيّة، وما قدّمته في هذا الصدد لكننا نودّ أن نطرح بعض التساؤلات الكاشفة في هذا السياق.

لماذا كان المتصوّفة يسعون للتحرر من مفهوم العبادات كما نصّت عليه الديانات بما فيها من طقسية وحالة جماعية، وحاولت أن تؤسّس علاقة فردية ذاتية يواجه فيها العابد ربه الذي هو على صورته (من عرف نفسه عرف ربه)؟

أولاً: ترى هل استطاع الصوفيّة الانتقال بالعلاقة ما بين الله والإنسان خارج نطاق الشكل السلطوي القانوني القائم على ثنائيات: الثواب/العقاب، الجنة/ النار، الرهبة/الرغبة ... إلخ؟

ثانياً: لماذا كان المتصوّفة يسعون للتحرر من مفهوم العبادات كما نصّت عليه الديانات بما فيها من طقسية وحالة جماعية، وحاولت أن تؤسّس علاقة فردية ذاتية يواجه فيها العابد ربه الذي هو على صورته (من عرف نفسه عرف ربه)؟ هل كان الدافع وراء هذا السعي هو التحرّر من صنيع المقايضة مع الله حول الجنة والنار؟ أم لعلها الرغبة في خلق فضاء وجداني إيماني حي ومتحرك بين الله والإنسان، لا يكفّ عن التخلق المستمر، ولا يرتكن إلى يقين زائف، بل هو في حالة من التجدد الدائم وفقاً لتصور الصوفيّة للإله بوصفه تغيراً دائماً لا تكرار فيه ولا رتابة؟

ثالثاً: هل يمكننا اعتبار مفهوم التجربة الإيمانية التي تتأرجح دوماً عند الصوفيّة ما بين حلم الوصل مع الله والشوق الدائم لمعشوق متأبٍ على التواصل، يلوح ويعد ببعض من اللوائح سريعة الزوال، من ناحية، وبين رغبة أثيرة لدى الصوفي في ألا يتحقق باكتمال التجربة ووصل المعشوق، وأن يظلّ في حالة التوتر الوهيج والشوق المستعر، واللاتحقق، من ناحية ثانية؟ نقول هل هذه التصورات حول تجربة الإيمان التي ما تكاد تكتمل أو تصل لذروتها إلا وتفقد كالسراب، هي ما يمنح التجربة الإيمانية لدى الصوفية مذاقاً خاصاً ودلالة ثرية، تجعل تلك التجربة إشكالية مفتوحة دوماً، ومساءلة ذاتية لا تكفّ الذات عن ممارستها، لا إزاء ذاتها فحسب، بل إزاء الآخر الذي لم يعد موضوعاً للإيمان، بل غدا حضوراً مستفزاً ومغوياً، لا يكفّ عن طرح تحديات متجدّدة على الذات، وعياً ووجوداً، بحيث لم يعد أمامها إلا أن تتفاعل معه جدلياً، لا أن تنسحق أمامه، ولا أن تمتلكه وتهيمن عليه، ولا أن ترفضه وتنكره وتتجاهله، بل تنهمّ به وينهمّ بها، ويتواجهان لا يملك أحدهما أن يبالي بالآخر المغاير الحميم، لكنْ بينهما طيف موسوس لكي يحتمل كلٌ منهما وطأة حضور الآخر؟ ... ولا تسأل من هو هذا الطيف القابل للتأويل المفرط.

أجرى الحوار/ خالد محمد عبده

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق