كانط: أيها الواجب، ما أجلّ لفظك
13 نوفمبر 2014 | 0 تعليق

ذوات

عندما ينهد إلى تحليل الأفعال الأخلاقية، يجد الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أن صورة الفعل الأخلاقي، إنما هي إرادة العمل وفقاً لقانون عام، والإرادة العاقلة التي هي "خيّرة بذاتها" هي المبدأ أو القانون الأخلاقي؛ فالإنسان إذا احترم عقله، احترم إنسانيته، وكان إنساناً طيباً خيراً، فالإرادة العاقلة هي بعينها الإرادة الخيّرة التي تقصد الخير من أجل ذاته، وأفعال الإنسان الصادرة عنها غير مشروطة بغايات أو مقاصد أو شهوات خارجية، والذي يدفع الإنسان لسلوك الإرادة الخيرة، هو صوت الواجب.

وأفعال الإنسان، كما يرى كانط، تصدر إما عن الشعور بالواجب، أو تكون مطابقة للواجب. في الأولى، يكون الإنسان في صراع مع نزعاته الطبيعية. أما في الثانية، ففعله منزّه عن الأغراض والغايات، ما يعطي للواجب معنىً عقلياً، إنها إذن، عاطفة احترام الواجب لذاته، وهي عاطفة أصيلة تدفع المرء في أفعاله لاحترام الواجب كقانون أخلاقي، لا يتجه إلى شيء خارج عنه إلا بوصفه قانوناً، لكن الإرادة الإنسانية ناقصة، وتخضع لدوافع حسية تعارض القانون الأخلاقي (الواجب) فينقلب الواجب إلى أمر مطلق Katagorischer Imperativ يقيد الإرادة مباشرة من دون قيد أو شرط، ويستحيل إلى ضرورة كلية عامة، يصبح معها الفعل الأخلاقي قاعدةً عامة لجميع البشر، وهذا، كما يذكر سوسان إلياس في "الموسوعة العربية"، مضمون قول كانط: "اعملْ دائماً حيث يكون فعلك قانوناً كلياً"، وعندها يتحرر الفعل من الدوافع والرغبات والميول الذاتية ويصبح كلياً.

وإذا كان هناك ثمة غاية للفعل الإنساني، وليس فقط قوة العمل بناءً على تصور القانون، عندها ستكون غاية يضعها العقل وحده، ولا ترجع إلى شيء خارجي، وستكون الإرادة هي المشرِّع الوحيد والكلي للقانون الأخلاقي بالعودة إلى العقل وحده. فالواجب ليس ممكناً إلا بالحرية، لأنه إذا كان على الإنسان واجب، لابد من أن تكون له القدرة على أدائه، والقانون لا يعمل إلا بالنسبة إلى كائن حر فالقانون علّة الحرية، والحرية علّة وجود القانون. ويجب أن يفعل الإنسان الخير، لكن هناك الخير الخلقي هو إرادة العمل وفقاً للواجب، والخير الطبيعي القائم على الميول الحسية، ومنهما يتركب الخير الأسمى، وهو مركب من الفضيلة والسعادة، وهما معنيان متغايران: فالفضيلة معنى عقلي، وهي كلية ترجع إلى القانون الأخلاقي، وللسعادة معنى حسي جزئي، ولكي يتحقق الخير الأعظم لابد من التسليم بعالم علوي وفاعل تتحد فيه الفضيلة والسعادة، وهو الله.

كان كانط، وهو يضع ملامح فلسفته الأخلاقية، مهجوساً بأسئلة كثيرة من قبيل:

هل المبادئ الأخلاقية فطرة انطبعت في عقل الإنسان دون أن يتعلمها؟

هل الإنسان الفرد قادر على الالتزام الأخلاقي والتفاعل مع المجتمع حسب هذا الالتزام؟

من أين جاءت هذه المبادئ الأخلاقية؟

هل هناك آلية، تمكننا من فحص دوافعنا والحكم عليها بطريقة مجردة؟

لقد قدم كانط أمثلة على صورة الفعل الأخلاقي الذي يتوخاه، في حين راح كتّاب يقدمون أمثلة أخرى حول الحيرة إزاء العمل الأخلاقي؛ ففي رواية "الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي، نقرأ عن "راسكلنيكوف"، وهو شاب روسي معدم، يعاني الأمرّين من الفقر. يجبره فقره أن يستدين من العجوز المرابية "إليونا إيفانوفنا". وبعدَ أن يرى "راسكلنيكوف" جشع هذه المرابية، واستغلالها للمساكين والفقراء كي تجني المزيد من المال، يصل إلى استنتاج خاص به: "أنه لو قام بقتلها، فسوف يؤدي خدمةً لمجتمعه".

