مكيافيللي: في سبيل سياسة بلا أخلاق
04 ديسمبر 2014 | 0 تعليق
بورتريه لمكيافيللي -(أرشيفية)
آمن مكيافيللي بدور السلطة في تحريك مجرى التاريخ، وبالتالي نادى بدولة يكون فيها السيد قادرا على الجمع بين خصائص الثعلب في المكر والأسد في القوة، فعلى الأمير أن "يتصرف كالحيوان"، في تقليد الثعلب والأسد معاً، فلما كان الأسد "لا يستطيع أن يحمي نفسه من الفخاخ" وكان الثعلب "غير قادر على مواجهة الذئاب"، فعلى الأمير أن "يكون ثعلباً ليواجه الفخاخ وأسداً ليخيف الذئاب".
إن هذا المسار الذي اتخذته تنظيرات مكيافيللي لرجل الدولة هو ما جعل من "الميكيافيلية" أكثر التوجهات الفكرية تعبيراً عن "لا أخلاقية" السياسة؛ فلا حق ولا صدق ولا عدل ولا وفاء ولا خير ولا دين فيها إلا بقدر مردوديتها في إدارة قضايا السلطة والحكم.
اسمه الكامل نيكولو دي برناردو دي مكيافيللي، وهو أحد أشهر علماء الفكر السياسي، ولد بفلورانسا الإيطالية عام 1469 وبها توفي سنة 1527، ينتمي إلى أسرة نبيلة ومثقفة، امتهن والده "المحاماة" فيما ولع هو بالتاريخ والفلسفة والسياسة والفن؛ نال شهر كبيرة بفضل كتابه "الأمير" الذي نشر بعد وفاته، حيث يعتبر نقطة تحول في مقاربة قضايا السلطة السياسية بواسطة منهج بديل لما يقدمه الخطاب الديني، فمكيافيللي فصل في الكتاب بين حقل المقدس الذي يبقى حكرا على الدين، وحقل السياسة الذي يجب أن يخضع لقواعد العقل والتدبير الاختياري.
وقد وضعه صاحبه، حسب الباحث محمد الحداوي، لطرح "مشاكل فن ممارسة السياسة في إيطاليا خلال العقود الأولى من القرن السادس عشر، ولكن سرعان ما تحول إلى مؤلف معتمد لدى رجال الدولة خارج إيطاليا، وتمتع طيلة القرون اللاحقة على صدوره بثقل في تاريخ الفكر السياسي". كما يعتبره آخرون ممهداً للفلسفة السياسة الحديثة لكونه ينتمي لنسق ثقافي مغاير صاحب ولادة النهضة الأوروبية.
تعرض الكتاب بعد صدوره، سنة 1532، لحملة تشويه واسعة وكان موضوعاً للتحريم لمنع الاطلاع عليه ونشره، كما صدر قرارا قضائيا بإحراق كل كتب المؤلف ومنع تداولها. ولم يتم رد الاعتبار لمكيافيللي إلا بعد انقشاع عصر الأنوار في فرنسا، خلال القرن الثامن عشر، واستعادة فكره كأرضية للمشاريع المجتمعية من طرف فلاسفة ذلك العصر من أمثال جان جاك روسو (1712-1778م) ومونتيسكيو (1689-1755م) ومن قبلهما باروخ سبينوزا (1632-1677م)، كما اعتبره المفكر كلود لوفور، حسب ما كتب عبد القادر الجموسي في مقدمة ترجمته للكتاب الذي اعتبره أشهر من مؤلفه، خلاصة "تجربة فكر عظيم، وثمرة اشتغال طويل على فن التعبير".
وقد كان لتجربة مكيافيللي الخاصة في السياسة وظروف بلده المتقلبة، حينها، بالغ الأثر في تشكيل رؤيته السياسية، حيث مارس السياسة وتقلد مهام ديبلوماسية قربته من دوائر صنع القرار في عدد من دول العالم، إذ لا يخفى تأثر مسار حياته بمخاضات السياسة في بلده خصوصاً في "جمهورية فلورانسا" التي شغل فيها منصب سكرتيراً للمستشارية، تحت حكم جمهورية سودريني، قرابة أربعة عشر سنة (1498-1512) قبل اقتحام الجيش الفرنسي لفلورنسا، وإعادة أسرة "مديشي" للحكم بمباركة البابا، فيما تعرض "مكيافيللي" للنفي بعد اتهامه بالتآمر ضد الحكم الجديد.
غير أن زمن المحنة سيكون بالنسبة إلى مكيافيللي، حسب عبد القادر الجموسي، "زمن الكتابة والتنظير السياسي بامتياز". فسنة واحدة بعد ذلك؛ أي عام 1513، سوف يعكف المنظر الكبير على تحرير كتابه الصغير، "الأمير"، الذي وظف فيه معطيات التاريخ وتجارب الدول ومهاراته الخاصة في الممارسة والتنظير، وهو كتاب طمح من خلاله إلى استمالة عطف حكام فلورنسا الجدد، وهو لا يخفي رغبته تلك سيما وقد ضمن كتابه، في وقت لا حق، كلمة إهداء للأمير "الورينزو دي ميديشي" الملقب ب"لورنزو العظيم" (1449-1492م) كما أضاف له فصلاً ختامياً يلتمس فيه من الأمير الاطلاع على محتوى مؤلفه.
وفضلاً عن كتاب "الأمير" ألف مكيافيللي أيضا كتاب "الخطب"، كما ألف كتاب "تاريخ فلورانسا" سنة 1525 بطلب من الكاردينال دي ميديشي الذي أصبح فيما بعد البابا كليمنت، وتمكن سنة 1526 من استعادة ممارسة بعض المهام الرسمية قبل أن يتم إبعاده مرة أخرى إلى أن توفي سنة 1527.
قال في إهدائه لأمير فلورانسا الذي جعل له عنوان "من نيقولا مكيافيللي إلى لورنزو، الابن العظيم لبيرو دي ميديشي"، أنه خلافا للهدايا "الثمينة ذات القيمة الغالية" التي ألف الناس وهبها للأمراء، فإنني لم أجد "ما هو أغلى من معرفتي بأعمال ومنجزات عظماء الرجال، وهي معرفة اكتسبتها من خلال تجربة طويلة مررت بها وقد صاحبها العديد من الأحداث إضافة إلى ما درسته حول ما حدث في الماضي".
غير أن الكتاب يعتبر أيضاً "عاراً يلاحق مؤلفه حتى بعد وفاته بعدة قرون" كما يقول مترجمه أكرم مؤمن الذي أضاف أن كل محاولات الدفاع عن الكتاب لم "تفقده السمعة السيئة التي لحقت به وبمؤلفه"، لأنه في سبيل تحقيق هدفه المنشود؛ أي "توحيد إيطاليا"، لم يتردد مكيافيللي في توجيه نصائحه المباشرة لأمير حديث العهد بالحكم بدون خجل ولا تستر "على ما فيها من معاني الخسة والانتهازية وعدم احترام حقوق الآخرين"، بل ذهب به الأمر إلى حد اعتبار "قتل الأبرياء شيء طبيعي من الممكن فعله من أجل الحفاظ على ملك مغتصب".
آمن مكيافيللي بأن "الغاية تبرر الوسيلة" واعتبرها قاعدة حاكمة في كافة أعمال البشر وخاصة الأمراء، إذ على الأمير، بحسبه، أن يسعى "للفوز بالولاية والمحافظة عليها"، بغض النظر عن وسائله ودون أن يكترث لنظر الناس، لأن الجميع سيحكم "على وسائله بأنها شريفة ويمدحونها أيضا"؛ ذلك أن عامة الناس "يحكمون على الأشياء من مظهرها الخارجي. وهذا العالم لا يتكون إلا من هؤلاء العامة. أما غير الساذجين، فهم قلة تنعزل حين تجد الكثرة مجتمعة حول الأمير".
كما نظّر لسلطة متحررة من كل القيم الخيرة التي تتخم الخطاب الديني، فهو يرى أن "الأعمال الصالحة قد تجلب الكراهية، كالأعمال الشريرة، ولذلك فإن الأمير الذي يريد أن يحافظ على ولايته أن يقترف بعض الشرور"؛ لذلك توجه بنصيحته إلى الأمير الذي يحاول إرضاء أحد الاطراف، سواء كان الشعب أو الجيش أو النبلاء، بالقول إذا كنت تعتبر أحد هذه الأطراف ضروريا من أجل "المحافظة على مركزك"، فستضطر إلى أن "تتبع هواه وترضيه، وهنا تؤذيك الأعمال الصالحة".
ومن أجل أمير قوي ودولة قوية، أوصى مكيافيللي بتشكيل جيش وطني من أبناء البلد الأصليين، لأنهم جديرون بالوفاء والثقة، وإبعاد المرتزقة لأن هؤلاء "جبناء"، وإن أظهروا شجاعتهم في التنافس بينهم وساعدوا بعض الأمراء على بلوغ السلطة، فإنهم أول من يلوذ بالفرار عند اندلاع الحروب مع الجيوش الأجنبية، بل هم سبب مأساة إيطاليا، لأن خرابها "لم يحدث إلا بسبب الاعتماد لسنوات عديدة على القوات المرتزقة".
كما أوصى الأمير ألا يعتمد فقط على محبة شعبه، بل أن يعمد على أن يكون مهابا أيضاً، غير أن صعوبة الجمع بين الخصلتين، وهو أمر وارد، يبرر لديه دعوة الأمير إلى الانفراد بالمهابة، ولو على حساب المحبة، لأنها كما يقول: "أفضل بكثير إذا كنا لا نستطيع إيجاد الصفتين معا".
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