يؤكد كانط أن الإنسان بصفته "إرادة حرة"،" وكينونة عقلية " قادر على استخلاص المثال الأخلاقي الأسمى ومن ثم اتبّاعه، بعيداً عن التضليل الذي قد تمارسه علينا رغبتنا الشخصية.

حين يدعو كانط في قانونه الأخلاقي: "تصرّف فقط حسب البواعث التي تستطيع أن تجعلها قانوناً كونياً (عاماً) للطبيعة"، فمعناه، أن نحدد "باعث" التصرف الذي نقدم عليه، بعد تجريد هذا الباعث من الظروف المحيطة به

فهو حين يدعو في قانونه الأخلاقي: "تصرّف فقط حسب البواعث التي تستطيع أن تجعلها قانوناً كونياً (عاماً) للطبيعة"، فمعناه، أن نحدد "باعث" التصرف الذي نقدم عليه، بعد تجريد هذا الباعث من الظروف المحيطة به، والنتيجة التي سوف يفضي إليها، كما أن علينا تخيل عالماً يحمل فيه كل شخص الباعث ذاته.

ثم علينا، وفق شرح المبدأ الكانطي، أن نقرر ما إذا كانت هناك تناقضات، يمكن أن تحدث حينها في هذا العالم المفترض، فإذا أمكن حدوث تناقضات، فلا يسمح باتباع هذا الباعث، وإن لم توجد التناقضات، فإن الباعث يغدو واجباً يتعين فعله، بلا ريب.

وفي ضوء مثال "راسكلنيكوف"، فإن قتل العجوز المرابية، يتصادم مع البواعث الأخلاقية التي حددها كانط، كي لا يغدو القتل قيمة كونية، فيفنى المجتمع؛ فالقتل هاهنا قيمة فاسدة لا يمكن اتباعها أو ممارستها من قبل "إرادة حرة" و"كينونة عقلية".

الأخلاق إذن، عند كانط صورية محض؛ أي أنها، كما يقول عبد الرحمن بدوي، تتوقف على صورة الأفعال، لا على مضمونها؛ أي على كون هذه الأفعال قد تمت وفقاً للواجب والقانون. وهذه الصورة هي المميزة للإرادة الخيّرة، وهي الإرادة الخاضعة لقانونها الخاص، احتراماً لهذا القانون. ولهذا، فإن الإرادة الخيّرة هي وحدها الخير بغير قيود؛ وتبعاً لذلك فلكي يكون الأمر مطلقاً، فلابد أن تكون الغاية التي يفرضها غاية مطلقة؛ أي غاية في ذاتها، دون قيد ولا شرط.

ويتحدث بدوي عما يسميه "الواقعية الأخلاقية" لدى كانط التي تقوم على القول بضرورة الأخلاق، مثل ضرورة العلم، لا ينبغي أن تنحل إلى واحد من موضوعاتها المادية، وأنها تستند إلى شرعيتها العقلية. وبهذا، تصبح الواقعية الأخلاقية هي واقعية الإرادة، والواقع بالنسبة للأخلاق هو واقع القانون العقلي وشرعيته، فليست الواقعية في الأخلاق هي واقع التجربة أو السلوك، ولكنها هي واقع القوانين الأخلاقية القبْلية، وهذا لربما ما يبرر وصف بدوي لكانط بأنه "أكبر نبي للنزعة العقلية في القانون".

إن الإنسان، في نظر كانط، ليس حيواناً تحركه غرائزه وشهواته وميوله، وتدعوه فقط إلى المحافظة على بقائه مهما كلف الأمر، بل إن الإنسان كائن أخلاقي يحركه "الواجب" المؤسس على الضمير والاحترام والقانون.

إنه "الواجب" الذي خاطبه كانط في كتابه "نقد العقل العملي": "أيها الواجب، ما أجلّ لفظك، وما أرفع اسمك. حقاً إنك لا تثير لدينا أي شعور ملائم، كما أنك قلما تغرينا وتأسر لُبنا، لكنك مع ذلك تأمرنا من علياء سمائك بأن نخضع لك، ونستمع لندائك، دون أن نستعين، من أجل تحريرإرادتنا، بأي تهديدات تستثير في نفوسنا الشعور الطبيعي بالخوف أو الفزع".

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق